في رحاب الضيافة العظمى

كيف نستثمر الوقت؟

0

إذا كان هنالك شخصٌ عظيم الشأن والمنزلة، عالي المقام، رفيع المكانة، جوادٌ كريم، وسخي معطاء، يعطي كل من سأله، ويسمع لكل من يحدثه، و يدعوك ذات يوم إلى مأدبة، وأن تقضي تلك الليلة عنده، ثم يُخبرك أنه سيسمع لكل ما تتحدث به، ويعطيك كل ماتطلبه منه، فماذا تصنع حينئذ؟
أ لست ستذهب وتجهز نفسك، وتهتم بمظهرك، وتُعد نفسك الإعداد الكامل للّقاء، وتحضر في الوقت المحدد، وتكون في غاية الأدب والاحترام.
فهل من المعقول، يا ترى، أنك عندما تصل إليه ستنشغل عنه باللعب، او اللهو، او النوم، وهو الذي جعل هذا الوقت لأن تحدثه ويحدثك وأن تطلب منه كل ما تريد وهو سيجيبك، فهل ان العاقل يفعل مثل هذا؟! أم أنك تحاول أن لا تضيع ثانية واحدة، وتجتهد لأن تتكلم بكل ما في ذهنك، وتطلب كل ما تحتاجه، ثم يسمع ذلك الشخص الداعي ذو المنزلة العظيمة، لكل ما تقوله. لذا لا تفرط بالوقت أبداً، مادمت موجوداً في ضيافة شخص عظيم الشأن.
كل هذا في مقياس أهل الدنيا، والبشر المخلوقين، فما بالك إذا كان الداعي هو الخالق العظيم، والرب الكريم الذي خلقنا من لا شيء، وبنعمته رزقنا، ومن غير استحقاق أعطانا. الكريم الذي لا حدّ لكرمه، والمنعم الذي لا تحصي نعماءه.
فها نحن على أبواب الضيافة الكبرى، وهي ضيافة الرب الكريم، إذ إنه، عزّ وجلّ، قد دعانا لضيافته، وجعلنا من أهل كرامته، وذلك من خلال شهر رمضان المبارك، فهو «شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله وجُعلتم فيه من أهل كرامة الله»، كما قال الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله.
وما شهرا؛ رجب وشعبان إلا مقدمة لتهيئة أنفسنا للدخول في هذه الضيافة العظمى، فكيف سندخل بهذه الضيافة؟ وبماذا سنقضي الوقت في اثنائها.
إنها ساعات، من أفضل الساعات، وخصوصا ساعات ما بعد الإفطار، فبماذا نقضّيها، وهي التي لا يوجد لها مثيل طيلة ساعات العام كله، لأنها أوقات وساعات نحن نكون فيها في ضيافة الله -عز وجلّ- التي لا نوفق لها في غير وقت.
نحن في بعض الأحيان نجدّ ونجتهد لأن نكون في ضيافة الله ونستشعر القرب منه، ولكن لربما لا نحصل على ذلك، أما في شهر رمضان فهو الذي دعانا لضيافته، فهل من المعقول أن نقضي أوقات هذه الضيافة باللعب و اللهو، او بمشاهدة البرامج التلفزيونية التي لا فائدة منها، أو الحضور في مجالس البطّالين، او قضاء الساعات في النوم؟ أم أن اللبيب هو من يستثمر الوقت، ولا يضيع لحظة واحدة منه دون الاستفادة منه في التقرّب إلى الله، والتعرّض إلى نفحاته، وهو الذي أعطانا الفرصة في هذا الشهر أن يحدثنا ونحدثه، ويستمع لنا ويستجيب دعاءنا، فإذا أردنا ان نحدثه فما علينا إلا أن نقف ونصلي له، وندعوه بنيّات صادقة، وقلوب طاهرة، وقد وعدنا جلّ اسمه، بالإجابة، وهو القائل في سياق الآيات القرآنية عن شهر رمضان: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}.
وقد أكد على ذلك حبيبه المصطفى، صلى الله عليه وآله، حين قال في خطبته الشهيرة: «ودعاؤكم فيه مستجاب»، إذن؛ الاستجابة مضمونة في شهر رمضان دون غيره من الشهور.
وإذا أردنا ان يحدثنا الله فما علينا إلا أن نقرأ القرآن الكريم لأن هذا الشهر هو {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ}، فالقرآن أحسن الحديث، لذلك نزل في أحسن الشهور، وقراءة القرآن في شهر رمضان تختلف عن غيرها، فإذا قرأت آية واحدة في شهر رمضان، كأنما ختمت القرآن في غيره من الشهور، كما ان الإمكانية في هذا الشهر العظيم تتسع لفهم ما يحتويه كتاب الله من بصائر ومعارف.
فلكل شيء ربيع وربيع القرآن شهر رمضان.
فالسعيد من وفق لأن يستغل أوقات هذه الضيافة العظمى بالدعاء والمناجاة والتضرع إلى الله وطلب المغفرة منه، والزلفى لديه، والفوز برضوانه، وتلاوة كتاب ربه، وفهم مضمونه، وأصغى لكلامه، وطبق أوامره ونواهيه، واستفاد من بصائره وسننه.
إن الشقي من حرم ذلك، وفرّط و ضيّع أفضل أوقاته، على ما لا قيمة له، ثم ليحصد الندامة غداً.