المرجع المدرسي يواصل تدبراته في سورة الانسان طيلة ليالي شهر رمضان المبارك وسط حضور مميز، (اليوم الاول)

0

استمرار منه لما بدأه قبل حوالي الاربعين سنة يواصل سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، دام ظله، تدبراته في سور القران الكريم في هذا الشهر الفضيل شهر رمضان شهر ربيع القران.
وأكد مدير مكتب المرجع المدرسي في طهران، سماحة السيد شبر ابراهيم، ان سماحته كما هو المعتاد في كل عام بدأ تدبراته في احدى سور القران الكريم، ووفي هذه السنة كان تدبره وحديثه عن سورة الانسان.
وبين سماحته في تصريح لمجلة الهدى، ان ما يميز هذه السنة هو الحضور المتميز من حيث الكمية والنوعية ومن الليلة الاولى التي ابتدا بها البرنامج ليلة الاول من شهر رمضان مبارك، لافتا الى ان الحضور كان متعددا في في اطيافه، حيث يتكون من شرائح العلماء وأئمة الجماعة والخطباء وطلاب الجامعات وكذلك بعض المسؤولين.

وفيما يلي تدبر الليلة الاولى من شهر رمضان المبارك..

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الاول)

“لم يكن شيئاً مذكورا”
بسم الله الرحمن الرحيم
[هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ‏ حينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً] (1)
صدق الله العلي العظيم
من الحديث
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ كَانَ جَزَاؤُهُ عَلَى اللَّهِ جَنَّةً وَ حَرِيراً، وَ مَنْ أَدْمَنَ قِرَاءَتَهَا قَوِيتَ نَفْسُهُ الضَّعِيفَةُ، وَ مَنْ كَتَبَهَا وَ شَرِبَ مَاءَهَا نَفَعَتْ وَجَعَ الْفُؤَادِ، وَ صَحَّ جِسْمُهُ، وَ بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ».[1]
تفصيل القول
بالرغم من أنّ سور القرآن الكريم كلّها عظيمة الّا أنّ بعض السور تتجلّى عظمتها لنا، ونحن نأمل أن تكون شفيعة لنا كما سائرُ الآيات والسور، وكلّما اقترب روحنا مع روح القرآن نال شفاعته.
ما هو الاطار العام لهذه السورة؟
يبدو أن محور السورة المباركة بعد التدبّر في آياتها وفي اسمها المبارك وبالاستنارة بالروايات المباركة نجد أنّ المحور في السورة هو الشكر، لكن ليس المعنى المحدود للكلمة، إذ يتداعى الى الذهن معنى محدود، ولكن الصحيح أن نجنّب أنفسنا الحكم على المواضيع وفق الفهم الضيّق المحدود، بل نحاول النفوذ الى حقيقة الكلمة وواقعها.
فكلمة الماء قد تقال الى بدوي في الصحراء فيتبادر الى ذهنه غدير الماء وقد تقال الى بحّار ليداعى الى ذهنه المُحيط الواسع..هكذا الشكر لو تأمّلنا في معناه سنجد أنه في الواقع جذرٌ لشجرة الفضائل، فمن يملك الشكر يُعطى الايمان والصدق والتقوى وأغلب الفضائل.

ما رأيت الّا جميلا
لو أردنا أن نعرف بعض أبعاد الشكر علينا أن ندرس ذلك من خلال مدرسة عاشوراء، من دعاء الامام الحسين عليه السلام في عرفة الذي يُبيّن أبعاد الشكر المُختلفة، الى احداث عاشوراء وما بعد عاشوراء والى الكلمة العظيمة التي قالتها السيدة زينب عليها السلام لابن زياد حيث قالت: (ما رأيت الّا جميلاً).
لو فكّر الانسان في هذه الكلمة العظيمة سيجدها نتاج دعاء الامام الحسين يوم عرفة والمعاني العرفانية العظيمة والأبعاد المختلفة التي يشكر بها المولى ربّه، وهكذا علينا أن يُفكّر الانسان في ذلك، منذ بدء الخليقة والمراحل التي مرّ بها، حيث لم يكن مذكوراً، من مرحلة التقدير، الى عالم الاضلّة والاشباح، ثم الى عالم الذر، والاصلاب، ثم عالم الأرحام كما يقول الامام الحسين عليه السلام: ((ابْتَدَأْتَنِي بِنِعْمَتِكَ قَبْلَ أَنْ أَكُونَ شَيْئاً مَذْكُوراً وَ خَلَقْتَنِي مِنَ التُّرَابِ ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي الْأَصْلَابَ آمِناً لِرَيْبِ الْمَنُونِ وَ اخْتِلَافِ الدُّهُورِ فَلَمْ أَزَلْ ظَاعِناً مِنْ صُلْبٍ إِلَى رَحِمٍ فِي تَقَادُمِ‏ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ وَ الْقُرُونِ الْخَالِيَة))[2]
تلك الحقائق تُبصّر الانسان بحقيقته وكيف انه لم يكن شيئاً مذكوراً ومن ذلك يستوعب الانسان حقيقة الشكر الذي يمثّل جذر الفضائل عند الانسان.
يقول رّبنا تعالى: [هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ‏ حينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً]
قد اختلفوا في حرف «هل»، فقال بعضهم: أنّه هنا بمعنى (قد)، و قال آخرون: بل هو استفهام تقريري، يعرف السائل الجواب سلفا، و إنّما يطرح الكلام لأخذ الإقرار من الطرف الآخر.
و يبدو لي أنّ الكلمات تبقى بمعناها اللغوي عند الاستعمالات الأدبية المختلفة، إلّا أنّ هدف الاستخدام يختلف حسب السياق، فهل هنا- مثلا- جاء بمعنى الاستفهام، أمّا لما ذا جاء الاستفهام؟ فهو ليس شأن الكلمات إنّما هو شأن الذي استخدمها. و يكون مثل ذلك في عالم الماديات: السيارة التي تقوم بحمل الإنسان. أمّا إلى أين و لما ذا يتحرك الإنسان؟ فهذا ليس شأنها إنّما هو شأنه.

[عَلَى الْإِنْسانِ‏]
واستخدام كلمة الانسان للتدليل على حقيقته وطبعه.
[حينٌ مِنَ الدَّهْرِ]
ليس زماناً محدوداً، بل بقي على ذلك ما لا يُحصى من الزمان، وقد يعود كذلك أيضاً في عوالم تأتي.
[لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً]
كان شيئاً ولكن لم يكن مذكوراً، وكفى بذلك داعياً للتفكير عند الانسان ولكسب قيمة الشكر لأنعم الله تعالى.
_______________________
[1] البرهان في تفسير القرآن، ج5، ص: 543.
[2] إقبال الأعمال (ط – القديمة)، ج‏1، ص: 340