المناجاة الشعبانية – الحلقة التاسعة

حتى لا تشغل الحياة الدنيا كُل تفكيرنا

0

المقطع الخامس: “وَتَعْلَمُ ما في نَفْسي، وَتَخْبُرُ حاجَتي، وَتَعْرِفُ ضَميري، وَلا يَخْفى عَلَيْكَ اَمْرُ مُنْقَلَبي وَمَثْوايَ، وَما اُريدُ اَنْ اُبْدِئَ بِهِ مِنْ مَنْطِقي، واَتَفَوَّهُ بِهِ مِنْ طَلِبَتي، وَاَرْجُوهُ لِعاقِبَتي”.

“وَما اُريدُ اَنْ اُبْدِئَ بِهِ مِنْ مَنْطِقي، واَتَفَوَّهُ بِهِ مِنْ طَلِبَتي”
حينما أريد أن أنطق أو أتفوه بكلمة، فهل هي تخفى على الله -سبحانه وتعالى- الذي هو عالم بما في ضمير الإنسان، وهو العارف به، كلا؛ وألف كلا، ولذلك استخدم الإمام، عليه السلام، هنا عبارة “اُبْدِئَ”، وهي من البدو؛ أي الإظهار، فحينما يريد البشر أن يتحدث ـ وكما يقول علماء الالسنية الحديثة- يبدأ أولاً باستخراج الكلمات التي يحاول التعبير من خلالها عن تلك الفكرة التي تنتظم في ذهنه ومن ثم يتفوه بها على لسانه، والتفوّه هو إخراج الكلام من الفم، وهو الحد الفاصل بين ما يفكر وما ينطق به الانسان، فالكلمة أسيرة له إلى أن ينطق بها، فإن فعل فسيكون هو أسيراً لها كما يقول المثل المعروف.
ولذلك قيل لحافة الوادي: فوهة الجبل، فما أريد أن اتفوّه به من الطلبات التي أحاول إظهارها وهي التي تختلج تفكيري، يعلمه الله تعالى.
ربما يقول قائل: فلماذا السؤال إذن؟
إذا كان الله –تعالى- يعلم ما أريد فلماذا الدعاء؟ ولماذا الطلب؟ ولماذا النطق والتفوّه؟
نحن وفي حديثنا عن فقرات قادمة من هذه المناجاة، سنتناول مبحث التفويض الى الله، وهي مرحلة لا يصل اليها إلا الأولياء المخلصون المصطفون، كالنبي إبراهيم الذي فوّض أمره إلى الله –تعالى-، و هي مرحلة ترك الاقتراح عليه كما في الحديث الشريف.
ولكن هنا ـ وفي الإجابة على التساؤل ـ ينبغي أن نقول، أن حكمة الله البالغة اقتضت أن تجري الأمور بأسبابها، و هو المسبّب لها و القادر على إمضائها بلا سبب‏، فحتى أن النبي موسى، على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام، سأل الله –عزوجل- أن يشافيه من مرضه، فأمره الله –تعالى- بأن يراجع الطبيب وأن يأخذ الدواء.
أما أن يتصور الإنسان مجرد علم الله -سبحانه وتعالى- كافياً في ذلك، فهو وإن كان كذلك، إلا ان الله سبحانه يحب أن يسأله العبد حاجته، فأن يشعر الإنسان بالعبودية لله، أمرٌ في غاية الأهمية، ولذا لا يكفي ان يتحدث الإنسان مع ربه بقلبه فقط، بل عليه ان يتفوّه بطلبته كما يقول امير المؤمنين، عليه السلام، فذلك من الاسباب التي أجراها الله –سبحانه- في الكون، ثم إن الله -سبحانه وتعالى- يأنس بسماع دعاء المؤمن، أو لم يأمر نبيه موسى بطلب حتى ملح الطعام منه؟!

  • “وأرجوه لعاقبتي”

ينقل الوالد (المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي)، أنه كان يطوف ببيت الله الحرام في شهر رجب الأصب، وإذا بعجوزة أمسكت بطرف ردائه وقالت له: سيدي! أريد أن أدعو و أنت تؤمّن على دعائي، وبدأت بالدعاء –يقول المرجع المدرسي- فقالت: اطلب من الله تعالى، أن يرزق زوجي الحج، فهو لم يحج في حياته، فأمّن لها السيد.
ثم قالت: يا سيدنا! أريد من الله ان يجعل أولادي من اصحاب الإمام الحجة، عجل الله فرجه الشريف، ثم قالت: اطلب من الله تعالى أن يرزقني نور القرآن، أنا أريد ان أرى نور القرآن.
يقول سماحة السيد: إنها أثارت استغرابي بهذا الدعاء ولكنه أمّن لها عليه.
ثم قالت: يا سيدنا! أريد ان يرزقني الله طيّ الأرض!
هنا يقول سماحة السيد: قلت لها: وماذا تفعلين بطيّ الأرض؟ قالت: أريد أن أذهب للزيارة وآتي للحج والعمرة بإستمرار.
وهنا كان عند الحجر الأسود، و ذهبت المرأة الى سبيلها.
يقول سماحة السيد: فكّرت في مقالة المرأة فلم أرَ انها طلبت شيئاً من الدنيا، فهي لم تدعُ لمريض، ولم تطلب مالاً، ولم تدعُ للخلاص من مشكلة دنيوية، لها أو لأهلها، بل كانت أدعيتها كلها تصب في اتجاه واحد وهو العقبى.

حقيقة، الدنيا ومهما كانت صعبة على الإنسان فإنها “تَغُرُّ وَ تَضُرُّ وَ تَمُرُّ” فـ “اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَرْضَهَا ثَوَاباً لِأَوْلِيَائِهِ وَ لَا عِقَاباً لِأَعْدَائِهِ” و “إِنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا كَرَكْبٍ بَيْنَا هُمْ حُلُولٌ إِذْ صَاحَ بِهِمْ سَائِقُهُمْ فَارْتَحَلُوا”.
فهي بما فيها من خير وشر، من سرور وحزن، من حلاوة ومر، فهي زائلة.
وهل بقي الصديق، وهل بقي العدو؟
حينما أنهى ذلك الرجل بناء قصره، سأل بهلول أن يعظه، فقال باختصار شديد: هذه قصورهم وهذه قبورهم. أنظر الى القبور! هل ترى الفرق بين الغني والفقير؟ وبين الحاكم والمحكوم؟ وبين الغريب وغيره؟
يصف الإمام الصادق، عليه السلام، الدنيا: “إن رجلاً تعقبه ذئب فهرب من الذئب فدخل في البئر، وضع رجلاً من هنا و رجلاً من هناك و اراد ان ينزل الى داخل البئر هرباً من الذئب، ولكن نظر الى داخل البئر فرأى حيّات وعقارب فوقف في وسط البئر، فصار فوقه ذئب يترقبه، فبدأ الذئب يرمي التراب على رأسه وهو في وسط البئر، لا يدري كيف يتخلص، فنظر الى جدران هذا البئر فوجد بعض الخضار فانشغل بها عن الذئب وعن الحياة والعقارب، ثم قال: الذئب هو الموت الذي يتعقبنا و يبحث عنّا، وهذا التراب الذي يرميه على رأسه، أيام من عمره، والحيّات والعقارب في قبره، وهذه النباتات الصغيرة في جدار البئر هي الدنيا مشغول عن الذئب والحياة والعقارب بهذه الوريقات الخضراء”.
فإذا كانت الدنيا كذلك، فهل يعقل للإنسان أن يجعلها موضع أهمية؟ ألم يقل سيد البلغاء أمير المؤمنين، عليه السلام، وهو يوصي بني آدم: “إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةُ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا”؟
في يوم من الأيام، رأى أمير المؤمنين، جابر بن عبد الله الأنصاري، رضوان الله عليه، وقد تنفس الصعداء، فَقَالَ له: “يَا جَابِرُ عَلَامَ تَنَفُّسُكَ أَ عَلَى الدُّنْيَا؟
فَقَالَ جَابِرٌ: نَعَمْ.
فَقَالَ لَهُ: يَا جَابِرُ مَلَاذُ الدُّنْيَا سَبْعَةٌ: الْمَأْكُولُ وَ الْمَشْرُوبُ وَ الْمَلْبُوسُ وَ الْمَنْكُوحُ وَ الْمَرْكُوبُ وَ الْمَشْمُومُ وَ الْمَسْمُوعُ فَأَلَذُّ الْمَأْكُولَاتِ: الْعَسَلُ وَ هُوَ بَصْقٌ مِنْ ذُبَابَةٍ. وَ أَحْلَى الْمَشْرُوبَاتِ الْمَاءُ وَ كَفَى بِإِبَاحَتِهِ وَ سِبَاحَتِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. و أَعْلَى الْمَلْبُوسَاتِ الدِّيبَاجُ وَ هُوَ مِنْ لُعَابِ دُودَةٍ. وَ أَعْلَى الْمَنْكُوحَاتِ النِّسَاءُ وَ هُوَ مَبَالٌ فِي مَبَالٍ وَ مِثَالٌ لِمِثَالٍ وَ إِنَّمَا يُرَادُ أَحْسَنُ مَا فِي الْمَرْأَةِ لِأَقْبَحِ مَا فِيهَا. وَ أَعْلَى الْمَرْكُوبَاتِ الْخَيْلُ وَ هُوَ قَوَاتِلُ. وَ أَجَلُّ الْمَشْمُومَاتِ الْمِسْكُ وَ هُوَ دَمٌ مِنْ سُرَّةِ دَابَّةٍ. وَ أَجَلُّ الْمَسْمُوعَاتِ الْغِنَاءُ وَ التَّرَنُّمُ وَ هُوَ إِثْمٌ.
فَمَا هَذِهِ صِفَتُهُ لَمْ يَتَنَفَّسْ عَلَيْهِ عَاقِلٌ؟!
قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: فَوَ اللَّهِ مَا خَطَرَتِ الدُّنْيَا بَعْدَهَا عَلَى قَلْبِي.
وإلى هذه الحقيقة يشير الإمام، عليه السلام، في هذا المقطع من الدعاء، أن الإنسان إذا كان يرجو الله تعالى في أمر، فليكن الأمر مرتبطاً بالعاقبة، فهي الأساس، و ما غير ذلك هي الثانويات التي يجب أن لا تشغل الإنسان عن مطالبه الحقيقية.
وأساساً، لو نتمعن في كلمات هذه المناجاة العظيمة لا نجد مطلباً ـ على كثرة مطالبها ـ يرتبط بالدنيا وحياة الإنسان بها وإنما تصب التركيز على الآخرة.
وربنا -عزّ اسمه- يخاطب نبيه قائلاً له: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى}.
ربما يُفهم خطأً؛ أن الإنسان يجب عليه أن يكون هاجراً للدنيا هجران الرهبنة، كلا؛ بالطبع، فلا رهبانية في الإسلام، وإنما “رهبانية أمتي الجهاد” كما قال النبي، صلى الله عليه وآله، بل يجب أن لا تكون الدينا هي الغاية بالنسبة إلى الإنسان، بل ينبغي على الإنسان أن يدعو الله -سبحانه وتعالى- دائماً بالدعاء المعروف: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.
وفي هذا المقام نذكر رواية جميلة عن رسول الله، صلى الله عليه وآله، وكما يرويها لنا الإمام الباقر، عليه السلام، أنه كان، صلى الله عليه وآله، قد نزل على رجل بالطائف قبل الإسلام فأكرمه، فلما أن بعث الله النبي الأكرم قيل للرجل أتدري من الذي أرسله الله عزوجل؟
قال الرجل: لا، فقالوا له هو محمد بن عبد الله، يتيم أبي طالب، وهو الذي كان نزل بك بالطائف يوم كذا وكذا فأكرمته.
قال: فقدم الرجل على رسول الله، صلى الله عليه وآله، فسلّم عليه و أسلم، ثم قال: أتعرفني يا رسول الله؟
قال النبي: “وَ مَنْ أَنْتَ؟” قال: أنا رب المنزل الذي نزلت به بالطائف في الجاهلية يوم كذا وكذا، فأكرمتك.
فقال: له رسول الله، صلى الله عليه وآله: “مَرْحَباً بِكَ سَلْ حَاجَتَكَ”.
فقال: أسأل مائتي شاة برعاتها، فأمر له رسول الله، صلى الله عليه وآله، بما سأل، ثم قال لأصحابه: “أمَا كَانَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ أَنْ يَسْأَلَنِي سُؤَالَ عَجُوزِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى”؟
فقالوا: وما سألت عجوز بني إسرائيل لموسى؟ فقال: “إِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ أَوْحَى إِلَى مُوسَى أَنِ احْمِلْ عِظَامَ يُوسُفَ مِنْ مِصْرَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ بِالشَّامِ.
فَسَأَلَ مُوسَى عَنْ قَبْرِ يُوسُفَ، عليه السلام، فَجَاءَهُ شَيْخٌ فَقَالَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَعْرِفُ قَبْرَهُ فَفُلَانَةُ، فَأَرْسَلَ مُوسَى، عليه السلام، إِلَيْهَا، فَلَمَّا جَاءَتْهُ قَالَ تَعْلَمِينَ مَوْضِعَ قَبْرِ يُوسُفَ، عليه السلام،؟
قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَدُلِّينِي عَلَيْهِ وَ لَكِ مَا سَأَلْتِ.
قَالَت: لَا أَدُلُّكَ عَلَيْهِ إِلَّا بِحُكْمِي، قَالَ: فَلَكِ الْجَنَّةُ، قَالَتْ: لَا إِلَّا بِحُكْمِي عَلَيْكَ، فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى مُوسَى: لَا يَكْبُرُ عَلَيْكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهَا حُكْمَهَا، فَقَالَ لَهَا مُوسَى: فَلَكِ حُكْمُكِ، قَالَتْ: فَإِنَّ حُكْمِي أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِي دَرَجَتِكَ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْجَنَّةِ”!
فقال رسول الله، صلى الله عليه وآله: “مَا كَانَ عَلَى هَذَا لَوْ سَأَلَنِي مَا سَأَلَتْ عَجُوزُ بَنِي إِسْرَائِيلَ”.
“اللَّهُمَّ إِنَّكَ آنَسُ الْآنَسِينَ بِأَوْلِيَائِكَ وَ أَحْضَرُهُمْ بِالْكِفَايَةِ لِلْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْكَ تُشَاهِدُهُمْ فِي سَرَائِرِهِمْ وَ تَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ فِي ضَمَائِرِهِمْ وَ تَعْلَمُ مَبْلَغَ بَصَائِرِهِمْ فَأَسْرَارُهُمْ لَكَ مَكْشُوفَةٌ وَ قُلُوبُهُمْ إِلَيْكَ مَلْهُوفَةٌ إِنْ أَوْحَشَتْهُمُ الْغُرْبَةُ آنَسَهُمْ ذِكْرُكَ وَ إِنْ صُبَّتْ عَلَيْهِمُ الْمَصَائِبُ لَجَأوا إِلَى الِاسْتِجَارَةِ بِكَ عِلْماً بِأَنَّ أَزِمَّةَ الْأُمُورِ بِيَدِكَ وَ مَصَادِرَهَا عَنْ قَضَائِكَ”.