ما دورنا في تحقيق العدالة الإلهية؟

0

ماذا تعني عدالة الله في زمن يسود الظلم كل مكان؟
وكيف تتحقق العدالة الإلهية بالاقتصاص من الظالم وإنصاف المظلوم؟
بدايةً؛ العدالة جزء من ذات الله، وليست صفة طارئة عليه، لذا فالإيمان به –تعالى- ملازماً للإيمان بعدالته ايضاً؛ فالإيمان بالله، يعني الإيمان بعدالته، كما يعني الإيمان بقدرته، وبعلمه، و وجوده، كما أن الكفر بعدالة الله، يعني الكفر بالله.
والله –تعالى- ليس كأحدنا ذاتاً مجردة عن الصفات، وإنما هو ذات تتحد مع الصفات اتحاد الذات مع نفسها. فلو آمنا بالله دون عدالته فإيماننا باطل.
وعندما تتعرض الشعوب للظلم؛ سواء الظلم الاجتماعي من الداخل، او الظلم السياسي من الانظمة الديكتاتورية الحاكمة، فان النتيجة التي يراها الناس المغلوب على أمرهم؛ بقاؤهم في ضنك العيش، ومرارة الحياة، وقلّة ذات اليد، بينما ينتعش التاجر المحتكر للبضاعة، او المستورد للبضاعة الرديئة او الفاسدة، وايضاً استمرار الدفء في حياة الفاسدين في مختلف دوائر الدولة.
فالسؤال الكبير الذي يبحث عن إجابة؛ كيف يتلمس الناس العدالة الإلهية بما يشفي الصدور ويعزز الايمان لديهم؟

  • الظلم لا يحقق النجاح

إن النجاح أو الفشل لأي فرد أو أمة أو مبدأ لن يكون إلا بالسير وفق قوانين العدالة وأسس الصدق، صحيح أن بعض الأفراد، أو الأمم يكسبون نجاحات باهرة على حساب قواعد العدالة، ولكن ليست هذه النجاحات إلا فقاعات تنتفخ لفترة محددة ثم تغيب في الهواء.
إن الظلم لا يمكن أن يمر بسلام، لأن الظلم خرق للعدالة، بل وخرق لقانون الطبيعة، يكفي أن نلاحظ حياة الحيوان، من الدابّة على الارض، او السابحة في الاعماق، او المحلقة في الأعالي، كلها تعيش وتتكاثر دون أن يلحق حيوان ظلماً بآخر، وإلا لما استمرت حياة الطيور والاسماك وسائر الحيوانات في الغابات والسهول، ولانقرضت بسبب التآكل والافتراس فيما بينهم، انما كل حيوان يأكل ما مقسوم له وفق قانون الطبيعة، كما نشاهد تخلف النطيحة والمتردية من القطيع، وعندما يأخذ الحيوان كفايته من الطعام فانه ينزوي الى مكان بعيد، مهما كانت وحشيته، فهو لن يتمادى في تهديد الحيوانات باستمرار، كما يفعل الانسان مع مختلف اشكال الحيوانات.
انما المشكلة في أن البعض – او الكثير- يتصور ان بامكانه البناء في الحياة دون الحاجة الى قيمة العدل، متغافلين عن قانون الطبيعة والحياة القائمة –ربانياً- على قيم الحق والفضيلة، ولها منبع الاستجابة الكبرى في الانسان وهي؛ الفطرة السليمة في كل مولود من بني البشر، يكفينا مثالاً واحداً فقط في ظاهرة الفساد المالي والاداري المستشري في معظم بلادنا الاسلامية –إن لم نقل جميعها- فمن يتابع جذورها يصل الى فقدان العدالة في توزيع الثروة وفرص العمل والامكانات على أهل الخبرة والطاقات من افراد المجتمع. وهذا الفساد الاداري بدوره يخلّف وراءه الازمات الاقتصادية والسياسية، بل وحتى الكوارث مثل السيول والفيضانات وانتشار الامراض الخطيرة، كلها بسبب وجود فاسدين ولصوص مقنعين في مواقع المسؤولية كمدراء و وزراء، وحتى نواب برلمان، وصلوا الى هذه الناصب من خلال ممارسة الظلم.

  • وهل ننتظر العقاب الإلهي؟!

تتناقل الادبيات الثقافية فيما يتعلق بظاهرة الظلم بشكل عام، حكايات وقصصاً عما يلحق بالظالم من عقاب وجزاء في الدنيا، كأن يصاب بداء وبيل، او يتعرض لحادث قاتل بشكل مفاجئ، او يتعرض لخسارة فادحة، او فضيحة مدوية، و غير ذلك، مما يثلج صدور الناس المضطهدين.
إن معادلة الجريمة والعقاب، مما سنّه الله –تعالى- في الحياة، ووعد به في الآخرة، ولن يضيع حقٌ عند الله مطلقاً، وهو ما يؤكده القرآن الكريم: {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (سورة يونس، الآية61)، وقد حصلت حالات عدّة أن يلقى الظالم جزاء ما أجرم وظلم في الحياة قبل الممات، بيد أن هذا لا يعني بأي حال من الاحوال، أن مكافحة الظلم والظالمين خارجة عن ارادة الناس المظلومين، وهي فقط من شأن البارئ –عزوجلّ- فهو الذي ينتقم من الظالمين، لذا يرى البعض أن الافضل الصبر على الاوضاع السيئة وما فيها من ظلم وتعسف وفساد، لأن جزاء ومعاقبة الله شيء، و ضرورة مكافحة الظلم شيء آخر؛ فالذين يطالبون الله أن ينصفهم في الوقت الذي يهملون هم السعي لأجل تحقيق هذا الإنصاف ليسوا في الواقع مؤمنين بعدالة الله.
إن الاعتماد على العدل الإلهي، والاستراحة على سرير الفقر والمرض والتخلف، يعني مطالبة الله بتحقيق العدل على وجه الأرض بالجبر والإكراه، ويكون الانسان حينها قد ظلم نفسه.
لقد أعطى الله الانسان كل فرص العمل، وأعطاه القدرة على التفكير، ثم أمر بالاستثمار، كل ذلك من أجل مصلحته، من دون أن يسمح له بإهمال كل تلك الفرص، وترك التفكير اعتماداً على أن يحقق الله خيره عن طريق المعجزة، لأن الله لو كان يريد أن يفعل ذلك، لما خلق الدنيا بالاساس، وبكلمة؛ فإن العمل للعدل هو نوع من العدل الذي نحن مطالبون به.
ولهذا فعندما مرض النبي موسى، عليه السلام، ورفض أن يراجع الطبيب قائلا: “لا أعالج حتى يشفيني الذي أمرضني”! ويقصد؛ الله –تعالى- فجاءه الجواب منه –تعالى- أن لا أعالجك حتى تستشير الطبيب.
ولهذا أيضاً؛ أمر رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، ذلك الرجل الذي ترك جمله خارج المسجد توكلاً على الله، بأن يعود إليه ويعقله قائلا: “أعقل وتوكل”.
ولهذا أيضا؛ عندما رأى الإمام علي، عليه السلام، تلك المرأة التي كانت جالسة على قارعة الطريق تدعو الله أن يعالج جملها الأجرب، فقال لها: “يا أمة الله! أضفي إلى دعائك شيئاً من القار”. علماً أن للدعاء أثره البالغ في تغيير الاحوال والاوضاع، إنما الاقتصار عليه لاستجلاب العدالة وتحقيقها على ارض الواقع، يُعد مضيعة للوقت ومخالفة للسنن الالهية.
اذا راجعنا الحديث الشريف: “يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم”، ربما نستوحي المفهوم الصحيح للعدالة الإلهية في الحياة، فالانسان المظلوم هو الذي يوجد ساحات العقاب والجزاء للظالمين، أياً كانت صفتهم، ومهما كانت قدراتهم. وقد أثبتت التجارب قدرات الشعوب على إنزال العقاب الشديد بالظلمة من خلال الانتفاضات والثورات، او من خلال اجراءات وفعاليات اجتماعية وثقافية وتحركات على الاصعدة كافة تجعل من الظالم ومن الظلم كحالة وممارسة، عملاً منبوذاً وشنيعاً وغير مقبول في المجتمع.