حتى لا يموت الضمير

1

يُعرّف الضمير أنه مجموعة من المبادئ الأخلاقية التي تسيطر أو تتحكم في أعمال الشخص وأفكاره، وهو يشمل الإحساس الداخلي بكل ما هو صحيح أو خاطئ في سلوك الشخص أو دوافعه .
إنَّ ضمير الإنسان هو قَلبُه وباطنُه لغةً؛ كما في المصباح، والجمع الضماير، وفي القاموس : الضمير هو السّر وداخل الخاطر. (1)
ويتشكل الضمير عند الإنسان من خلال القيم الموجودة على مدار التاريخ البشري، مثل الصواب والخطأ، والخير والشر، والعدل والظلم، ويمكن لهذه القيم أن تتشكل من خلال بيئة الإنسان التي يعيش بها او تربيته.
وقد يتخيل القارئ اننا عندما نتحدث عن الضمير فنحن نقصد السياسيين فقط، أو نقصد ذلك الموظف المرتشي المستخفّ بعمله، والذي يترك الطوابير واقفة على شباكه بسبب تأخيره إنجاز معاملات المراجعين، بينما هو تعبير عن صور عديدة أخرى في المجتمع، كمن يندفع لممارسة بعض الاعمال المنافية للأخلاق، فيصدّه ضميره، أو من تخرج عن تحفظها متأثرة بزميلاتها اللاتي تراجعن عن واجب الستر والحجاب، فهي الاخرى ربما يصدّها صوت الضمير وتأنيبه.
إن الإسلام يربي الإنسانَ تربيةً صالحةً يجعله يشعر في قرار نفسه أنّه مسؤولٌ ومُحاسبٌ على ما يصدر منه، وأنه بعين الله -تبارك وتعالى- علاّم الغيوب، والمُطّلع على الخَفيات والسرائر، قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}، (سورة التغابن، الآية:4)، و روي أنَّ رسولَ اللهِ، صلّى اللهُ عليه وآله، قال: “فاتّق اللهَ تعالى وأخلص ضميرَكَ”. (2)
من صميم الحياة
يعد البعض تأنيب الضمير، والشعور بالخطأ، من أسوأ المشاعر لدى الانسان لضغطها الكبير عليه نفسياً وايضاً بدنياً.
فيما يَعد آخرون تأنيب الضمير وصوته، هو صمام الامان للانسان لعدم الخروج عن دائرة رضا الله وخرقها للدخول بدائرة الذنوب والمعاصي.
ومن هنا فان للضمير دوراً فاعلاً في صحوة الانسان؛ والضمير السوي هو أفضل صديق للإنسان، وللتوضيح أكثر.
الضمير = الانسانية
الضمير = الذمة بحفظ العهود والعقود
الضمير = الصحوة والحياة
وكثيراً ما يردد العراقيون بصيغة التحذير: “ما نعدهُ ذمة ولا ضمير”.
ويقول الله سبحانه وتعالى: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ}. (سورة التوبة، الآية8)

  • صورة حيّة

ولو تعمقنا قرآنيا أكثر بصور الضمير الحي، لطالعتنا قصة يوسف، عليه السلام: بطل الورع والتقوى والطهارة أمام امرأة مُحتالة، وجميلة، وفاتنة.
قصة تُمثل لنا الضمير الحيّ بكل تفاصيله؛ عندما يواجه ظلمة الجُب، وعندما يواجه إغراء امراة العزيز، وعندما يواجه كونه عزيز مصر ومالك اموالها، خاصة بعد سنوات القحط، وعندما يواجه اخوته ويعفو عنهم.
أليس الضمير الحي هو الرادع عن تلك الخروقات التي كان يستطيع القيام بها بكل المواقف الصعبة والاختبارات الخطيرة!
وحينما يموت الضمير، تموت معهُ الكثير من الأشياء، وتصبح بلا لون أو معنى ومُباحة، ويصبح معها الإنسان مجرد هيكل جامد، فارغ، صداهُ في داخلهِ فقط، قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا}. (سورة الانعام، الآية122)، وإذن؛ الدين من أهم ابواب حياة الضمير والانسان.

  • الموت، موتان

نعم؛ فالموت موتان؛ موت للبدن، وموت للقلب. أما الأول؛ فهو عرض مهيب ومخيف لميت كان بالأمس حياً، يتكلم، ويتنفس، ويأكل، ويشرب، والآن كفَّ عن كل ذلك، إذ سكنت كل الجوارح، وكفت نهائياً عن العمل.
وأما الموت الثاني، فهو الأشد خطراً، و أبلغ أثراً في الحياة، لأنه موت خفي، لا تشاهده العيون، و لا ينزعج له الناس، ولا يبكون على مشهده، بل لا يشعرون به بالمرة، لأنه يتسلل إلى القلب خفية فيقضي عليه.
ويموت القلب إذا أعرض عن منهج “مُقلب القلوب والأبصار”، و يموت إذا حادّ عن منهج “افعل ولا تفعل”، و يموت القلب إذا استعذب المعصية واستأنس بالذنب، فعندئذٍ ينتكس، فلا يفرق بين حق وباطل، وقد عبّر عنه القرآن الكريم بقسوة القلب وتحجّره وموته حيث قال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}، (سورة البقرة، الآية:74).

  • النفس وتقسيماتها

النفس بتقسيمها القرآني على ثلاث مستويات:
الارقى؛ وهي النفس المطمئنة، قال الله تعالى {الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ الله أَلَا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}. (سورة الرعد، الآية28)
والاقل؛ هي النفس اللوامة، وقد أقسم بها الله -سبحانه وتعالى- حين قال: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}. (سورة القيامة، الآية2)
والادنى؛ هي النفس الامار ة بالسوء، كما جاء في سورة يوسف: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. (سورة يوسيف، الآية54)
فموت الضمير يحوّل النفس من المستوى الثاني الى المستوى الثالث البعيد عن الحياة.

  • خُطتان

والغريب في الامر؛ أن الشيطان يعدّ عُدتين فيما يتعلق بقصة النبي يويسف، إحداهما لخرق الحقيقة، والاخرى لتخدير الضمير وتهدئته.
في قول الله تعالى: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَـلِحِينَ}. (سورة يوسف، الآية9)
فبدايةً؛ يأمرهم بارتكاب الكبيرة، وهي القتل، وبعدها يخدرهم ويخفف عنهم لوم الضمير وتأنيبه بقوله: {وتكونوا من بعده قوماً صالحين}!!
وجاء في تفسير الأمثل: “كثيراً ما يحصل أن الإِنسان يواجه الضمير، والوجدان عند الإِقدام على الذنب، أو حين يكون الإِعتقاد الديني سدّاً وحاجزاً أمامه يمنعه عن ارتكاب الذنب، وهو مصمم عليه، فمن أجل أن يجتاز حاجز الوجدان أو الشرع بيسر، يقوم الشخص بخداع نفسه وضميره، بأني سأتوب، أو أمضي إلى بيت الله و أؤدي الأعمال الصالحة، وسأغسل جميع آثار الذنوب!
أي إِنّه في الوقت الذي يرسم الخطة الشيطانية للإِقدام على الذنب، يرسم خطة شيطانية أُخرى لمخادعة الضمير والوجدان، وللاعتداء على عقيدته، فإلى أيّ درجة تبلغ هذه الخطة من السوء بحيث تمكّن الإِنسان من تحقيق الجناية والذنب وكسر الحاجز الديني الذي يقف أمامه”. (2)
من أبرز وأقبح صور موت الضمير ما حصل في حادثة الهجوم على دار فاطمة، عليها السلام، عندما اقتحموا عليها الدار، وعصروها خلف الباب، ما تسبب بكسر ضلعها وإسقاط جنينها.
ومن التاريخ ايضاً؛ موت الضمير عند الخوارج والقاسطين والمارقين، وكذا موت الضمير عند من اشترك في قتل الامام الحسين، عليه السلام، ثم الهجوم على خيامه وحرقها وسلب ما فيها، حتى ما كان لدى بنات ونساء الحسين واصحابه.

  • أين نحن من دائرة الضمير؟
من المهم أن يبقى الانسان متيقظاً، ساعياً لتنشيط ضميره كلما خفت وهجه، ساعياً لأن يبقيه حياً، للحفاظ على الروح الانسانية غضّة طرية، بعيدة عن ذوي الارواح الممسوخة والمشوّهة، وما يمكن ان تتركه من آثار سيئة بفعل العدوى او التأثير السلبي بشكل او بآخر، ولنا بمحمد وآله أسوة وقدوة نستضيء بنهجهم لتعزيز صمام الأمان والحفاظ على حياة القلوب والضمائر.
—————-
1- منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة.
2- بحار الأنوار، المجلسي، ج84، 280.
3- التفسير الأمثل، للمرجع الديني الشيخ ناصر مكارم الشيرازي.