فکر و تنمیة

دور الاخلاق في تطبيق الامر بالمعروف والنهي عن المنكر

كثُر الظلم والبطلان في الزمان، و ابتعد الناس عن السير الى المكرمات النفسية التي من واجبات الإنسان الصالح ان يتحلّى بها كونها جزءاً اساسيا من الاخلاق الحميدة، وما نراه الآن من اجواء سلبية مشحونة بالنكران والبطلان وكثرة الفتن ما كان سببه إلا التمزق الأسري الاجتماعي الفردي الذي أبعد الناس عن تلك الخاصية الأخلاقية لاتباعهم تبريرات منكرة وآثمة، ونحن بحاجه للوقوف على سيرة سيد الاوصياء وامير البلغاء، عليه السلام، فكانت حياته مليئة بالإرشادات والدروس الإصلاحية الحياتية التي بثها للمجتمع أجمع دون تخصيص فئة معينة.

 

  • صلة الحق بالأمر بالمعروف

منذ بدء الحياة البشرية كان الانسان يعتقد دوماً أنه على الأنصاف والصواب، إلا أن ذلك غير صحيح؛ فالبشر معرضين للخطأ والصواب، ومن يتحلى بمكارم الاخلاق يستطيع التمييز بين الحق والباطل فقد ميزه سبحانه وتعالى بالعقل كي يتمكن من  التمييز  التمييزبين البهتان والصواب فقال تعالى: {الحق مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}. (٦٠ آل عمران).

يرتبط الحق ارتباطاً وثيقاً بالامر بالمعروف الذي يعد من أهم الامور الواجب غرسها في النفس الروحية، لان معرفة هذين الأمرين سيحقق العدل الذي نادى به، عليه السلام فقال: “أن أفضل الناس عند الله من كان العمل بالحق احب إليه – وأن نقصه وكثره – من الباطل و أن جر إليه فائدة وزائده”. (نهج البلاغة خطبه ١٢٥).

 

يرتبط الحق ارتباطاً وثيقاً بالامر بالمعروف الذي يعد من أهم الامور الواجب غرسها في النفس الروحية، لان معرفة هذين الأمرين سيحقق العدل الذي نادى به، عليه السلام فقال: “أن أفضل الناس عند الله من كان العمل بالحق احب إليه – وأن نقصه وكثره – من الباطل و أن جر إليه فائدة وزائده”

 

وكأن كلمات أمير المؤمنين، تحاكي الزمان والمجتمع الذي اتخذ من قول الباطل غطاء لهم للوصول لمصالحهم الشخصية وتحقيق غاياتهم المرجوة، ومن اتخذ الباطل  والمنكر رداء لنفسه هلك، لان الإمام علي، عليه السلام، اوصى قائلاً :  ” .. لو كنا لا نرجو جنة ولا نخشى ناراً ولا ثواباً ولا عقابا , لكان ينبغي لنا ان نطالب بمكارم الاخلاق , فأنها تدل على سبيل النجاح “ (1)، فيقف، عليه السلام على تنشئة السلوك الإنساني وتحليه بالأخلاق التي من المفترض أن يتحلى بها كل انسان، فالتربية الخلقية المثالية تعد أسمى صور التربية  الإنسانية (2)، والاستقامة الفردية والمجتمعية تساهم في  تغير حركة المجتمع والذي بدوره يغير التأريخ من الطالح للصالح بغض النظر عن تدين الفرد من عدمه فأن الأهم الذي أشار إليه، عليه السلام هو مكارم الأخلاق .

ولإيجاد مجتمع متكامل تسوده الألفة والمودة, ينبغي ممارسة الجد والاجتهاد في تربية النفس الإنسانية التي من واجباتها أن تنشأ على معرفة الفضائل وتبتعد عن الرذائل، فالتربية الأخلاقية الخاصة تساهم بتربية الأنسان روحياً وتمكنه من تنمية عواطفه (3)، والسلوك الفردي الاجتماعي هو منظم العلاقات الإنسانية من توادد و تآلف وتعاون.

وبالفضائل ومكارم الأخلاق التي تتصل بالموعظة التي لها دور كبير في إحياء القلوب وتصحيح سلوك الإنسان من خلال الكلمة الطيبة الناصحة وأن يكون ناصحاً لنفسه وللآخرين فقد أكد الإسلام على ذلك (4)، فالواجب على الإنسان تحبيب الأعمال الصالحة إلى نفسه واجتناب المعاصي فمن دس لنفسه المعاصي سيكون خاسراً (5)، والتوجه إلى نشر الخير والمعروف ودفع المنكرات باليد وإن لم يستطع فاللسان(6).

 

ترك الخصلة الحميدة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر يترتب عليها آثاراً سيئة تهتك بالمصالح الاجتماعية وخاصة أن كان المنكر سافراً وعلانية يضر بالمصالح العامة للمجتمع

 

ومن أسمى القيم الأخلاقية التي لا بد أن تترسخ ذهنياً في نفوس  أفراد المجتمع، هو مفهوم الأمر في المعروف والنهي عن المنكر كونها من محاسن القيم الاخلاقية وتنشئة هذا الامر في نفوس الأبناء سيؤدي إلى تغذية العقل بالمعارف ويبعد الفرد ما أستطاع عن المشاكل الاجتماعية التي تواجه المجتمع، فتغذي النفس بتلك القيم الأخلاقية الدينية، فيقول أمير المؤمنين، عليه السلام: “.. و لا تتركوا الامر بالمعروف  و النهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم  ثم تدعون فلا يستجاب لكم ..”(7)، والمعروف هو كل ما يوحي إليه العقل يأمر به الشرع فاذا ترك الأنسان ذلك كانت النفوس الشريرة أقرب إلى افتعال الشر والضرر فيدعون الله فلا يستجاب لهم لأنهم تركو الأمر بالمعروف وأجازوا المنكرات (8).

ولم يختلف كلام أمير المؤمنين، عليه السلام، عن النهج النبوي في حث النفوس على وجوب الالتزام بالأمر بالمعروف فعن الإمام علي بن موسى الرضا عن رسول الله، صلى الله عليه وآله يقول : “اذا أمتي تواكلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلتأذن بوقاع من الله تعالى “(9)، وأهل المعروف هم أهل الخير والأبرار الصالحون وأضافه إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصول الدين الخمسة الإسلامي(10)، ويعد أيضاً أحد الجنبات الأخلاقية المهمة التي من الواجب غرسها في النفس الإنسانية وخير مثالاً على ذلك نرى الإمام علي، عليه السلام، الذي يوصي ولده الحسِن، عليه السلام، بالأبتعاد عن الأشخاص الذين يعملون المنكرات قائلاً: “و امر بالمعروف تكن من اهله و انكر المنكر بيدك و لسانك و باين من فعله بجهدك “(11)، ولأهمية الحرص على الالتزام بهذه الخصلة الحميدة التي تترتب عليها نتائج عده في حال تركها واهمها تشرذم المجتمع وتولد مشاكل اجتماعية والعجز من أتخاذ موقف محدد وموحد فالمقياس الموضوعي هنا إن يوزن الفرد بين أخلاقياته ومعتقداته الدينية .

 

  • مضار ترك الأمر بالمعروف على عامة المجتمع :

وترك هذه الخصلة الحميدة يترتب عليها آثاراً سيئة تهتك بالمصالح الاجتماعية وخاصة أن كان المنكر سافراً وعلانية يضر بالمصالح العامة للمجتمع، عند ذلك يجب على الفئه الصالحة  أن تنهى الفرد عن ذلك وهذا بمثابة الواجب الشرعي على الأنسان أن كان باليد أو باللسان أو بالقلب(12)، فعن أمير المؤمنين، عليه السلام قال: “أيها الناس أن الله لا يعذب العامة بذنب الخاصة بالمنكر سراً من غير تعلم العامة فإذا عملت الخاصة المنكر جهارا فلم تغير ذلك العامة استوجب الفريقان العقوبة من الله (13)، ويبرز الجانب التاريخي من خلال كلماته، عليه السلام حيث يحث على  عدم  ترك الأمر بالمعروف لما يترتب عليه من نتائج مثل فعل الطبقة الحاكمة الذي يعرض سلام دولة أو منطقة معينة الى الخطر بسبب المطامع البشرية تناقض المصالح الوطنية، مثلما يحصل الآن في كثير من البلدان العربية التي تسايرت مع المنكر وتركت الأمر بالمعروف خدمة للمصالح الشخصية الفردية وأبرازها على المصالح العامة للمجتمع.

وضياع الحقوق الاجتماعية ما كان سببه ألا التخلي عن كلمة الحق وعدم أنكار المنكر(14)، وبذلك ينتشر الاستبداد والاضطهاد كما حذر، صلى الله عليه وآله من ذلك المنهج حينما  قال: “إذا أمتي تواكلت الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فلتأذن بوقاع من الله تعالى”(15)،  وهي أحدى آثار ترك هذه الفريضة لما حصل في الأمم السالفة التي جاء ذكرها في القرآن الكريم كقوم فرعون مثلاً، وانتهج الإمام، عليه السلام تلك الفريضة وحرص على تعليمها للمجتمع بصورة تأريخيه بمختلف الزمان والمكان قائلاً : ” و لا تتركوا  الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فيولي عليكم أشراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم “(16) .

أذن من الواجب الحرص والاستقامة النفسية وتدريبها على أتخاذ هذا المبدأ الذي في حال تركه ينشئ مجتمعاً طالحاً والسعي من أجل أعلاء كلمة الحق هو احدى واجبات الإنسان التي تسعى لخلق مجتمع صالح وناجح.

  • ماجستير تاريخ إسلامي

—————————-

المصادر:
  • ابي الفرج الاصفهاني , الاغاني , ج 17 , 233؛ ابن حمدون , التذكرة الحمدونية , ج 3 , ص 173 .
  • القزويني , الفكر التربوي عند الشيعة الامامية , 183 .
  • القزويني , الفكر التربوي عند الشيعة الامامية , ص 184 .
  • الكاظمي , الملامح التربوية في نهج البلاغة , ص 46 – 47 .
  • الشيخ الطوسي , التبيان , ج 10 , ص 358 .
  • الخوئي , منهاج البراعة , ج 20 , ص 6 .
  • نهج البلاغة , ص 382 .
  • الشيرارزي , توضيح نهج البلاغة , ج 4 , ص 128 .
  • الشيخ الكليني , الكافي , ج 5 , ص 59 ؛ الطبرسي , مشكاة الانوار , ص 102 ؛ المجلسي , بحار الانوار , ج97 , 92 .
  • ابن ابي حديد , شرح نهج البلاغة , ج 16 , ص 65 .
  • نهج البلاغة , ص 355 .
  • ابن حمزة الطوسي , الوسيلة , 207 ؛ الموسوي , شرح نهج البلاغة , ج4 , ص 279
  • الحميري القمي , قرب الاسناد , ص55 ؛ الشيخ الصدوق , علل الشرائع ج 2 , ص 522 .
  • الموسوي , شرح نهج البلاغة , ج 4 , ص 490
  • الطوسي , تهذيب الاحكام , ج 6 , ص 177 ؛ المجلسي , بحار الانوار , ج 97 , ص 92 .
  • نهج البلاغة , ص 382.

عن المؤلف

م. رند عباس عبدالغني الحمادي

م. رند عباس عبدالغني الحمادي

اترك تعليقا