ثلاث شروط حتى تكون نفسك صديقةٌ لك

1

لقد نزلت رسالات السماء مـن أجل تزكية النفس البشرية وتنمية المواهب الخيّرة فيها، وهي – أي النفس – أعدى أعداء الإنسان وأقرب أصدقائه في نفس الوقت؛ فهي أعدا أعدائه إذا كانت أمّارة بالسوء، ناهية عن الخير، مسارعة الى الفساد، مسوّفة للتوبة، وهي أقرب أصدقائه إذا كانت لوّامة له فيما يعمله، داعية للخير.
وقد يكون في هذه النفس البشريّة ثقل يرسيها ويبقيها صامدة أمام هزّات الحياة وتغيّرات الأحداث؛ أما إذا كانت قلقة مضطربة فانّها ستهتزّ لأي سبب مـن الأسباب، وستكون مصداقاً للنفس الهلوعة كما يقول القرآن الكريم: {إنّ الإنسان خُلق هلُوعاً * إذا مسّهُ الشّرُّ جزُوعاً * وإذا مسّهُ الْخيْرُ مـنوعاً} (سورة المعارج، الآية:19-21).
ففي البأساء تغدو هذه النفس مستسلمة، جزوعةً، فاقدة للصبر؛ وعند الرخاء تسيطر عليها حالة الطغيان، والبطر، والاستكبار.

  • نفسٌ صديقة للإنسان

والسؤال المطروح أمام كلّ واحد منّا:
كيف يربّي الإنسان نفسه وكيف يزكّيها؟ وهذا السؤال هو الذي يرتسم أمام الإنسان مـنذ نعومة أظفاره ومنذ بداية وعيه، وحتّى يسلم النفس الى بارئها، وقد تنسيه ضرورات الحياة وأحداثها ومظاهرها هذا السؤال المهمّ، ولكن الصفعات القويّة التي يتعرّض لها في حياته ما تلبث أن تهزّه مـن الأعماق وتدعوه الى طرح هذا السؤال مجدّداً على نفسه.
وقبل الإجابة على هذا السؤال، لابدّ أن نذكّر بأن ما يحتاج إليه الإنسان هو التذكرة الى درجة أنّ هذه الكلمة استعملت في القرآن الكريم لأكثر مـن ثلاثمائة مرّة، كلّ ذلك للدلالة على أنّ الله -سبحانه وتعالى- قد أودع فينا عقولاً لا تكفي لتوجيهنا، وفطرة نقيّة مـن شأنها أن تربينا وتجعل في أنفسنا واعظاً وزاجراً منها، ولكنّ غفلة الإنسان ونسيانه وجهله وارتباطه بحوادث الزمـن؛ هذه الأمور تنسيه تلك الفطرة وتحجبه عن ذلك العقل.
إن الفطرة تعني أن المسؤول الأوّل والأخير عن تزكية الانسان هو نفسه لا غيرها، فلا أحد في العالم يستطيع أن يزكّي الإنسان وينمّي مواهبه الخيّرة إلاّ الإنسان نفسه، وهذه هي سنّة الله تعالى في الحياة، وهي سنّة ثابتة لا يمكن لأحد أن يغيّرها.
والأنبياء على عظمتهم وبرغم المواهب والقدرات الهائلة التي وفّرها الله لهم، كان دورهم هو دور المذكّر كما يصرّح بذلك القرآن الكريم في آيات عديدة مـنها: {وذكّرْ فإنّ الذّكْرى تنفعُ الْمُؤْمـنين} (سورة الذاريات، الآية:55)، و{فذكّرْ إنّمآ أنت مُذكّرٌ * لسْت عليْهم بمُصيْطرٍ}، (سورة الغاشية، الآية:21-22)، و{فـذكّرْ فـمآ أنت بنعْمت ربّك بكاهنٍ ولا مجْنُـونٍ}، (سورة الطور، الآية:29)، و{فذكّرْ إن نّفعت الذّكْرى}، (سورة الأعلى، الآية:9)، وهكذا الحال بالنسبة الى القرآن الكريم فهو أيضاً له دور التذكير.
وهنا نطرح السؤال مـن جديد لنقول: مادام الإنسان هو المسؤول عن نفسه، فكيف يجعل منها تلك النفس التي تكون صديقة له؟

  • الشرط الأول: النظرة التاريخية

إنّ الإنسان مـن الممكن أن يفكّر في بناء بيته وتطوير وسائل رفاه نفسه، ولكن مثل هذه المظاهر لا تلبث أن تنتهي وتزول ليكون مصيرها الفناء والاندثار، فالانسان لا يحمل الى قبره سوى كفنه، ولكنه في لحظة واحدة يترك كلّ شيء بعد أن تنتهي حياته، ونفسه وحدها هي التي ستبقى معه؛ فهذه الصديقة لا يمكن أن تتركك حتّى إذا تركتها، فهي ستلاحقك في البرزخ، وفي يوم القيامة، وهي معك أينما ذهبت لأنّها هي التي ستحدّد مصيرك في نهاية المطاف.
فالاهتمام بهذه النفس والعمل على تزكيتها وتنمية الطاقات الخيّرة فيها؛ كلّ ذلك يمثّل قضيّة هامّة ومصيرية بالنسبة إلى الإنسان، ومع ذلك فانّه ليس في العالم حق يشبه الباطل كالموت؛ فالموت حق لا ريب فيه، وما مـن أحد يشك أنّه سيموت في النهاية، كما يقول القرآن الكريم: {إنّك ميّتٌ وإنّهُم ميّتُون}، (سورة الزمر، الآية:30) ومع كلّ ذلك فانّنا جميعاً نلغي الموت مـن تفكيرنا ونكذّبه نفسيّاً وسلوكيّاً.
روي عن حفص أنه قال: سمعت موسى بن جعفر، عليه السلام، عند قبرٍ وهو يقول: “إن شيئاً هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوله، و أن شيئاً هذا أوله لحقيق أن يخاف آخره”.
وقد أكّدت الأحاديث الشريفة على أن يدعو الإنسان ربّه مـن أجل أن يمـنحه نفساً عالية الهمّة، وقورة عند الأحداث، راسية كالجبال، مستقيمة لا يمكن أن تتغيّر كما نرى ذلك في الدعاء التالي: “اللهم صلّ على محمد وآله، وهب لي في الغداة رضاك، وأسكن قلبي خوفك، واقطعه عمـن سواك، حتّى لا أرجو ولا أخاف إلاّ إيّاك، اللهم صلّ على محمد وآله، وهب لي ثبات اليقين ومحض الاخلاص وشرف التوحيد ودوام الاستقامة ومعدن الصبر والرضا بالقضاء والقدر”.
وهذه الصفـات كلّها تنبع مـن وجـوب أن يمتلك الإنسان ثقل الإيمان، وحينئذ سيتمتّع بثبات اليقين والنضج والاستقامة مهما كـانت الظروف.

  • البحث عن دين بلا مشاكل!

وللأسف؛ فانّ الإنسان يكون في بعض الأحيان متزعزعاً، غير ممتلك للنفسيّة الثابتة المطمئنة، فترى نفسه تتقلّب كلّما تقلّبت الأحداث وتغيّرت الظروف؛ فـما دامت حياته تسير دون مـنغصّات فان الدين أمر جيد واتّباعه لازم، ولكن بمجرد أن يصاب بابتلاء أو يتعرض لمصيبة، تراه ينسى كلّ شيء ويتخلّى عن دينه ومبادئه.
إنّ ثبات اليقين يعني عدم التردّد وعدم التغيّر حسب متغيّرات الزمـن، وحسب الأحداث المتغيّرة في الحياة، فهناك الكثير مـن الناس يكونون مستقيمين في حياتهم ولكنهم ينحرفون في لحظة الموت فيدخلون النار بسوء عاقبتهم.
وهكذا؛ فانّ المهمّ؛ المواظبة والمداومة على الاستقامة والاخلاص، وفي هذا المجال يقول الإمام جعفر بن محمد الصادق، عليه السلام: “هلك العاملون إلا العابدون وهلك العابدون إلا العالمون، وهلك العالمون إلا الصادقون، وهلك الصادقون إلا المخلصون، وهلك المخلصون إلا المتقون، وهلك المتقون إلا الموقنون وإنّ الموقنين لعلى خطر عظيم”، والمراد بالخطر هنا، هو أن صعوبة المشاكل وثقل الامتحان وشهوات الدنيا، كلّ ذلك قد يغيّر في لحظة مـن اللحظات واقع الانسان، ولذلك يجب أن لا يكون مغترّاً بنفسه، فالعُجب هو العامل الأساسيّ الذي يفسد الإنسان ويبطل أعماله، والله -عز وجل- لا يقبل مـن أحد أن يمـنّ عليه، ولا يريد أن يغترّ المرء بعمله؛ بل عليه أن يطلب التوفيق واللطف مـن الله -سبحانه وتعالى- وأن يكون راجياً لرحمته، خائفاً مـن عاقبته مهما كانت أعماله الصالحة كثيرة.

  • الشرط الثاني: النظرة العملية وليس الانفعالية

والذي يمتلك القدرة على التدارك ليس له عذر، فعندما ترى أنّك قد خسرت شيئاً مهمّاً جدّاً، ولكن باستطاعتك أن تعمل مـن جديد لتحصل عليه وعلى أكثر مـنه، فلماذا تنهزم نفسياً ولماذا تدع الاستسلام يسيطر عليك؟
صحيح أنّ بعض الأمور لا يمكن أن تعوّض؛ كأن يموت أحد أقارب الإنسان أو أصدقائه، ولكن على الإنسان أن يرى الأمور بمقياس نوعي لا شخصيّ، فعندما يموت أحد أصدقائك، فلابدّ أن تعوّض عنه بأصدقاء جدد دون أن يعني هذا بالضرورة أن تقطع العلاقة النفسيّة والروحية بالصديق الميت، فعليك أن لا تبقى تجترّ الماضي، بل من الضروري أن تتحرّك في رحاب وآفاق المستقبل، فـما دامت آمالك عريضة فتحرّك نحوها، فنظرتك الى الحياة يجب أن تكون نظرة متفاعلة مع العمل، لا نظرة انفعال واستسلام.

  • الشرط الثالث: النظرة العلمية

إن الإنسان يزداد وقاراً وثقلاً في النفس كلما ازداد علماً، فيكون كعلماء وعظماء التأريخ الذين لم تهزّهم الأحداث لأنّهم لم يكونوا مرتبطين بالمظاهر الخارجية، بل كانوا ينظرون الى الحياة نظرة علميّة ثابتة، لا نظرة عاطفة.
وفي هذا المجال يذكر أن أحد المؤلّفين الكبار في علم التربية قال: إنّ مـن أفضل الأساليب التي تربّي الإنسان وتنمّي صفة التواضع فيه، أن يأتي إليه والده عندما يبلغ سنّ الرشد بمجهر وتلسكوب، فينظر الى النجوم والحجرات الضخمة الهائلة مـن خلال التلسكوب، والى النطفة بالمجهر ليرى ويتأمّل الحيوانات المنويّة المتناهية في الصغر، وليعرف أنّه قد خُلق من هذه الكائنات المتناهية الصغر، ويقارنها مع تلك المجرّات والكواكب الهائلة، وحينئذ مـن الطبيعي أن يتضاءل هذا الإنسان ويعرف قيمة نفسه.
فاذا توفرت في نفس الانسان الشروط الثلاثة؛ النظرة التأريخية والنظرة المتفاعلة مع العمل والعلم، فان قلبه سرعان ما يصبح وقوراً، ونفسه متينة، راسخة، ثابتة العقيدة عند فورة العواطف، وهزّات الحياة، والمدح والذم، والغنى والفقر، وفي جميع أحداث الحياة الأخرى، وسيعيش الإنسان حياة أفضل يتحرّك فيها دائماً مـن أجل الوصول الى الكمال والدرجات الايمانية العليا، والأهداف التي رسمها له الخالق تعالى، والتي ظهر الى الوجود مـن أجلها، من خلال سيره الدائم، وحركته المتواصلة، وسعيه الحثيث مـن أجل التقدم والتكامل.
وفي غير تلك الحالة، ومـن دون أن يوفّر الإنسان في نفسه الشروط الثلاثة السابقة التي هي من العناصر الأساسية للإيمان الحقيقي، فانّ نفسه ستكون مريضة، معقّدة، مهزوزة، محدودة، متلوّنة حسب تلوّن الأحداث وتقلّبها، وبالتالي فانّها لا يمكن ـ مطلقاً ـ أن تصل الى الكمال؛ لا في الدنيا ولا في الآخرة، وستكون عاقبتها سيئة لأنها في هذه الحالة ستخسر ـ لا قدّر الله ـ الدنيا والآخرة، وتكون مصداقاً للخسران المبين الذي حذّر القرآن الكريم مـنه مراراً وتكراراً.