ثقافة رسالية

ظِلال الحوزة العلمية و حاجات المدارس والجامعات

لا ينفك الحديث عن العلاقة بين الحوزة العلمية والجامعة من اللغة السلبية، وتراشق الاتهامات بالفشل في تقديم الافضل للمجتمع والأمة، أو المسؤولية في التخلف والحرمان الذي نعيشه منذ قرون.

يكفي أن يدخل استاذ جامعي ببزته الرسمية، لاسميا اذا “تحلّى” بربطة العنق في إحدى الحوزات العلمية، وفي أي حاضرة كانت؛ سواءً في النجف الأشرف، او كربلاء المقدسة، أو قم المقدسة، حتى ترشقه نظرات الاستغراب لهذا الحضور غير المألوف، كذلك حال الاستغراب فيما اذا دخل عالم دين الى إحدى الجامعات، ووجد له مكاناً بين الطلبة والطالبات، ولو أن المشهد الثاني اكتسب بعض التطبيع النفسي لدى المراكز الاكاديمية بشكل عام لاسيما في العراق، بيد أن النظرة السلبية المتبادلة بين الطرفين على حالها، فهي تبدو للوهلة الاولى عميقة، عندما يصف بعض علماء الدين، الجامعة بأنها منطلق للعلمانية والمادية، بينما يرى بعض استاتذة الجامعات في الحوزات العلمية مصدراً للجمود والانغلاق على الغيبيات.

وبين هذا وذاك، ظلت قضايا غاية في الاهمية، ومن اساسيات النهضة الحضارية لأي أمة وهي؛ العلم والثقافة والمعرفة، تقضي السنين والعقود الطويلة في متاهات التساؤلات والاتهامات، فيما تسير عجلة التطور العلمي والتقدم الثقافي بسرعة مذهلة في الغرب لتكتسح بلادنا الاسلامية جمعاء على حين غفلة.

 

اذا كانت الأمة الاسلامية تتعرف على مناهج الغرب في التعليم، فتدخل في مناهج التعليم دروس الرياضيات والكيمياء والفيزياء والجغرافيا وما اليها، فإنه في المقابل ينبغي لرياض الاطفال والمدارس الابتدائية الحديثة أن تبني مناهجها على أسس دينية متينة

 

  • التكاملية بدلاً من التناقضية

لم يبق الحال هكذا، ولن يبقى في كل الاحوال، للدلالة على اشتراك الجانبين في أهمية ومحورية العلم والمعرفة في الحياة، وللموضوعية القول بأن الحوزة العلمية كانت المبادرة الى مد يد الصداقة والتعارف، ومن ثمّ التكامل في المناهج والبرامج، والبداية كانت من ايران، وتحديداً بعد انتصار الثورة الاسلامية، وعلى يد أحد طلبة الحوزة العلمية، ومن كوادر النهضة الاسلامية في ايران، وهو؛ الشيخ محمد مفتّح، الذي قدح فكرة “التقريب بين الحوزة والجامعة”، وفي ظروف سياسية شديدة الحساسية بعد انهيار النظام الملكي الجائر، وتأسيس أول جمهورية اسلامية في تاريخ ايران في شباط عام 1979، ولم يمض سوى أشهر على هذا الانتصار، وتحديداً في شهر كانون الاول من العام نفسه حتى طالته رصاصات الغدر بشكل غريب ومريب ضمن سلسلة اغتيالات شهدتها ايران آنذاك استهدفت رجالات الثورة والفكر.

القاعدة الاساس التي انطلق منها الشهيد مفتّح لم تكن وعظية، بقدر ما كانت “تفهمية”، فهو لم يدخل الجامعة بهذه الراية إلا بعد ان دخل كلية العلوم الاسلامية في جامعة طهران للدراسة فيها، بعد أن طوى مرحل الدراسة الحوزوية حتى مرحلة الاجتهاد، فانكبّ  على الدراسة الاكاديمية حتى نال شهادة الدكتوراه في الفلسفة لبحث حول كتاب نهج البلاغة، ومن هذه القاعدة راح ينظم الندوات ويعقد الجلسات في مدينتي قم وطهران يجمع فيها الشباب من طلبة الحوزة العلمية والجامعة ويبين لهما نقاط الالتقاء والمشتركات وضرورة التكامل بين الاثنين خدمة للدين والانسانية، وحتى لا يخسر أحدهما الآخر.

وفي مرحلة لاحقة كتب علماء آخرون في هذا الموضوع في مقدمتهم سماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي، ثم حول النظرية الى تطبيق عملي بعد الاطاحة بنظام صدام وخروج العراق والعراقيين من المحدود للعلم والمعرفة الى رحاب الانفتاح ونور الحقائق، والخطوة المتقدمة لسماحته لايجاد مصاديق عملية لهذه النظرية، ما دعى اليه “بالتكامل العميق في المناهج الجامعية والحوزوية”، فلم تعد تكفي تبادل الزيارات والمحاضرات والمجاملات للتطلع الى آفاق المرحلة، إنما يحتاج الأمر ـ وبشكل فوري – الى إعادة النظر في المناهج الدراسية وتطويعها للتكامل، “فاذا كانت الأمة الاسلامية تتعرف على مناهج الغرب في التعليم، فتدخل في مناهج التعليم دروس الرياضيات والكيمياء والفيزياء والجغرافيا وما اليها، فإنه في المقابل ينبغي لرياض الاطفال والمدارس الابتدائية الحديثة أن تبني مناهجها على أسس دينية متينة، ثم تتكامل الدراسة عبر كل من المنهاجين على اساس المعادلة التالية: الدين قيم، والعلم وسيلة، والدين أهداف روحية سامية، والعلم مناهج مادية دقيقة”. (الحوزات العلمية بين قيم التراث وتحديات المستقبل- ص73).

وفي غير مناسبة تساءل سماحة المرجع المدرسي عن سبب تجاهل الحوزات العلمية لدروس مثل التاريخ والرياضيات واللغات الاجنبية العالمية، وأيضاً علوم مثل؛ الاقتصاد، والاجتماع، والسياسة، والقانون، وكل ما له مدخلية في نشر الوعي الديني في المجتمع، وفي العلاقة بين المجتمع والدولة، وفي نفس الوقت وجه تساؤلاً الى المدارس عن سبب ابتعادها عن درس هام وحياتي مثل؛ درس الاخلاق، أو درس العقائد في الجامعات، ومن نافلة القول الإشارة الى أن الجامعات العراقية تدرج مواد درسية في بعض الكليات بعيدة كل البعد عن اختصاصها، مثل تلقي الطالب في كلية الطب البيطري درساً في الديمقراطية! او الطالب في كلية العلوم قسم الحاسوب يتلقى درساً في اللغة العربية!

 

  • خطوةٌ لي وأخرى لَكَ

ربما لا أبالغ بالقول: أن العراق قادر على أن يكون النموذج الناجح لتطبيق نظرية تكاملية المناهج بين الحوزات والجامعات لوجود مواصفات تميزها عن سائر البلاد الاسلامية، ليس أقلها القاعدة الدينية والتراث والتاريخ والتقاليد الاجتماعية، من شأنها ان تسهل العملية وتدفع بها الى الامام بشرط واحد! وهو الإرادة الحقيقية والنوايا الصادقة.

 

مادامت الروضات والمدارس تمثل الحاضنة العلمية والتربوية الاولى للطفل، فبالامكان اضافة مناهج دينية واخلاقية تعزز من البناء النفسي والعقلي للطفل من مرحلة الروضة

 

فمادامت الروضات والمدارس تمثل الحاضنة العلمية والتربوية الاولى للطفل، فبالامكان اضافة مناهج دينية واخلاقية تعزز من البناء النفسي والعقلي للطفل من مرحلة الروضة، فإلى جانب دروس تعلم الحروف، والنطق، والالتزام بالنظافة والنظام، من الجدير اضافة دروس في الإيمان بالله ـ تعالى- والتقوى، وتلاوة القرآن الكريم، وحفظه، الى جانب تشجيعهم على إقامة الصلاة لتنمو شخصية الطفل على القيم الدينية والاخلاقية الى جانب المسائل العلمية.

أما للمرحلة الابتدائية فإن المرجع المدرسي يدعو الى “الاستقلال كأبرز سمات الشخصية الناجحة، والذي ينمو عبر معرفة الرب، والتوكل عليه، والثقة بمواهب الرحمن ـ تعالى- وبالذات فتح مغاليق عقله وبعث فطرته وتنمية قدراته العقلية (التفكير المنهجي).

وفي مرحلة المتوسطة التي تتميز بمواكبة الطالب حالة المراهقة والبلوغ والرشد، فانها “تتميز بكشف اتجاهات الناشئين واطروحاتهم، ومن ثمّ مواهبهم الخاصة، وفي المرحلة الاعدادية والجامعة حيث تكتمل شخصية الطالب ويكون شاباً و رجلاً من النواحي كافة، فيجدر أن تضاف الى  الدروس التي يتلقاها “الدروس الدينية المركّزة التي تجعلهم يتخرجون بشهادتين: الاكاديمية، والعلوم الدينية التي تقتصر عادة على الدروس العامة مثل؛ العقائد، والاحكام، والتدبّر، والتفسير، والتاريخ، وهذه الدروس تتكامل مع الطالب كلما تقدمت به الدراسة من الثانوية وحتى الجامعة،وحتى الدراسات العليا”.

هذه الخطوات مقدورٌ عليها من رجال الحوزة العلمية، وقد حصلت بعضها في العراق، وتحديداً في كربلاء المقدسة، وربما في مدن أخرى، مع رجاء توسيع التجربة في سائر البلاد الاسلامية، لتحفيز المراكز الاكاديمية على خطوات مماثلة الى الأمام والعودة الى جسد الأمة الواحد ومنحه الجناحين اللازمين للتحليق في سماء العلم والمعرفة، وانتشال ابناء الأمة مما فيه من حرمان وتخلف، وفي نفس الوقت تنمية ما موجود من قدرات ومواهب، لاسيما في اوساط طلبة الجامعات، فهي مواهب علمية باهرة تصب في خدمة الانسان، ثم تصقل شخصيته الى حد إدراك مرتبة العالم الحقيقية التي يكشفها لنا القرآن الكريم: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، وهو ما أثار إعجاب وانبهار العديد من علماء الغرب، الذين تسائلوا عن كيفية معرفة المسلمين هذه الحقيقة النفسية منذ اكثر من الف و اربعمائة عام.

عندما نعقد العزم، ونشحذ الارادة، تتحطم كل الحواجز النفسية المصطنعة والوهمية، وتكون الأمة، في هذا البلد او ذاك أمام استحقاقات اقتصادية وثقافية كبرى لمعالجة الازمات تدريجياً، وفي مختلف الصُعد، فهل تتطلع شعوبنا الى بصيص الأمل هذا يوماً ما؟

عن المؤلف

محمد علي جواد تقي

محمد علي جواد تقي

اترك تعليقا