حروب القلوب

1

في عهد أبينا آدم، عليه السلام، كان عدد سكان الكرة الأرضية أربعة فقط؛ آدم، وحواء، عليهما السلام، وابناهما؛ هابيل، وقابيل.
وعندما وقع الخلاف بين الأخوين – في القضية المعروفة -، وقتل قابيلُ هابيلَ؛ فإنه قد قضى على ربع سكان الأرض في ذلك العهد.
وتوالت الحروب بين بني آدم حيث وُجدوا وأنّى وُجدوا. فالحربان العالميتان؛ الأولى التي اندلعت في عام 1914، والثانية التي اندلعت في عام 1945، وخلفتا وراءهما ملايين القتلى، والجرحى، والمعاقين، والمفقودين، مازالتا عالقتين في أذهاننا.
والحرب في سوريا التي بدأت منذ نحو ثماني سنوات، وكذلك الحرب في اليمن التي بدأت منذ نحو أربع سنوات، خلفتا وراءهما عشرات الآلاف من القتلى، والجرحى، والمعاقين، والمفقودين، والمهجرين؛ لا تزالان ماثلتين أمامنا، ولا ندري ما هي الحروب القادمة، وأين، ومتى؛ لا سمح الله.
تلك هي الحروب التي نشبت بين بني آدم كأفراد ومجتمعات، وهي حروب خطيرة جدا، بلا شك.
وهناك حروب من نوع آخر بين أفراد أو جماعات من بني آدم؛ أخطر بكثير من تلك الحروب؛ إنها «حروب القلوب».
نعم؛ إنها «حروب القلوب»؛ فالابن يقاطع أباه، والزوجة تهجر زوجها، والأخ يكشح عن أخيه، وذو الرحم يجانب ذا رحمه؛ وهلم جرا.
إنها حرب حقيقية قائمة مستمرة، وإنها قد تستعر لأتفه سبب، وقد تستمر لأطول أمد.
ولعل من أخطر مظاهر الخطورة في هذه الحروب هي أنها أصبحت «عادية واعتيادية»؛ لسهولة نشوبها، وليسر استمرارها.
إننا – على مستوى الحكومات والشعوب والأفراد – قد نجهز الجيوش الجياشة، ونسيرها لمحاربة أعدائنا، ولكننا – في أغلب الحالات – قد نغفل عن هذه الحروب القائمة، فعلا، بين قلوب بعضنا البعض.
فما الحل؟
وما المخرج؟
الحلول كثيرة، والمخارج متاحة.
إننا لا نحتاج إلى أن نرفع خلافاتنا إلى القضاء ليقول كلمته الفصل فيها؛ بل نحتاج إلى المصلح الذي قد يكون أحد طرفي النزاع.
وفي احدى محاولات الاصلاح، قال المصلح: إنني سأجمع «طرفي الصلح»؛ ولم يقل: «طرفي النزاع»؛ لأنه يفترض أن لا يوجد هناك نزاع أصلا في مثل هذه الموارد.
وفي الشأن ذاته، أمامنا الآية 34 من سورة فصلت التي تقول: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، أي: ادفع السيئة الصادرة من قريبك أو صديقك بأحسن الصفات؛ كأن تقابل قطيعته بالصلة، وسترى كيف يتحول إلى صديق قريب منك؛ وذلك قوله تعالى:
{فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} أي: يُكِن لك حبا شديدا.