لابد من وجود كاسة تحت نصف الكاسة!

0

منذ عقد الثمانينات كانت الصحافة العربية الورقية المستأسدة في ساحة الثقافة والاعلام، تتخذ من الخبر الخاص، و»الملفات السرية»، عن العلاقات المشبوهة بين هذا وذاك، وصفقات الاسلحة بين هذه الدولة وتلك، والفضائح السياسية، وسائلَ للإثارة وجذب القراء، بل والتسويق ايضاً، وكان رحى هذا العمل الصحفي يدور حول محور الحرب العراقية – الايرانية، بشكل خاص، والعلاقات المتوترة بين ايران والدول العربية بشكل عام، وبدائرة أوسع قليلاً؛ حول الحروب الداخلية في لبنان وافغانستان، وبعض الفرقعات التي تحصل بين نظام حكم القذافي وبين الغرب بشكل عام، فكانت أغلفة المجلات الاسبوعية – تحديداً – وايضاً بعض الصحف الخليجية والبيروتية واللندنية، تخرج الينا بين فترة واخرى بملفات سرية عما تدعيه بصفقات أسلحة سرية بين ايران واسرائيل، او عن العلاقات الاميركية – الايرانية، او عن الوجود الايراني في لبنان وغير ذلك، وهي بذلك توحي للقارئ العربي حجم قدرات الاسرائيليين في التوغل في جميع بلدان الشرق الاوسط؛ والتأثير عليها مخابراتياً، وعسكرياً، وسياسياً.

وهنالك مثل ايراني ظريف يقول: «لابد ان تحت نصف هذه الكاسة كاسة أخرى»! بمعنى ان وضع نصف كاسة مقلوبة على الطاولة ليس بالضرورة ان تكون الغاية الدعوة الى النظر الى ما داخل هذا النصف وبشكل سهل، وإنما الامر يستدعي النظر في نوايا صاحب هذه الكاسة المكشوف ما بداخلها و وضعها امام العيان.

ومن الناحية المهنية، ليس بوسع القارئ أمس، وحتى اليوم، ومع التطور الحاصل في وسائل الاتصال والاعلام، أن يناقش الوسيلة الاعلامية في صحة ما تنشر، فهو إما يصدق وإما يكذب او يتجاهل، إنما هي مهمة الجهات الحكومية المعنية، اذا ما مسّ الامر احد الشخصيات البارزة او مصالح بلد مهم. ويبقى المخاطب هو المستهدف في إثارة «أسرار الأسرار»، كما يحلو للبعض تسميتها، لانه عبارة عن انسان منشغل بهمومه الخاصة، من التحصيل الدراسي، او كسب لقمة العيش، او البحث عن فرص عمل، بيد انه يبقى يشكل الرأي العام الذي ترتكز عليه في الترويج لما تريد في توجيه القناعات وصياغة الافكار باتجاه اعطاء المشروعية لصراع العرب بشكل عام وعراق صدام بشكل خاص مع ايران، وايضاً تعميق الصورة المرعبة لاسرائيل في اذهان العرب والمسلمين وانها القوة التي لا تقهر.

وما يدعو الى الغرابة والأسف في آن، ان يستمر هذا الاسلوب القديم مع الرأي العربي والاسلامي، رغم التطور الهائل في وسائل الاتصال والاعلام، فما زالنا نقرأ، ليس على صفحات المجلات والجرائد، او شاشات التلفاز، وانما في الشاشة الصغيرة المحمولة والمشحونة بالمواقع والصفحات الالكترونية، ما يدعيه البعض من «كشف المستور»، او «اسرار خطيرة….»! وما اشبهها، وهذه المرة حول العراق والنوايا الاميركية والاسرائيلية، وايضاً حول الشرق الاوسط بشكل عام، وكيف ان الصهيونية العالمية تخطط لابتلاع الجميع، والاميركان يسعون لامتصاص آخر قطرة نفط في البلاد الاسلامية….!! ولمن يتأمل هذه الاثارات يجدها لا تعدو كونها تحصيل حاصل من الممارسات الاستعمارية القديمة، فهل نرجو من الغرب او الصهيونية العالمية ان تساعدنا على التطور والنمو؟! انما الذي نتوقعه دائماً، وطيلة العقود الماضية، سعيها الدؤوب ومن خلال قنوات ووسائل شتّى، تكريس المفاهيم السلبية في النفوس؛ من يأس، واحتقار، وشعور بالعبثية والضياع.

لا نعتب على من يقف خلف نشر التقارير المثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي بعناوين مثيرة حول المؤامرات والدسائس والجرائم وغيرها، فهم يعملون بكل مهنية وجدية للوصول الى غايات محددة لهم، بيد اننا ندعو في الوقت نفسه جماهيرنا الى مزيد من الوعي واليقظة للتفريق بين الغثّ والسمين، وقراءة ما بين السطور، فهذه التقارير المثيرة تقدم بعض المعقول والصحيح، ولكنها تخفي الكثير من الحقيقة، وإن أجبرت عليها، ستبينها مشوهة، مثل حقيقة الانحدار في سمعة اميركا والغرب بشكل عام، بعد ان كانت ملهماً للفكر والثقافة، وتحولها الى مصدر للأزمات والصراعات في العالم، وايضاً تشويه الحقائق الناصعة لقدرات الشعوب، ولاسيما الشعب العراقي على النهوض والنمو والتطور.