دور الإمام الصادق في إرساء قواعد المجتمع الإسلامي

1

شهدت الفترة التي استلم فيها الإمام الصادق عليه السلام الإمامة تحديات كبيرة وكثيرة على المستوى العقائدي كظهور الزنادقة، والسلوكية كظهور المتصوفة وتعدد المذاهب الإسلامية، وعلى المستوى السياسي تمثل بضعف الدولة الأموية ونشاط الحركة العباسية بالتعاون مع بعض العلويين لإسقاط دولة بني أمية وبشعارات كاذبة، ظاهرها إنصاف المظلومين وباطنها هو الوصول إلى الحكم، وكانت أمثال هذه الفتن تحتاج إلى قائد رباني أمثال الإمام الصادق عليه السلام، لاجتياز هذه المرحلة والعبور بالمجتمع إلى بر الأمان من ناحية الأفكار الدخيلة والمسمومة ضد مبادئ الدين الإسلامي الحنيف.

وقد ساعد الإمام الصادق عليه السلام عدة عوامل في ذلك أهمها طول عمر الإمام الصادق عليه السلام من جهة، فقد توفي وهو في عمر الخامسة والستين حتى لُقب بـ(شيخ الأئمة)، كما ساعده الوضع السياسي في تلك الفترة التي شهدت ضعف الدولة الأموية في أواخر عهدها، والتي انشغلت في ردم التصدعات في حكومتهم ونشاط الحركة العباسية، المنشغلة بإسقاط الدولة الأموية وعن استلامهم الحكم كانت بداياتهم منشغلة بتصفية الدولة الأموية أيضاً.
وأما التحدي الذي كان يواجهه الإمام الصادق عليه السلام، فتمثل بـانتاج مجتمع مسلم متسلح عقائدياً وثقافياً وبملكات أخلاقية فضيلة بعيدة عن السلوكيات المنحرفة في ظل هذه الصراعات السياسية والعقائدية والسلوكية وتمثل هذا التحدي بـ:
الوضع السياسي: فالإمام الصادق عليه السلام هو القائد المحنك سياسياً والرباني المطلّع على خفايا الأمور، لم يدخل في معمعة القضاء على الدولة الأموية بمساعدة دولة بني العباس وذلك لسببين؛ يتمثل الأول بمعرفة الإمام الصادق عليه السلام بنوايا بني العباس وهدفهم في الوصول إلى دفة الحكم، الأمر الذي جعله يبتعد عن أي مساعدة معهم لإسقاط الحكم لا من قريب ولا من بعيد، والسبب الثاني إن الإمام الصادق عليه السلام، كان يرى أن المجتمع حينذاك لم يصل إلى المستوى المطلوب الذي يؤهله للصدام المسلح والطاعة له، لكي يقود ثورة لوحده بعيداً عن الاتفاق مع الحركات المنحرفة، وخير دليل على ذلك هو أن بعض العلويين لم يأخذ بنصيحة الإمام الصادق عليه السلام بعدم التعاون مع دولة بني العباس، فخالفوا الإمام واتفق بعضهم مع الدولة العباسية ذات الظاهر البراق!

[.. أكد الإمام الصادق عليه السلام على التفقه والتعلم بقوله: “ليت السياط على رؤوس أصحابي حتى يتفقهوا في الحلال والحرام”..]

الوضع الاجتماعي: بعد أن ابتعد الإمام الصادق عليه السلام من فكرة إقامة دولة إسلامية عن طريق التصدي السياسي لعدم توفر الإمكانيات – كما أسلفنا -، سار الإمام عليه السلام بمخطط معدّ له لإقامة مجتمع إسلامي عقائدي يؤمن بالإمام وعصمته إيمانا قاطعاً، ومتسلح بالوعي لا تنطلي عليه أكاذيب المتصدين سياسياً وبعض ممن يحسب نفسه على الأديان، وعارف بانحراف أفكار الزنادقة الملحدين ومشخص لسلوكيات من يدعي الزهد بعيداً عن الإسلام ومستعد للتضحية في سبيل الدين، فكان لا بد من أن يقوم بعدة مهام :

  • نشر العلم:

أكد الإمام الصادق عليه السلام على التفقه والتعلم بقوله: “ليت السياط على رؤوس أصحابي حتى يتفقهوا في الحلال والحرام”. وقال عليه السلام: “اطلبوا العلم ولو بخوض المهج وشق اللجج واكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا”، ففتح أكبر جامعة علمية بالعراق وأصبحت الكوفة محطة لرجال العلم، فأخذ العلماء يختلفون إليها من أماكن بعيدة، وقد انتج علماء وخطباء وكتاب وأدباء ومفكرين في مختلف ميادين الثقافات والعلوم، كالعلوم الطبيعية والانسانية ومنها علم الكيمياء، الى جانب تطور العلوم الدينية من الفقه والحديث والتفسير واللغة العربية وغيرها. فنشطت الحركة العلمية في الحجاز وأماكن أخرى كالعراق والتي كانت أكبر جامعة علمية حينذاك في الكوفة واستمرت لسنتين، انضم إليها الآلاف من العلماء من مختلف المذاهب.

  • نشر الوعي:

إن توجيه الرأي العام بالشكل الصحيح والموّجه، يتحقق عن طريق تثقيف الأفراد ورفع الجهل عنهم، للتصدي لمحاولات المنافقين الذين همهم وضع الغشاوة على عيون الكثيرين للحؤول دون الوصول الى الحقائق فيما يتعلق بحاضر الأمة ومستقبل الأفراد وتطلعاتهم، وضخ الثقافات الخاطئة لكي تخلو الساحة لهم ليعملوا ما يريدون لتحقيق مصالح شخصية أو فئوية أو عنصرية مقيتة لا تمُتّ إلى الإسلام والإنسانية بصلة إطلاقاً؛ لذلك فإن توجيه الرأي العام ينتج وعياً جماهيرياً يجعل المجتمع يبتعد عن المنافقين ويحسن اختيار من يضعون ثقتهم به باختيار القائد الرباني، ولا يعطون ثقتهم لحركات لمجرد شعارات.

فكان رأي الإمام الصادق عليه السلام في عدم الانصياع خلف مصالح بني العباس، وكشف نواياهم لأتباعه لكي لا يقعوا فريسة أفكارهم ومصالحهم في الوصول إلى الحكم، وهو ما وقع به ممن لم يأخذ بكلام الإمام الصادق عليه السلام، لأن منهج الإمام الصادق عليه السلام، في التغيير لم يكن منهجا تحكمه المغامرات السطحية، بل كان منهجا تحكمه خطط محكمة قائمة على أسس فكرية وعقائدية موضوعية وواضحة.

[.. التحدي الذي كان يواجهه الإمام الصادق عليه السلام، تمثل بـانتاج مجتمع مسلم متسلح عقائدياً وثقافياً وبملكات أخلاقية فضيلة بعيدة عن السلوكيات المنحرفة في ظل هذه الصراعات السياسية والعقائدية والسلوكية ..]

فكان يقوم على أساس مقاطعة الحكم الجائر، والمقاطعة الهادفة إلى التغيير وأمر أصحابه بتجنب هؤلاء الحكام وعدم الاتصال بهم فقال عليه السلام: “لا تعنهم على بناء مسجد” وقال: “… إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار، حتى يحكم الله بين العباد”، في محاولة منه لتصحيح أفكار الرأي العام تجاه الحكومات الظالمة وكشفه لهم مبكراً لكي لا يكونوا أداة بأيدي الظالمين.
التصدي للسلوك المنحرف
وكذلك ظهور المتصوفة وخطورة هذه الفئات في أنّها فهمت تعاليم الإسلام فهماً خاطئاً، ودعتْ إلى تطبيق ما فهمته، الأمر الذي انعكس سلباً على مستوى البناء الفردي والاجتماعي. فمثلاً كانوا يدعون إلى إهمال الدنيا بكلّ شؤونها وإلى عدم الاكتراث لظلم الحكّام وجرائمهم تحت عنوان الزهد! وهوما أدركه الحكّام فما فتئوا يشجعونه ويسوقون له، لأنه سلوك يجعل من المجتمع ميتاً لا علاقة له بالظالمين وجاهلاً غير عارف لما يدور حوله، وهذا مما لا يرتضيه الإسلام والأئمة الأطهار بل نهوا عنه، وحتّى أنّهم أهملوا شؤون النظافة والمظهر الخارجي.
وهنا أيضاً يبرز دور الإمام عليه السلام في تصحيح هذا الفهم وهذا النهج ومن ذلك ما ورد عن الكليني عن الصادق عليه السلام أنّه قال: “إنّ الله يحب الجمال والتجمّل ويبغض البؤس والتباؤس”. وقال أيضاً: “إذا أنعم الله على عبده بنعمة أحب أن يراها عليه لأنّه جميل يحبّ الجمال.”

  • التصدي للأفكار المنحرفة

انتشر الزنادقة في زمن الإمام الصادق عليه السلام في معظم الامصار الاسلامية وأرادوا نشر النظريات الإلحادية في أذهان الناس، وخاصة الشباب الذين لم تكن قد مُلئت بالفكر الصحيح بعد؛ وهنا رأى الإمام الصادق عليه السلام، أن دوره وواجبه هو تعبئة الجماهير فكرياً لمواجهة الملحدين والزنادقة، لكي لا يقفد المجتمع الإسلامي روحه الدينية ويسقط صريعاً بسبب فيروس الأفكار الخاطئة، فقام بتربية وإعداد أفراداً من اصحابه من الذي حظوا بشرف التصدي لهذه الأفكار وكانوا يرجعون للإمام عليه السلام عندما تعييهم الحيلة والذهن أمام أولئك الزنادقة والمجادلين.

  • الحفاظ على العقيدة الصحيحة للإسلام:

لقد كان الإمام الصادق وقبله الأئمة عليهم السلام مستودعاً لعلم رسول الله محمد، صلّى الله عليه وآله، لذلك من أهم الخطوات هو الحفاظ على العقيدة السليمة والسبل الصحيحة في أخذها من أهلها، وقد ورد عن الصادق عليه السلام قال: “اياكم وتقحم المهالك باتباع الهوى والمقاييس، قد جعل الله للقرآن أهلا، أغناكم عن جميع الخلائق لا علم إلاّ ما أمروا به قال الله تعالى {فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} ايانا عنى”؛ فقد نهى الإمام عن القياس من ذلك قوله لنعمان: يَا نُعْمَانُ إيَّاكَ وَالقِيَاسَ! فَإنَّ أَبِي‌ حَدَّثَنِي‌ عَنْ آبَائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَهِ! قَالَ: مَنْ قَاسَ شَيئاً مِنَ الدِّينِ بِرَأيِهِ قَرَنَهُ اللَهُ تَبَارَكَ وَتَعَإلی‌ مَعَ إبْلِيسَ، فَإنَّهُ أَوَّلُ مَنْ قَاسَ، حَيْثُ قَالَ: {خَلَقْتَنِي‌ مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} فَدَعُوا الرَّأْيَ وَالقِيَاسَ فَإنَّ دِينَ اللَهِ لَمْ يُوضَعْ علی القِيَاسِ.

وكل ذلك بث الوعي الصحيح من خلال الأفكار السليمة والمتمثلة بعقيدة النبي محمد صلى الله عليه وآله وما تحمله من آثار علمية في العقيدة لكي يكون الإيمان راسخاً بالقلوب عن علم ومعرفة، لا عن جهل وأن يكون الوعي الديني مبنياً على الكتاب والسنة لا مبنياً على اتباع الرجال قد حذر الإمام الصادق عليه السلام من ذلك بقوله: “من دخل في هذا الدين بالرجال، أخرجه منه الرجال كما أدخلوه فيه ، ومن دخل فيه بالكتاب والسنّة ، زالت الجبال قبل أن يزول.”

  • الشعائر

أصبح إحياء عاشوراء في زمن الإمام الصادق عليه السلام أمراً مألوفاً عند أتباع أهل البيت؛ فقد أمر أتباعه بإحياء أمرهم وذكر مظلومية الإمام الحسين عليه السلام، ومن ذلك سؤاله لفضيل بن يسار: “يا فضيل أتجلسون وتحدثون؟ قال: نعم، قال عليه السلام : إن تلك المجالس أحبها فأحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا.”

  • استشهاده عليه السلام

لما أكمل العباسيون تصفية حساباتهم مع الأمويين وقبضوا على كرسي الملك بقبضة من حديد أفاقوا على حقيقة أذهلتهم وسلبت منهم الراحة وهي أنهم وجدوا أنفسهم بعد كل ما فعلوه مع الأمويين أمام حركة فكرية وإيمانية أكبر وأخطر بكثير من جيش الأمويين وعصاباتهم المتبقية هنا وهناك واستشعروا ان الإمام الصادق عليه السلام، وخلال هذه الفترة القصيرة التي ترك فيها من غير ضغط ولا رقابة قد اكتسح قلوب الجماهير وعقولهم، وهذا ما لم يمكن السكوت عنه من قبلهم فعمدوا إلى اخذ عدد من التدابير التي كانوا يتصورون بأنها ستؤدي إلى وقف المد الجعفري وتحجيمه، فلم يجدوا فائدة في ذلك فدسوا السم إليه ليستشهد مغدوراً بحقد بني العباس ويدفن في البقيع مع أبيه الإمام الباقر، وأجداده الإمام علي زين العابدين والإمام الحسن بن علي المجتبى، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.