تربية الكوادر السبيل الاقوم للنهوض

الإمام الصادق عليه السلام رائد النهضة الجعفرية

1

قال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}.
من نعم الله على الأمة أن جعلها فيها أئمة يهدون بأمره ويدعون لدينه، ويرشدون عباده، يعملون بأمر الله ووحيه لتنظيم حياة البشرية، فهم وان تعددت الأدوار فالهدف واحد. فكان لكل واحد منهم اسلوبه الخاص وطريقته المختلفة للعمل وذلك لما يقتضيه الظرف، ونحن إذ نعد أنفسنا شيعة لهم كان لزاماً علينا تتبع حياتهم، ومعرفة سيرتهم، والسير على نهجهم، وجعلهم قدوات لنا في الحياة، وحيث نعيش هذه الأيام ذكرى شهادة شيخ الأئمة الإمام جعفر بن محمد الصادق، عليه السلام نجدها فرصة ان نقف على أعتاب هذه المدرسة العظمى وذلك البحر الزاخر ونحاول أن نغترف منه غرفة، بالتعرض على بعض سيرة ذلك الإمام المعطاء ونستشف منه الدروس والعبر والتي نأمل أن نوفق لها لعلنا نكون ممن يحيون أمرهم حتى يرحمنا الله.

ولكننا إذا أردنا أن نتعرض لسيرة هذا الأمام الهمام والبحث فيها والكتابة عنها، لاحتجنا لذلك الأيام والشهور، وما اتسعت لذلك المجلدات والموسوعات وما وافيناه حقه! ولكن ما لايدرك كله لا يترك جله، فنحاول أن نتعرض في هذه الأسطر المتواضعة إلى النزر اليسير من سيرته المباركة وبالخصوص الجانب التربوي منها؛ بنائه للكوادر وتربيته للعلماء.

[ .. كان من استراتيجياته المهمة في سبيل النهضة هو تربية العلماء، إذ أنه أسس جامعةً علمية تتلمذ فيها بالمباشرة أكثر من أربعة آلاف عالم، ففي الكوفة وحدها كان الداخل للمسجد يجد فيه تسعمائة شيخ كلٌ يقول قال: “جعفر بن محمد” ..]

فهو عليه السلام كان كأسلافه يحملون هم الرسالة التي اناطها الله بهم، فيسعون بكل جهد ويعملون كل ما بوسعهم في سبيل تحقيق الهدف المقدس، فكان كل واحد منهم يقوم بعدة أدوار ومجموعة اساليب في سبيل تحقيق الغاية وأداء المسؤولية، وهي دعوة الناس إلى الله وإقامة حكم الله لكي تسعد البشرية وتعيش الهناء في حياتها.
فكان الإمام جعفر بن محمد الصادق، عليه السلام احد قيادات هذا العمل الرسالي، الذي استطاع أن يحدث نهضةً كبيرة في الأمة الإسلامية وقد سميت بإسمه فكان بحق رائد النهضة الجعفرية التي مازالت آثارها إلى اليوم وتموجاتها تغمرنا.
فكان من استراتيجياته المهمة في سبيل النهضة هو تربية العلماء، إذ أنه أسس جامعةً علمية تتلمذ فيها بالمباشرة أكثر من أربعة آلاف عالم، ففي الكوفة وحدها كان الداخل للمسجد يجد فيه تسعمائة شيخ كلٌ يقول قال: “جعفر بن محمد”.

[.. من الذين درسوا عند الإمام وتخصصوا على يديه هو جابر بن حيان الذي الّف زهاء خمسمائة مسألة في الرياضيات كلها من إملاء الإمام الصادق عليه السلام ..]

تلك المدرسة العلمية الكبرى التي ساهمت مساهمة عظيمة في أحداث نهضة ثقافية في المجتمع الإسلامي، تعدى تأثيرها إلى جميع المذاهب الإسلامية، فحتى أئمة المذاهب الأربعة كانوا ممن اغترفوا من معين هذه المدرسة العظمى، حتى قال أمام المذهب الحنفي ابو حنيفة النعمان كلمته الشهيرة “لولا السنتان لهلك النعمان” ويقصد بها تلك السنتين التي تتلمذ بها على يد الإمام الصادق عليه السلام.

فكانت من أعرق الجامعات العلمية في الماضي والحاضر، وتملك المنهجية الفذة والتي تدعوا إلى التقدم والتحضر وذلك من خلال إيمانها بضرورة التخصصات العلمية، فقد تنوع تلامذة الإمام الصادق الذين درسوا عنده وتتلمذوا على يديه بتخصصاتهم العلمية وشملت جميع الجوانب ومما يثبت ذلك هذه القصة التالية:

يقول هشام بن سالم: “كنا عند أبي عبدالله، عليه السلام جماعة من أصحابه فورد رجل من أهل الشام فستأذن فأذن له فلما دخل سلم فأمره ابو عبدالله بالجلوس ثم قال له :حاجتك أيها الرجل! قال: بلغني انك عالم بكل ماتسأل فصرت إليك لأناظرك.
فقال أبو عبدالله عليه السلام :في ماذا؟ قال؛ في القرآن وقطعه واسكانه وخفضه ونصبه ورفعه، فقال أبو عبدالله: يا حمران أبن أعين دونك الرجل فقال الرجل: إنما أريدك انت لا حمران. فقال أبو عبد الله: أن غلبت حمران غلبتني
فأقبل الشامي يسأل، وحمران يجيبيه، فقال أبو عبد الله: كيف رأيت يا شامي؟ فقال: رأيته حاذقاً ما سألته عن شيء إلا اجابني فيه!
فقال أبو عبد الله: ياحمران سل الشامي، فما تركه يكشر
فقال الشامي: اريد يا أبا عبدالله أن أناظرك في العربية فالتفت ابو عبدالله فقال : يا ابان بن تغلب ناظره. فناظره فما ترك الشامي يكشر.
فقال اريد ان أناظرك في الفقه، فقال أبو عبد الله: يازرارة ناظره فناظره فما ترك الشامي يكشر.
قال : اريد ان أناظرك في الكلام. فقال : يا مؤمن الطاق ناظره، فناظره فسجل الكلام بينهما ثم تكلم مؤمن الطاق بكلامه فغلبه به.
فقال اريد ان أناظرك في الاستطاعة فقال للطيار: كلمه فيها فكلمه فما تركه يكشر
ثم قال اريد ان اكلمك في التوحيد. فقال لهشام بن سالم كلمه. فسجل الكلام بينهما ثم خصمه هشام.
فقال اريد ان اتكلم في الإمامة فقال لهشام بن الحكم: كلمه يا أبا الحكم فما تركه يريم ولا يجلي ولا يمري
فبقي ابو عبدالله عليه السلام يضحك حتى بانت نواجذه
فقال الشامي؛ كأنك أردت أن تخبرني أن في شيعتك مثل هؤلاء الرجال؟!
فقال عليه السلام؛ هو ذاك.
ومن هذه القصة نستكشف ثلاث ملاحظات مهمة وهي؛
الأولى: أن الإمام الصادق، عليه السلام كان يعمل على تربية علماء كل على حسب اختصاص معين والذي يستطيع أن يتقنه ويكون بارعا فيه.
الثانية: أن الإمام عليه السلام كان واثقاً من الخبرات والكفاءات العلمية لدى أصحابه وتلاميذه، حتى أنه قال للشامي: أن غلبته غلبتني.
الثالثة: أن الإمام عليه السلام بفعله هذا بأن أوكل مهمة المناظرة لتلاميذه، هذا اسلوب مهم في بناء الكوادر وتربية العلماء وذلك باعطائهم الثقة بأنفسهم من خلال ايكال المسؤوليات لهم وتشجيعهم من أجل إنجاحها.

ومن الذين درسوا عند الإمام وتخصصوا على يديه هو جابر بن حيان الذي الّف زهاء خمسمائة مسألة في الرياضيات كلها من إملاء الإمام الصادق عليه السلام، وايضا هنالك من تلاميذ الإمام من كان عالماً في الطب والكيمياء وغيرها من العلوم المختلفة، فكانت تلك هي المدرسة الفكرية الوحيدة استطاعت أن تحقق النهضة الثقافية في الأمة ولقد قال عنها العلماء:
“لعلنا لن نجد في التاريخ الإنساني مدرسة فكرية استطاعت أن توجه الأجيال المتطاولة، وتفرض عليها مبادئها وأفكارها، ثم تبني أمة حضارية متوحدة لها كيانها وذاتيتها، مثلما صنعته مدرسة الإمام الصادق عليه السلام
إن من الخطأ أن نحدد إنجازات هذه المدرسة فيمن درس فيها وأخذ منها من معاصريها وإن كانوا كثيرين جداً، وإنما بما خلفته من أفكار، وبما صنعته من رجال غيروا وجه التاريخ ووجهوا أمته، بل وكونوا حضارته التي ظلت قروناً مستطيلة.

فمن خلال هذا الدور العظيم الذي قام به الإمام جعفر الصادق، عليه السلام في مسيرته الرسالية، وهو تربية العلماء وبناء الكوادر وفق التخصصات المختلفة، والتي تساهم في سبيل النهوض والتقدم في مسيرة الأمة، أعطى بذلك درساً وقدم نصيحة لكل من همّ بالتغيير ونشد النهوض، أن السبيل الاقوم لبناء الحضارة والرقي في المجتمع هو يكون من خلال العلم والعلماء فكان لزاماً على كل من يريد النهوض أن يدعم العلم ويحث أبناء الأمة عليه ويبني الكوادر المتعلمة والتي بدورها تعمل على تحقيق الهدف المنشود.

  • المصادر
    (1) رجال الكشي \ ج٢ ص\ ٥٤٥.
    (2) النبي وأهل بيته قدوة وأسوة\ المرجع المدرسي ج٢ ص٦٩.