نظرات اجتماعية وحضارية في سورة العنكبوت (2)

ما هي الحضارة الإنسانية؟

0

بما أننا نتحدَّثُ عن الحضارة، وأطلقنا على سورة العنكبوت المباركة هذا الاسم، فما هي الحضارة الإنسانية إذن، يُعرِّفها سماحة السيد المرجع المدرسي (حفظه الله) بقوله: الحضارة هي “حضور الإنسان عند الإنسان وتعاونه وتفاعله معه، ابتداءً من الحضور المادي وانتهاءً بالتفاعل المعنوي، ومروراً بالتعاون العملي، وهذه البنود هي التي تُشكل قواعد الحضارة” (الحضارة الإسلامية آفاق وتطلعات: ص31)
فالحضور والتعارف والتعاون والتفاعل بين البشر هو الذي يُمكن أن يبني الحضارة، ولكن بما أننا وصفناها ب(الإنسانية) يعني يجب أن تنطلق من مصلحة الإنسانية، وتصطبغ بصبغتها الجميلة في القِيم والأخلاق، ولذا يُعلِّق السيد هادي المدرسي على ذلك بقوله: “كل الأمم إذا أخذت بأسباب العلم، وتمسكت بالقيم والمُثُل، وسَعت إلى تطوير حياتها، فإنها قادرة على أن تتقدَّم في الحياة، ومن ثَمَّ فهي قادرة على بناء حضارة متميِّزة متقدِّمة”.

  • العوامل المؤثرة في بناء الحضارة

لكل مشروع، أو لكل بناء لا بد من وجود عوامل أساسية يقوم عليها، كالأرض، والمخطط الهندسي، والمواد الضرورية، وكل ما يلزم لقيام ذاك البناء المنشود، ومن أهمها اليد العاملة الخبيرة (الإنسان) لكي تنفِّذ المشروع على أرض الواقع، يقول سماحة السيد هادي (حفظه الله): “إن عوامل قيام الحضارات هي أمور ترتبط بتصرُّف الإنسان وحُسن نظرته إلى الحياة، ونشاطه في مختلف المجالات فالإنسان هو وسيلة قيام الحضارات، وهو الهدف من وراء قيامها، فأي مجتمع بدون حضارة سيكون مجتمعاً متخلفاً، والحضارة لا بد أن تنمِّي عقلية الإنسان وأن تبعده عن الهمجية”.
ثم يقول شارحاً وموضحاً: “فقدرة مجموعة من البشر في فترة من الزمن على إقامة حضارة إنما يرتبط بالجوانب العلمية، والثقافية، والظروف البيئية، والعوامل الاقتصادية، كما ترتبط بإرادة الإنسان، وطموحه، وعزمه، ويرتبط حتماً بالقِيَم الاجتماعية التي يلتزم بها الناس”.

[.. من أجل تحقيق هذا الهدف التربوي المتسامي لا بد أن يعرف المجاهد حقيقة الدنيا، وحكمة فتنها، وضرورتها، وأن الذين يرتكبون السيئات لا يسبقون ربهم، ويعرف أن مدة الفتنة محدودة إلى أجل مسمى، حين يلقى المجاهد ربه ليوفيه جزائه ..]

فالإنسان والقِيَم الإنسانية هي أساس في بناء الحضارة، وهي ليست هامشاً من هوامشها، أو من مخلَّفاتها كما في الحضارة الرَّقمية الغربية اليوم، التي شيَّأت كل الفضائل، وسلَّعت كل القِيَم، وحوَّلت الإنسان من قيمة كُبرى في هذه الحياة لأنه هدفها وغايتها التي خلقها الله سبحانه لأجله، فهي خادمة مطيعة له، فصارت الحضارة غاية والإنسان خادماً تفهاً مطيعاً لأوامرها الصَّارمة، فالحضارة الرَّقمية قلبت الموازين كلها عندما قلبت ميزان الفضائل والقيم الإنسانية.
فلكي نبني الحضارة علينا أن نعي عدداً من الحقائق التي تُشير إليها هذه السورة المباركة التي نقف على أعتابها ونحاول أن نبني فكرة حضارية منها، وذلك لأن كل شيء، وكل مشروع، وبناء لا بد من أن يبدا بفكرة، يتبعها سعي لتحقيقها، والحضارة كذلك تماماً.
ولذا يقول سماحة السيد هادي: “الحضارة تبدأ من فكرة”، والفكرة الصَّالحة كالبذرة الصَّالحة إذا تأمنت لها كل الشُّروط نمت، وكبرت، وأزهرت، وأثمرت، وأينع ثمارها لجانيها.. ولكن يجب أن يتوفر لها شرطان هما:
1– البذرة الصالحة (وهي الفكرة الحضارية السليمة)
2– تعاهد تلك البذرة ورعايتها حتى تكبر(وهم صنَّاع الحضارة وبُناتها في الحياة)
فالفكرة هي المنطلق، وهي الرَّكيزة الأساس التي تُبنى عليها الحضارة، كما يُسميها سماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي (حفظه الله) ب(الفكرة الحضارية) التي يُعلِّق عليها بقوله: “بقدر ما تكون الفكرة مليئة بركائز التقدم والنصر، وبقدر ما تبعثه في الإنسان المتقمِّص لها من الإيمان والمعرفة، سيكون تقدم الأمة وانتصارها.. ولن تغني الفكرة الحضارية شيءً لو لم تملك الأصالة والواقعية، ولم تكن قادرة على تحميل نفسها على كتف الحياة حتى تصنع رجالاً، وتصنع بهم بطولات، تصنع بها حضارة متفوِّقة.. إذ من دون التفاعل بين الإنسان والفكرة كيف يتمكن الإنسان من تغيير واقع الحياة وبنائها؟ فهل تتقدَّم أمةٌ تملك تراثاً ضخماً من الفكر الحضاري لو لم يتحوَّل فعلاً إلى عطاء وعمل؟” (الفكر الإسلامي مواجهة حضارية السيد محمد تقي المدرسي: ص 23)

  • أساس وأصل الحياة البشرية

لو تأملنا بعمق، ودققنا بحدَّة، وبحثنا بجدٍّ عن أساس الحياة البشرية من أوَّل يوم هبط فيه أبونا آدم وزوجه حواء، عليه السلام إلى هذه الأرض، كان بفكرة واحدة لا تتعداها إلى غيرها، وربما يصعب معرفة وإدراك غيرها إلا عن طريقها، ومن بابها ومحرابها، تلك الفكرة التي تقول: “أننا وُجدنا في هذه الحياة الدنيا اختباراً، وامتحاناً، وفتنة لنا”.
ولذا ترى السورة المباركة تبدأ مع الإنسان وغايته في هذه الدنيا مبيِّنةً حقيقتها وغاية الباري من خلقتها بهذا الشكل وعلى هذا المنوال، ولم يجعلنا كغيرنا من المخلوقات، التي تولد وتعيش لتأكل وتتسافد لتستمر ثم لتموت وتنتهي من هذه الدنيا، كقانون إلهي يحكمها تُسيِّرها غرائزها فقط.
يقول السيد المرجع المدرسي: “من أجل تحقيق هذا الهدف التربوي المتسامي لا بد أن يعرف المجاهد حقيقة الدنيا، وحكمة فتنها، وضرورتها، وأن الذين يرتكبون السيئات لا يسبقون ربهم، ويعرف أن مدة الفتنة محدودة إلى أجل مسمى، حين يلقى المجاهد ربه ليوفيه جزاءه”. (تفسير من هدى القرآن: ج‏6؛ ص391)
والفتنة ذات مغزى تربوي، ومعنى تنموي، لأن الله سبحانه جعل الدنيا داء بلاء وامتحان للبشر في كل ما أمرهم الخالق به، أو نهاهم عنه، وهو ما نُطلق عليه بالتكليف، والمطلوب الطاعة والانقياد لأمر الله تعالى، وأمر مَنْ يأتي من عنده ليبُلِّغهم رسالات ربهم.

[.. إن عوامل قيام الحضارات هي أمور ترتبط بتصرُّف الإنسان وحُسن نظرته إلى الحياة، ونشاطه في مختلف المجالات فالإنسان هو وسيلة قيام الحضارات، وهو الهدف من وراء قيامها ..]

وتكرر لفظ “الفتنة” في القرآن الكريم نحو ستين مرة في خمسٍ وثلاثين سورة، ودلَّ مفهومها في الغالب على الابتلاء، والاختبار، والامتحان، وتعددت أنواعها فأشدها فتنة إبليس، ثم فتنة النساء والمال والأولاد، وفتنة الحياة والموت، ولكن أشدها هي فتنة الكفر، والاختلاف والفرقة والحرب بين العباد، وأعظمها فتن آخر الزمان لكثرتها وتنوعها واختلاطها ببعضها.
فالفتنة تصحبنا من المهد إلى اللحد، كأفراد، وهي تصحبنا منذ أن نُفخت الروح بأبينا آدم، عليه السلام، وأمر الله الملائكة بالسجود له، فسجدوا ولكن إبليس الذي كان معهم وليس منهم استكبر وأبى السجود لآدم لظنِّه أنه أفضل منه لأن عنصره ناري، وآدم عنصره ترابي، وغابت عنه مسألة الروح التي هي نفحة ونفخة إلهية، فأعلن العَداء له وصمم على الانتقام منه فأنزلهم الله جميعاً من المحلِّ الأعلى إلى هذه الحياة والمحلِّ الأدنى (دنيا) ولكن ضَمِنَ لآدم وذريته أمرين اثنين ليستطيع أن يقاوم فتنة الشيطان الرجيم إذا استعان بهما كما أمره الله تعالى، وهما:
1– العقل الداخلي لتمييز الخير من الشر.
2– الوحي الخارجي لتبيين مناهج الحق من الباطل.
وهنا الفتنة الحقيقية للإنسان في هذه الحياة، أن يستطيع التمييز بين الخير والشر، ويلتزم بالحق ويجتنب الباطل في مسيرته الحياتية كلها، ولذا بدأت هذه السورة المباركة بهذا المعنى الشامل والكبير جداً، بقوله تعالى: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}. (العنكبوت: 3).
سؤال إنكاري يفتتح الباري تعالى هذه السورة بعد الأحرف المقطَّعة، ليكون أشدُّ وقعاً على السَّامع، وأكثر جذباً لفكره وانتباهه لما يُريده الله سبحانه من بيانها الهام جداً؛ ألا وهو (الفتنة) في هذه الحياة، وبيان أنها سُنَّة من سُنن الله الحاكمة في هذه الدنيا، تخاطبه: “أيها القارئ، السَّامع، الإنسان لا تظن يوماً إذا أردتَ أن تدَّعي أشرف ما في الوجود (الإيمان) بأنك بعيدٌ عن الاختبار والامتحان الإلهي لك في هذه الحياة، لأن في الامتحان يُكرم المرء أو يُهان، فأنتَ معرَّض لأشدِّ أنواع الامتحانات وأقساها وهي متدرجة بحسب العظمة والقرب من الرَّب سبحانه، ولذا قال أعظمكم الرسول محمد المصطفى، صلى الله عليه وآله وقد سأله أحدهم: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: “الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ”.

ويقول سبحانه: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}.(الأنبياء: 35). هذه الآية الكريمة تُعطي خلاصة الحياة البشرية التي تبدأ بالولادة، وتنتهي بالموت، وما بينهما محكوم بقانون (الخير والشر)، و(الحق والباطل)، و(النور والظلام)، وكل ذلك بغايةٍ واحدةٍ هي الفتنةُ، والامتحانُ، والاختبارُ لهذا الإنسان، لتخليصه من الشَّوائب والعوالق التي تلحق به روحاً لا جسداً لأن الجسد الترابي آلة تستخدمها الروح في هذه الحياة، والأصل فيه روحه الإلهية.
في هذا المعترك المرير على الإنسان أن يبني ما أمره الله به في هذه الأرض، حيث قال: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (هود: 61)، فإن كان بناؤه كما أمر الله فهو يبني حضارة فاضلة، راقية تخدم الإنسان، وتُسعده في الدنيا والآخرة، وإن كانت كما أمر الشيطان فهو يبني حضارة تافهة، تستخدم الإنسان وتُذله وتُشقيه ويخسر فيها خسراناً مبينا.
وهذه السورة المباركة تُعطينا، وتُهدينا إلى هذا السبيل بضرب عدد من الأمثلة من الحضارات التي مرَّت في مسيرته منذ أوَّل حضارة قامت في عهد أبي البشر الثاني نبي الله ورسوله نوح، عليه السلام الذي حاول لعدة قرون بأولئك الأقوام لهدايتهم، فما زادهم في دعوته إلا طغياناً وتجبراً وتكبراً.
يقول سماحة السيد المدرسي: “تفتتح سورة العنكبوت، التي تهوِّن من شأن الحضارات الجاهلية آياتها الكريمة ببيان حقائق شتى، تُمهِّد بها لبيان سُنن الله في المجتمعات الفاسدة”. (من هدى القرآن، ج‏6، ص: 395)
ونحن سنتتبع تلك الحضارات ومحاولة معرفة السُّنن الإلهية الحاكم التي أبادتها ودمَّرتها فبأي ذنب استحقت كلمة العذاب، وحُكم عليها بالاستبدال بها غيرها لتذهب إلى مزابل التاريخ وتأتي حضارة أخرى لتحكم المسيرة البشرية، ونبحث في آيات هذه السورة المباركة عن الفكرة الحضارية التي إذا ما تمسَّك بها شعب أو أمة بنوا حضارة من حضارات الأرض، وما هي مميزات حضارة السماء التي يُريدنا الباري تعالى أن نبنيها في حياتنا وواقعنا الإسلامي؟