خلايا اجتماعية لا خلية أزمة واحدة لموجهة “كورونا”

0

في أي بلد بالعالم، أو أي شعب يتعرض لكارثة طبيعية، أو وباء خطير –كالذي نعيشه اليوم- او كوارث الحروب، بامكانه الاحتواء والسيطرة على الاوضاع عندما يكون مستعداً لها مسبقاً، فترى الخسائر قليلة، مهما عظمت الكارثة، وهذا ما نلاحظه في البلاد الرابظة على خطوط الزلازل، والمعرضة للأعاصير في جنوب شرق آسيا، كيف أنهم يشيدون المباني بطريقة تحمي سكانها، وايضاً لا تجر الأسف الحسرة اذا ما تحولت الى ركام، لانها مبنية من مواد انشائية رخيصة وغير قاتلة مثل الحديد والاسمنت وغيرها، وهكذا؛ ما نسمعه من حوادث اصطدام القطارات في العالم، بان المصابين عدد قليل من الجرحى، مع قلة من الوفيات، وهذا يدل على وجود اجراءات السلامة والوقاية.
هذا ما يتعلق بالاجراءات المسبقة التي تتخذها الحكومات والمؤسسات الخيرية والتطوعية المعنية باشكال وعناوين متعددة آخرها ما نسمعه اليوم باسم “خلية الأزمة”، بيد أن عاملاً آخر يدخل على الخط لمؤازرة هؤلاء يتمثل في افراد المجتمع باجمعهم، ففي الحالة الحضارية، يفترض ان لا يجلس مترقبا الرعاية والمساعدة! انما يكون لهم دوراً، ربما يكون ريادياً ومحورياً في احتواء الازمات والكوارث.

  • لماذا الخلايا المتعددة؟

قبل الحديث عن الداعي لوجود الخلايا الاجتماعية المتعددة مع وجود الدور الحكومي والجهد التطوعي، مثل جميعات الهلال الأحمر، و المؤسسات الخدمية والخيرية. يجدر بنا الاشارة الى النجاح الباهر الذي حققته خلية الازمة في العراق لاحتواء وباء “كورونا المستجد” منذ الايام الاولى لانتشاره في الرقعة الجغرافية القريبة من العراق، والحؤول دون تسربه الى المدن العراقية، وفي خطوة لاحقة أخرى؛ اتخاذ سلسلة اجراءات وقائية للحد من انتشار هذا الوباء والتقليل من حجم الاصابات والوفيات، وهو ما حصل بشكل رائع لفت أنظار جميع بلدان المنطقة والعالم، وايضاً؛ أنظار منظمة الصحة العالمية، علماً؛ أن خلية الأزمة الرئيسية في بغداد تفرعت عنها خلايا أزمات في جميع المحافظات العراقية لمتابعة عملية مواجهة الوباء على الصعيد المحلي لحظة بلحظة.

[.. أعطى الاسلام قيمة عليا لمفهوم الجماعة والمجتمع، فالقرآن الكريم يؤكد في أحكامه وقيمه الاخلاقية على أن التطبيق يجب ان يكون من الجماعة لا من الفرد الواحد، وأن النجاح والفلاح، وايضاً الخسارة والسقوط والانهيار المادي والمعنوي، يكون جماعياً ايضاً ..]

الى جانب كل هذا، فان وباء وجائحة كالتي نشهدها ويشهدها العالم اليوم، تستدعي تعبئة جماهيرية شاملة وسريعة، فهي ليست كأي أزمة صحية خبرها العالم، وهو الخطأ الذي سقطت فيها دول متقدمة في علم الطب في اوربا واميركا، عندما لم يأخذوا فايروس “كوفيد19” على محمل الجدّ، على أنه قابل للعلاج والمكافحة مثل سائر الأوبئة الفايروسية والميكروبية، والنتيجة ما نشهده اليوم من حصد لمئات الضحايا يومياً في العالم، بين مصاب جديد ومن وافته المنية، حتى من المعتذر الحديث عن أرقام في لحظة كتابة هذا المقال، لسرعة تغيير الارقام نحو الاعلى على مدار الساعة!

  • الحاجة دائماً الى روح الجماعة

أعطى الاسلام قيمة عليا لمفهوم الجماعة والمجتمع، فالقرآن الكريم يؤكد في أحكامه وقيمه الاخلاقية على أن التطبيق يجب ان يكون من الجماعة لا من الفرد الواحد، وأن النجاح والفلاح، وايضاً الخسارة والسقوط والانهيار المادي والمعنوي، يكون جماعياً ايضاً، ولذا أكد القرآن على التماسك الاجتماعي، وأن يكون مفتاح النجاح في مشاريع التنمية والتقدم ومواجهة الازمات والمحن.
وفي السور القرآنية، المدنية منها، نجد الإشارة واضحة الى هذا الجانب لتبيين عوامل نجاح وتقدم الأمة: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}، ثم يشير القرآن، وهو كلام الله –تعالى- الينا، الى استحقاق آخر مهم، وهو التضحية وبشكل جماعي ايضاً لنصرة الدين والقيم، وهذا ما دعا اليه رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن بعده أمير المؤمنين، والأئمة الاطهار، عليهم السلام، “وعندما يستعد هذا المجتمع للتضحية فانها ستكون عادة وسنّة فطرية له، وسيكون هذا المجتمع معطاءً، يعطي من دماء ابنائه بسخاء في سبيل تطبيق الرسالة”. (قيم التقدم في المجتمع الاسلامي- المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي).

[ .. ان “الاسلام يؤمن بخلية الأسرة بشكل قوي قد لا يصل اليه ايمان أي مذهب او دين آخر، فالاسرة مقدسة في الاسلام، والتماسك الأسري في الاسلام أحد الأسس الرئيسية لتماسك المجتمع ..]

هذه الروح الجماعية والشعور العام بالمسؤولية في المجتمع الاسلامي لها بواعث يشير اليها سماحة المرجع المدرسي في كتابه المشار اليه، وهي: قيمية، وأخرى؛ نفسية، “فالمجتمع يؤمن بالقيم ايماناً شديداً ومن يؤمن بالقيم يضحي من أجلها، والثاني: الباعث النفسي، فالانسان الذي يعيش داخل مجتمع متماسك، ويحسّ بشدة الانتماء الاجتماعي، سوف يحس شعورياً ونفسياً بأن كل ابناء المجتمع هم ابناؤه، أو آباؤه، أو إخوانه، وأخوته”. وسماحته يشير الى جانب التضحية بالنفس في ميادين القتال، كما حصل مع تلبية نداء المرجعية الدينية لمحاربة الجماعات التكفيرية وتحرير الاراضي العراقية من زمرة “داعش”.
وفي محنة وأزمة كالتي نعيشها اليوم في ظل وباء “كورونا المستجد” والذي لا يقلّ خطورة من الحروب، فان وجود الخلايا الاجتماعية بروح المسؤولية والتضامن والتكافل في أرقى مستوياتها من شأنها ان تحرز نصراً جديداً على جانب الانتصارات الاخرى للمجتمع المتماسك والموحد، فالنصر على هذا الوباء يعني وضع حد لأرقام الوفيات في العراق، وايضاً في سائر البلاد الاسلامية، فيما نجد الارقام مخيفة ومريعة في اوربا واميركا.
لقد أبدع وبرع الشباب المؤمن في العراق في طرق إيصال المساعدات الانسانية الى العوائل الفقيرة والمتضررة من قرارات حظر التجوال وتوقف بعض المصالح والاعمال الحرة، وهذه بحد ذاتها تعد خلية أزمة من قلب المجتمع النابض، ينبغي ان تكون بداية لظهور خلايا لمهام أخرى تعالج الآثار الاجتماعية والاقتصادية لهذا الوباء.

  • كيف نصنع الخلايا الاجتماعية؟

الامر سهلٌ جداً وليس بحاجة لاجراءات معقدة، فالمسألة لا تتطلب تخصيصات مالية، ولا كفاءات علمية، بقدر ما تتطلب الهمّة والعزيمة والشعور العالي بالمسؤولية لنشر الوعي والثقافة في اوساط المجتمع، فهو يحمل في نواته القابلية الى إنشاء الخلايا الاجتماعية، وهي على نوعين، كما يبين ذلك سماحة المرجع المدرسي؛ الأول: الخلايا الفطرية، والاخرى الخلايا الحضارية.
ان “الاسلام يؤمن بخلية الأسرة بشكل قوي قد لا يصل اليه ايمان أي مذهب او دين آخر، فالاسرة مقدسة في الاسلام، والتماسك الأسري في الاسلام أحد الأسس الرئيسية لتماسك المجتمع”، ومن هذه الأسرة تخرج العلماء والعباقرة والقادة في تاريخ الاسلام، وما يزال، لذا بامكان أسرة متماسكة قائمة على القيم الاخلاقية أن تفعل الكثير لمواجهة أزمات كبرى تواجه البلد، لانها تخرج الانسان المسؤول، والنزيه، والمخلص، والأمين، وكل تشتمل عليه الصفات والخصال الحميدة.
أما الخلايا الحضارية فهي التي تأتي نتاج حراك فكري وثقافي للشريحة الواعية في المجتمع، وهم “مجموعة رجال يمتلكون رؤى واحدة ويسيرون في خط واحد، وعادة تتكون مثل هذه الخلايا من فرد يؤمن بفكرة ويحمل رسالة، ويتحسس بمسؤولية اجتماعية، ثم لا يبقى وحده وإنما يبحث عن أولئك الذي يؤمنون بفكرته ويتحسسون بمسؤوليته، انه يبحث عنهم في كل مكان حتى يجدهم، فاذا وجدهم وطّد علاقته بهم”.
إن أزمة كالتي نعيشها ويعيشها العالم بأسره، امتدت ابعادها في الاتجاهات كافة، فهي ليست ظاهرة مرضية وحسب، إنما وباء خيّم بظلاله الكثيفة على الحياة العامة للناس في العالم بأسره، بل وترك تأثيراً عميقاً في السلوك والعقيدة وطرق التفكير، نظراً للاجراءات المتبعة لمواجهته، ومنها الاجراءات الوقائية وحظر التجوال والبقاء في المنزل لفترات طويلة، وتحول اصحاب الحرف والصناعات والاعمال الحرة وطلبة الجامعات من الاماكن التي يفترض التواجد فيها، الى جدران البيت الاربعة، بين الابوين والاطفال الصغار، بما يعني؛ كلما تعددت الخلايا الاجتماعية الناشطة والمنتجة في أي بلد، فان يكون أقدر على مواجهة الوباء والتقليل من عدد الخسائر، وايضاً من الآثار السلبية له.