التدين والعَلمنة.. سباق في السلوك الانساني*

0

تعيش الامة الاسلامية اليوم حربا شعواء مع العلمانية في مختلف الميادين العقائدية الفكرية والسياسية..، ويتصور البعض ان العلمانية ما هي إلا فصل الدين عن السياسة، أي ابعاد الدين عن الدولة، فما هي العلمانية أساساً و لماذا العلمانية؟
ما هي الجذور و الأسباب التي سببت في تكون الفكر العلماني؟
وكيف انتشرت العلمانية في بلداننا؟
العلمانية في بدايتها هي محاولة فصل الفكر الديني عن الفكر السياسي، أي إبعاد ثأثير الرؤية الدينية على القرار السياسي، والذي يشمل الحكم و القضاء و أهم جانب وهو الإقتصاد، ولكنّ النموذج الذي نجده اليوم في العالم الغربي هو ليس محاولة فصل مساحة الدين عن الدولة و إنما إقصاء الدين، أي محاولة لإلغاء الدين كما يسميها الدكتورعبد الوهاب المسيري في كتابه العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة.
وهذا المعنى يتوسع حتى يشمل الجانب الثقافي، والجانب الفكري و الفلسفي، و جانب رؤية الإنسان عن الحياة، وعن عن القيم و الأخلاقيات، و في نهاية المطاف لا يبقى للدين مساحة و ثأثير في حياة الإنسان، و هو ما يسميه بالعلمانية الشاملة، و ليس معنى الكلام أنّ هناك نوعين من العلمانية، و إنما الأولى هي مقدمة للثانية.
كانت العلمانية في بدايتها تختلف عما هي عليه الآن، فعندما يُشكِل شخصٌ علماني على مفردةٍ من المفردات العبادية؛ فهل المفردة العبادية لها علاقة بالسياسة؟

“العلمانية ليست محاولة فصل مساحة الدين عن الدولة و إنما إقصاء الدين عن مسرح الحياة بشكل تام”

فإذا اشكل على الصلاة او الصيام، او الشعائر الحسينية،فإنذلك ليس له علاقة بالسياسة، فعندما نرى العلماني يطرح الاشكالية على هذه الأمور فإن إشكاله ليس في السياسة، إنما يتوجه الى الجانب الحياتي. إذاً هذه هي العلمانية.
وهذا الامور تبدو من الواضحات، و ليست بنظرية مؤامرة كما يتصورها البعض، و هنا لابد أن نعود تأريخياً إلى زمن بعثة الرسول الأكرم محمد، صلى الله عليه وآله، والتي كانت بداية انطلاق الدين الإسلامي الذي نحن نؤمن به، فالدين الإسلامي انطلق من مكة المكرمة، بعدها انتقل الرسول الاكرم إلى المدينة المنورة بعد ثلاث عشر سنة من الدعوة في مكة، فأسس الدولة، و توسع أكثر حتى أنه بعد رحيل رسول الله كان المسلمون قد أنشأوا دولتهم في شبه الجزيرة العربية و بدأوا يتوسعون.
و بعد زمن حكم الاول و الثاني و الثالث و زمن أمير المؤمنين، عليه السلام توسعت البلدان الإسلامية حتى استطاعت أن تسقط حضارة الإمبراطورية الفارسية التي كانت في الشرق، و حدَّ المسلمون من نشاط الإمبراطورية التي كانت في الغرب -الإمبراطورية الرومانية-، ثم بدأ التوسع إلى أن أنشأوا “الحضارة الإسلامية”، و بالفعل كانت حضارة بما تعنيه اليوم هذه الكلمة، كانت حضارة أسهمت في مجالات كبيرة في تقدم البشرية و أنتجت العلوم، والمعارف الطبيعية و الإنسانية، ومع الأسف الشديد نحن كشيعة في وعينا و في لا وعينا ننظر إلى التأريخ الإسلامي كله على أنه تأريخ أسود خطأ لا نور فيه.
لكن الحقيقة أن المسلمين تقدّموا والشيعة كانوا جزءاً من هذا التقدم؛ فكانت هناك الدولة الحمدانية، والدولة الادريسية في المغرب، والدولة الفاطمة في مصر، والتي كان لها تأثير كبير في الحضارة الاسلامية، فالشيعة اذن ساهموا في تأسيس الحضارة الإسلامية و دفع عجلة الحضارة البشرية للأمام.
في سنة ١٠٩٦م إلى سنة ١٢٩١م، بدأ تحدٍ كبير للحضارة الإسلامية الذي تمثل بالحملات الصليبية التي استمرت لمدة ١٩٥سنة من الهجوم الغربي على البلدان الإسلامية. و حسب ما كتبه المؤرخون أن حصيلة هذه الحملات هي ثلاث ملايين من القتلى و أخذ القدس و أخذ القسطنطينية (اسطنبول)، والمسلمين في فترات معينة هُزموا أمام الصليبيين عسكرياً و لكن لأول مرة في تأريخ البشرية، حدث انعكاس في القاعدة التي نعرفها و التي يتكلم عنها المؤرخون و الفلاسفة و هي قاعدة” المغلوب هو الذي يتحكم في الغالب”، هذه القاعدة انقلبت و عُكست لأول مرة في تأريخ البشرية، وهي أن المسلمين لم يتأثروا بالغربيين الذين احتلوهم، و إنما هم الذين أثّروا، لماذا؟
لسبب واحد هو السبب الأساسي و المهم: لأن المسلمين كانوا متقدمين حضارياً، بما يملكونه في البلاد الإسلامية من حضارة وعلوم، وأساليب و نُظم، وبإمكان القارئ الرجوع كتاب جرجي زيدان (تاريخ التمدن الإسلامي)، والذي تكلم بتفصيل عن التمدن الذي صنعه المسلمون في زمن كان الصليبيون (الأوربيون)، يسمون أنفسهم بالعصور المظلمة.
و لذلك عاد الصليبيون بتقاليد و عادات و نُظم من أفكار البلاد الإسلامية تأثروا بها، بعد ذلك جاء الإجتياح من الشرق -الإجتياح التتري- و أسقطَ بغداد كما هو معروف، و مرة أخرى استطاع المسلمون- بإعتبارهم كانوا متقدمين حضارياً- استطاعوا أن يستوعبوا التتر المغول، و خصوصاً بجهود العلاّمة الحلي رضوان الله عليه الذي غيّر الأتراك المغول في نهاية المطاف حتى أصبحوا مسلمين! و تحولت دويلاتهم -التي كانت تحكم- إلى النظام الإسلامي.
ظل المسلمون متقدمون حضاريا الى أن سقطت الدولة العثمانية إلى بداية الحرب العالمية الثانية، و إلى أن حدثت اتفاقية “سايكس-بيكو” و قُسمت هذه المنطقة بناءاً على الدول الإستعمارية. وعندما سقطت الخلافة العثمانية- سقط المسلمون وتخلفوا.

“المسلمون تقدّموا والشيعة كانوا جزءاً من هذا التقدم؛ فكانت هناك الدولة الحمدانية، والدولة الادريسية في المغرب، والدولة الفاطمة في مصر، والتي كان لها تأثير كبير في الحضارة الاسلامية”

يذكر سماحة السيد المرجع محمد تقي المُدّرسي حفظه الله في كتاب المنطق الإسلامي بحثاً مفصلاً و خلاصته: ” أنّ الحضارة هي نتاج تراكم الجهود الإيجابية و التخلف هو نتاج تراكم الجهود السلبية”، فتراكم الفشل يسبب التخلف، والمسلمون كانوا في حالة سبات لمئات السنين عندما تقدمت الحضارة الغربية، لكن عندما سقطت الخلافة العثمانية، و لأول مرة في تأريخ المسلمين رأوا أنهم متخلفين حضارياً، فصاروا يبحثوا في الدول الغربية عن نظام الحكم و القوانين، ليستبدلوا بها القوانين والنُظم الإسلامية.
لذلك و بدل أن يلوموا أنفسهم و يعرفوا أن التقدم الذي حدث في الغرب قد حصل نتيجة لتراكم جهود العمل لمئات السنين، فقال البعض إنّ إشكاليتنا كمسلمين والذي سبّب تخلفنا هو في هذه النظم و القوانين التي نؤمن بها؛ فعلينا أن نحذف هذه القوانين من حياتنا لنتقدم!، و هذه النظم و القوانين التي ارادوا حذفها كانت مبنيةً على أساس الدين، فقرر المسلمون إحضار نُظُم أخرى، و يا ليتهم اخترعوا قوانين لأنفسهم، إنما أرادوا أن يستنسخوا ما عند الآخرين.
في يوم من الأيام كانت مساحة الدين في حياة الإنسان تشغل حيزا واسعا، لكنها شيئاً فشيئاً؛ بدأت تتقلص، فتغيّر نظام الحكم إلى نظام آخر، و القوانين الدينية بدأت تحلُّ محلها القوانين المدنية شيئاً فشيئاً، إلى أن تقلصت مساحة الدين، إلى ما يتعلق بالأحوال الشخصية مثل الزواج و الطلاق و ما شابه، و هذه هي خلاصة عملية العلمنة، عندما يكون الدين ليس له دخل في حياتك.
إذاً لما انتشرت العلمانية في بلداننا ؟
بسبب التخلف الذي يعيشه الملسمون، ولشدة انبهارهم بما عند الغرب، فكانت ناطحات السحاب، والمصانع الكبيرة، سببا لانتشار العلمانية، التي لم يرَ السذج إلا الظاهر منها!

  • كيف انتشرت العلمانية في بلداننا؟

ليس هناك نظرية مؤامرة أو غيرها – و إن كان هناك من دعم عملية العلمنة حتى بالسلاح- لكن التأثير الحقيقي الذي نجده اليوم في الجيل الذي نعيشه، نرى ان لا أحد يفرض عليه رأيه، و إنما تتقلّص مساحة الدين بإعتبار أننا لا نجد لهذا الدين الذي نؤمن به تأثيراً في حياتنا. هذه خلاصة تأريخية فيما يرتبط بالعلمنة التي خلاصتها(كلما تقلص الدين؛ زادت العلمنة، و إن كنا لا نعترف بها فإعترافنا أو عدمه لا علاقة له بنقصان أو زيادة العلمنة) فربما يكون المتدين يمارس العلمنة بنسبة ما( مثلاً ١٠ بالمئةأو ٧ بالمئة).
هناك بُعداً نفسياً و عقائدياً و هو أن أساس الدين هو الطاعة، و أساس الكفر هو خلاف الطاعة وهو العصيان، وهناك طبيعة في داخل البشر هي طبيعة التمرد و العصيان، وعدم الإنصياع لله، وحسب (رأيي) أن الكفر بالله، و فكرة المرجئة، و فكرة العلمانية، و نظرية الشورى، عند إخواننا السنة؛ كلها نابعة من هذه الفكرة لكن بدرجات متفاوتة.
فالمرجئة يقولون: “نحن نؤمن بالله لكن الله ليس له علاقة بأعمالنا و لا يحاسبنا عليها”، و كذلك هي العلمانية في معناها الإبتدائي لا تنفي الإيمان بالله، و إنما تعطي للبشر حرية التصرف و وضع القوانين لأنفسهم بدلاً من الرجوع لله، ونظرية الشورى عند أهل السنة؛ تقول: “أن الله هو الذي يضع لنا القوانين لكنه أوكل إلينا تنفيذها كما نشاء نحن لا كما يشاء هو”.
لذلك بهذا المعنى صارت العلمانية و الايمان طرفي نقيض، ليس فقط فصل الدين عن الدولة، وإنما العلمانية ككل، يقول احد أقاربنا يعيش في أمريكا:
“قبل أربعين سنة كان هناك مَسحةٌ دينية في أمريكا -مع أن العلمانية هي الحاكمة- أننا حين نرسل أبناءنا للمدرسة نجد هناك نسخة للإنجيل أو صورة للسيدة مريم عليها السلام. لكن أصبحت هذه الأمور اليوم غير موجودة بل ممنوعة، فهم ليس لديهم مشكلة مع إيمانك و لك الحق في أن تؤمن و لا علاقة لهم إن كنت مسيحياً أو يهودياً أو غيرها؛ ما يهمهم أن دينك يجب أن لا يؤثر في حياتك أو في مكان عملك”.

______

*مقتبس من محاضرة للسيد محسن المدرّسي في احدى الندوات الجامعية