لنصنع التفاؤل بدلاً من شراء التشاؤم

0

في الحياة قواعد وسنن إلهية ثابتة تمكن الانسان من تنظيم حياته وشؤونه وفقها بالشكل الذي يعيش من خلالها بكرامة وعزّ ورفاهية، والقرآن الكريم يضيء لنا هذه السنن العظيمة: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}، (سورة النجم: 39)، و{لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}، (سورة ابراهيم: 7) وآيات كريمة تتحدث عن الخزي في الحياة الدنيا قبل الآخرة للظالمين والطغاة.
والتفاؤل ايضاً؛ يمثل نتاجاً لانسجام الروح مع السنن الالهية وتجاوبها مع نعمه – تعالى- فتكون متفائلة برحمته، مطمئنة بقدره، راضية بقضائه، فلا يرى الانسان في الحياة الا كل ما هو خير وبركة.
وعلى العكس حينما تكون الروح في حالة تضاد مع تلك السنن، فانه تكون في حالة خلاف مع مجرياتها، فتكون متشائمة تندب حظها في هذه الحياة، فلا تنتظر رحمة، ولا تطمئن الى مصير، لأنها لا ترى إلا الظلمات.

  • فوارق بين المتفائل والمتشائم

التفاؤل وقود الروح، وهي حالة ايجابية تجعل صاحبها يرى الفرص المتاحة بدل ان يرى الفرص الضائعة، وينظر الى ما يمتلكه، بدل ان ينظر الى ما خسره.
فالمتفائل يرى وسط الظلمة، نقطة النور، بينما يرى المتشائم نقطة من الظلام بالرغم من احاطة النور بها.
وحينما تتاح الفرص امام المتشائم فانه يرى الصعوبات المحيطة بها، بينما المتفائل يرى في الصعوبات فرصا متاحة لا بد من استغلالها.
المتفائل حينما يفقد بعض ما يملك يقول: الحمد لله، عندي غيره، اما المتشائم فهو من غير ان يفقد شيئا يخاف من فقدانه!
المتفائل من يقول: ان كأسي مملوءة حتى نصفها، والمتشائم من يقول ان نصفها فارغ.
المتفائل يرى نِعم الله – تعالى- التي منحها له، والمتشائم يرى النعم التي حصل عليها غيره.
المتشائم يرى صعوبة في كل مناسبة، بينما المتفائل يرى مناسبة في كل صعوبة.

  • التفاؤل يولّد الأمل بالحياة

يقول الحديث الشريف: «الامل رحمة، ولولا الأمل، ما أرضعت والدة ولدها، ولا غرس غارس شجرا».
واذا أخذنا بعين الاعتبار ان حالتنا الذهنية هي ربّ عملنا الحقيقي، نعرف حينئذ كم يكون للتفاؤل القائم على الامل من تأثير على مجمل حياتنا، خاصة فيما يرتبط بالنجاح في الاعمال.
ترى هل عرفت او سمعت ان رجلا نجح في أي مجال من مجالات الحياة وهو متشائم؟ أم هل رأيت متفائلاً واحداً عاش تعيساً في حياته؟
ان التفاؤل أقل ما يعطيه هو سكينة النفس التي ليست اقل قيمة من النجاح، بينما التشاؤم يسلب من صاحبه الراحة، والطمأنينة حتى وان كان من الناجحين.
وهكذا فان من التفاؤل يولد الأمل، ومن الامل ينبغي العمل، ومن العمل تولد الحياة.
وقد روي انه «بينما كان عيسى بن مريم، عليه السلام، جالسا، رأى شيخا يعمل بمسحاة وهو يثير الارض، فقال عيسى، عليه السلام: «اللهم انزع منه الأمل، فوضع الشيخ المسحاة واضطجع. فلبث ساعة، فقال عيسى، عليه السلام: اللهم اردد اليه الأمل، فقام وبدأ يعمل».
فالأمل هو دافع الزرّاع الى الكدح أملا في الحصاد. ودافع الجنود الى الحرب أملا في النصر، ودافع المرضى للتشبث بالحياة أملا في الشفاء، ودافع المؤمنين الى العمل الصالح أملا في الفردوس، ودافع التجار الى العمل أملا في الربح، ودافع العلماء الى البحث والتمحيص أملا في كشف المجاهيل.
التفاؤل بذرة الحياة الاولى. وقد ثبت بالتجربة، ان النظرة المتفائلة للامور تحفز العقل الباطن الى الاحتفاظ بقوته، وتحفز العقل الواعي على العمل. وقد قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: «تفاءلوا بالخير تجدوه».
ان الانسان ينسج أفكاره، فاذا كان متفائلا اصبح ناجحا، واذا كان متشائما فسوف يفشل، وحينئذ فلا يجوز له ان يلوم الا نفسه.
ومن أهم الصفات التي يتمتع بها الناجحون أنهم متفائلون.
يقول أستاذ في علم النفس: «ثمة وهم شائع ان المتفائل ساذج، والحقيقة ان المتشائم لا يجيد التكيف مع الاوضاع الجديدة لان موقفه السلبي يعميه عن رؤية الحلول الممكنة، والمتفائل اكثر سعادة وأوفر صحة وأقدر على ايجاد حلول للمشاكل إذ يواجهها بالقول: «سوف أتمكن من معالجة هذه المسألة».

  • كيف نصنع التفاءل؟

كتب وبحث الكثير من علماء النفس وعلماء الاجتماع للاجابة عن هذا السؤال، لاسيما في ظل الاوضاع غير المستقرة التي تعيشها الشعوب المأزومة بالحروب والمشاكل الاقتصادية والسياسية، فكيف يصنع التفاؤل وسط عالم مشحون بالشؤم والسلبية؟
هناك طــــرق عديــــــــدة في هذا المضمار، نذكر منها:
أولاً: قوِّ ارادتك
لا شك في أن الارادة فوق كل شيء في الانسان، فأنت الذي تثبت حالة التفاؤل او حالة التشاؤم في نفسك، فالحياة تعرض عليك كلاً من (الأمل) و(اليأس)، وانت تتعرض خلال حياتك، وفي كل الظروف، لحوادث تؤدي بك الى التفاؤل والتشاؤم، ولكن من الذي يثبت لديك احدى الحالتين خاصة لك؟
فاذا تعرضت لحالة التفاؤل فيمكنك ان تجعلها حالة ثابتة، واذا تعرضت لحالة التشاؤم كان بمقدورك ان تمحو آثارها.
لنفترض أنك تعرضت لكل من الفشل والنجاح في مقتبل العمر، وانك قد تتذكر فشلك، فتصاب باليأس، وقد تتذكر نجاحك فتتفاءل، هنا لابد من ان تثبت حالة التفاؤل، وكلما هجمت عليك واردات الهموم، قاومها بتذكر النجاح، وضرورة التفاؤل، ولا تنسَ ان الاخفاق المادي لا يعني شيئا اذا قدرت على ان تحافظ على توازنك الداخلي وعافيتك النفسية.
وللارادة هنا دور أساسي: فالمتفائل يعتمد على عكاز الارادة، ليقوم من جديد بعد كل اخفاق، اما المتشائم فانه ضعيف الارادة عادة، ولذلك فانه يعطي للحوادث التافهة اهمية لا تستحقها، ويبرر تشاؤمه بأمور لا قيمة لها، وينتحب لكل مشكلة تعترض طريقه.
ان التفاؤل موقف، فحينما تقرر ان تكون متفائلاً فسوف ترى الف سبب له، أما حينما تستسلم لعوالم اليأس فسوف تكون عاجزاً عن رؤية أسباب التفاؤل.
وهكذا، فإنك اذا أردت ان تكون متفائلا كنت، واذا أردت ان تكون متشائما كنت كذلك. حاول ان تبتسم في الظروف الصعبة، فسوف تجد ان المشاكل أرخت لك العنان. وقاوم الانفعالات العاطفية، وامتلك اعصابك، وثابر على العمل وتجلَّد في مقاومة الصعاب، وبذلك تفرض التفاؤل على نفسك.
ثانياً: أعـــــرف عــــواقب التشــــاؤم الوخيمة
أهرب من حالة التشاؤم كما تهرب من أشد الامراض فتكاً، لان حالة التشاؤم تجتذب الفشل مثل قطعة من المغناطيس التي تجتذب برادات الفولاذ.
واذا درسنا تاريخ الفاشلين نجد ان كثيراً منهم كانت تبدأ مشاكله من حالته السلبية، فمعظم العلل تبدأ بعقل سلبي، لان المشاكل تتجه عادة الى حيث تُدعى.
وحينما يكون قلبك مفعما بالتفاؤل، فان المشاكل لا تستطيع الاقتراب منك أمّا اذا امتلأ باليأس فانها ستحوم حوله، كما يحوم الذباب حول الاوساخ.
ثالثاُ: عالج أسباب التشاؤم عندك
إن التشاؤم دائما احساس غامض، لانه لا ينبع من حقائق خارجية تؤدي اليه، بل هو قد ينشأ من الغلو في الحساسية، او المبالغة في المثالية، فتكون المشاكل الصغيرة في قلب الحساس ذات صدى مُبالغ فيه، وتكون للصعوبات انعكاسات ضخمة.
فاذا كنت تريد ان تتمرس بالتفاؤل، فان عليك أن تداوي احساساتك، وهذا يقتضي منك العمل بثلاث وصفات جوهرية، كما يقول علماء النفس:
1- امتنع في الأزمات العاطفية والانفعالية عن أداء أية حركة او القيام بأي عمل من شأنه ان يثبت انفعالك ويمده بالامتداد في الزمن.
2- قم بتحليل منطقي لانفعالاتك، بان تفترض ان المشاكل هي لغيرك وليست لك، حتى تستطيع ان تقيم الامور مجردة من الاحاسيس.
3- ابحث عن وسائل للترفيه، والاسترخاء، وابتعد قدر المستطاع عن مصادر المشاكل.
رابعاً: تقدم خطوة خطوة
أحيانا تكون الظروف صعبة بحيث انها تحجب الرؤية، وهنا لا بد من ان نكتفي بالتقدم خطوة خطوة، تماما كما لو أنك كنت تسوق سيارتك في ضباب كثيف، انك حينئذ ستكتفي بالسير مسافات قصيرة، وكلما قطعت مسافة تنطلق الى الأمام مسافة أخرى.
ان الظروف القاسية تتطلب منا ان نكتفي بانجاز أعمالنا يوما بعد يوم.
خامساً: الايمان قلعة التفاؤل
فمهما تضاءلت قدراتنا، وزاد عجزنا عن مواجهة الصعاب، فان قدرة الباري، وقوته تكون سنداً لنا ومخرجا.
لقد صبر أيوب، عليه السلام، على مصائبه المتكررة رافضا بقوة أن يكفر بنعمة الخالق. وعندما انتهت محنته جازاه الله خيراَ على ايمانه. هكذا، يشعر الناس في الأزمات بأنهم يخضعون لامتحان لا تتكشف أهدافه ومكافآته إلاّ بعد حين، ولا قد تتكشف أبدا، ولكنها فتنة تستحق الصبر، وليست مصيبة تستحق الرثاء.
—————-

  • مقتبس من كتاب: «انت ايضاً يمكنك أن تنجح» لمؤلفه آية الله السيد هادي المدرسي.