الحجر المنزلي.. سباق مع الزمن لتحقيق الاهداف

0

إذا عدنا بشكل سريع الى حياة الناجحين في التأريخ، نجد أن حياتهم وساعاتهم كلها فرص مُستثمَرة، وأوقات لا يملؤها سوى المهم فألاهم، ولذا ترى آيات انجازتهم على الواقع، سواء على المستوى العلمي أو على المستوى المادي، او المعنوي، ولهذا فإن درجة نجاح أمة أو شعب أو فرد، هو بمقدار اهتمامه بالوقت، وبمقياس الانجازات التي يحققها في سباقه مع الزمن، فهو لا يهتم بتوافه الأمور التي تضيّع الحياة، وتضيع معها الأهداف الكبرى، فالامكانات مهما كان حجمها لا تسخّر في الهلو واللعب، والانشغال بما لا يفيد، فلا تتحول حواسبيهم، وهواتفهم المحمولة الى حظيرة للالعاب الالكترونية، القالتة للوقت والجهد والصحة.
يتحسّر البعض لعدم تمكنه من القيام ببعض الامور الاجتماعية، كالتواصل مع ابنائه والجلوس معهم لفترات طويلة، لطبيعة العمل خارج البيت، والبعض يتحسّر ألمَاً لعدم وجود الوقت الكافي لمطالعة كتاب، او لاكتساب مهارة معينة، كأن تكون لغة جديدة، او التعرف على مواضيع علمية او دينية تتعلق بحياته وسلوكه.
فينظر الكثير الى كورونا ان وباء قاتل، امتدت آثاره الى الحياة الاقتصادية والاجتماعية..الخ، وادى الى تعطيل الحركة، والتزام الناس المكوثّ في البيوت بشكل إلزمي (الحجر الصحي)، ولكنها فرصة أتت برِجليها الينا، فما نحن عاملون اثناء هذه المدة التي ربما تطول؟

من المهم استغلال هذا الحجر في جانب اساسي من حياتنا، وهو العلم والتعلّم، فهو ضروري لكل حركة يخطوها الفرد والمجتمع

  • وهل أعددنا برنامجا لملئ هذا الوقت الطويل؟

أم انه سيُفنى في توافه الأمور، على القنوات الفضائية، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي؟
إذا عاد كل واحد منا الى نفسه، سيرى الكم الهائل من الفرص التي ضاعت، وتحولت الى غصة نتجرعها حسرةً وندامةً، وصدق الإمام علي، عليه السلام، حين قال: ” إضَاعَةُ الْفُرْصَةِ غُصَّةٌ”، وهذه الحسرة والندامة لا تفيد في شيء، إلا اذا تحوّلت الى وقود تدفع صاحبها الى تعويض ما فاته، أما اذا كانت الندامة للندامة فقط، فإنها تتحول الى معول يهدم شخصية الفرد من الداخل وهذا ما تؤكده الآية الكريمة: {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ}.

  • كيف نعيش اجواء الحجر المنزلي؟

الآن ونحن نعيش(الحجر المنزلي)، يمكننا الاستفادة منه، في انجاز الكثير والكثير، فهذه فرصة يمكننا الاستفادة منها على جميع المستويات، المادية، والعلمية، والمعنوية، فعلى المستوى المادي يمكن للانسان ان يطور من مهاراته الشخصية فيما يرتبط بعمله خارج البيت، فإذا معلماً مثلا، فيمكنه تطوير اساليبه التربوية والعلمية، وكيف يجعل من نفسه مقبولا لدى طلابه، فإذا نجح معه اطفاله فبالأولى نجاحه مع الآخرين.
أما اذا كنت طالب علم، في أي مرحلة دراسية، فإن بالامكان قراءة الكتب، وسماع المحاضرات فيما يناسب تخصصك، فطالب الطب مثلا، يقرأ ويطلع في الكتب الطيبة، ويسمع لتجارب ممن مضوا في هذه المهنة، واذا كنت اعلاميا، فإن بامكانك متابعة مستجدات تخصصك، ما هي احدث الاساليب العالمية في كتابة المقالات، وكيف أنمّي مهاراتي الكتابية، واُزيد من ثروتي اللغوية. وعلى هذه القاعدة يقيس كل فرد نفسه، وما يحتاجه، وفرصة الحجر ثنمية جدا، لمن يحسن استغلالها أيّما استغلال نفعي وايجابي.

يقول الرسول الاعظم، صلى الله عليه وآله: “يا أبا ذر اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك”.

ومن الضروري الالتفات الى الجانب المعنوي، والذي يشكّل جزءاً مهما من شخصية الفرد، فالارتباط بالله أكثر متاح الآن اكبر، والتعرّف على خبايا النفس ومداخلها يتيسر الآن بشكل اوسع، فمن يريد أن يعرف فضيلة الصبر، وهل أن هذه السجية موجودة عنده أم لا، فليختبر نفسه خلال هذه المدة، والانسان بحاجة الى الصبر في كل شؤون حياته، وهكذا في بقية الخصائل الاخلاقية.
ومن المهم استغلال هذا الحجر في جانب اساسي من حياتنا، وهو العلم والتعلّم، فهو ضروري لكل حركة يخطوها الفرد والمجتمع، يقول الإمام علي، عليه السلام: “ياكُمَيْلُ مَا مِنْ حَرَكَةٍ إِلَّا وَ أَنْتَ مُحْتَاجٌ فِيهَا إِلَى مَعْرِفَةٍ”، والانسان ديناميكي، أي متحرك، ونحن من بنو الانسان، ولذا فنحن في أمس الحاجة الى العلم بكل انواع، وتَتَحدد الاولويات لكل فرد حسب موقعه ومسؤوليته في المجتمع، يقول الامام علي، عليه السلام: “اكتسبوا العلم يكسبكم الحياة، وعنه أيضا: “بالعلم تكون الحياة”.
ولابد لنا أن نتعلم من ذلك الرجل الذي كان على وشك الموت، ومع ذلك أخذ يسأل مَن حَضَره عن مسألة، فلما قِيل له أنت بهذه الحالة وتسأل عن مثل هذه المسائل؟
قال: ” أن أموت وأنا اعلم الجواب، أفضل من أن اموت وأنا اجهله، ثم مات مباشرة.
ومنذ أن خلق الله الخليقة والى يومنا هذا فإن “قيمة كل انسان ما يعلم أو يحسنه”، كما صرح بذلك أمير المؤمنين، عليه السلام، لكنّ الحاجة اليوم تزداد اكثر للمعرفة نتيجة تشعب العلوم وتشابكها، وفي زماننا تُقيّم الكفاءات الانسانية بما تكمله من رصيد علمي ومعرفي.
فنتظيم برنامجي للمطالعة، خصوصا في أيام الحجر الصحي، فالتسويف لا يفيد، والانسان المؤمن الناجح، يكون رهين لحظته وحياته، فلا يقول: ” سوف أقرأ فيما بعد، وسأنجز العمل الفلاني عندما تتوفر لي الامكانيات كاملة”، هذا بعيد عن الناحجين في الحياة، فالنجاح هو ابن ساعته ويومه، يقول الامام علي، عيله السلام: “ما فات مضى وما سيأتيك فأين قم فاغتنم الفرصة بين العدمين”، فالساعة التي ذهبت لن تستطيع ارجاع دقائقها الستين، فقد اصبحت عدما من الماضي، وأما الساعة الآتية فهي التي لابد أن تقرر ما ستنجز فيها.

  • فنحن بحاجة الى أمور اساسية مها:

1ـ الحاجة الى تخصيص وقت لقراءة القرآن الكريم، والتدبر في آياته، وعرضها على الواقع، يعطي الانسان بصيرةً يمخر بها عباب الحياة المتلاطمة بالشهوات والشبهات، والافكار المنحرفة، وهذه فرصة لتقوية العلاقة من كتاب الله المجيد.
2ـ أيضا تخصيص وقت لقراءة روايات النبي وأهل بيته الطاهرين.
3ـ الاطلاع على سيرة المعصومين، وقراءة الكتب التأريخية التي تتحدث عنهم بشكل تحليلي، وهذا الكتب يرسم صورة عن الظروف المحيطة بالإمام.
وهناك اولويات تختلف من شخص لآخر، لكنّ الأهم هو ان تضيع هذه الفرصة الثمينة، “الفرصة سريعة الفَوْت، بطيئة العَوْد”، كما يؤكد الامام علي، عليه السلام.
وختامه مسك برواية للنبي يوصي بها أبا ذر بعدة وصايا جديرة أن تكتب بماء الذهب، يقول الرسول الاعظم، صلى الله عليه وآله:
“يا أبا ذر اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك،
وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك،
وفراغك قبل شغلك،
وحياتك قبل موتك.
يا أبا ذر إياك والتسويف بأملك فإنك بيومك،
ولست بما بعده فان يكن غد لك فكن في الغد كما كنت في اليوم،
وإن لم يكن غد لك لم تندم على ما فرطت في اليوم.
يا أبا ذر كم من مستقبل يوما لا يستكمله، ومنتظر غدا لا يبلغه.