حوارات حول القرآن الكريم (47)

حوار حول سورة الأعلى - القسم الخامس والأخير، (من الآية السادسة عشرة إلى نهاية السورة )

0
بسم الله الرحمن الرحيم

بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)

صدق الله العلي العظيم

 

  • تمهيد

في العدد الماضي، وصل بنا الحوار حول هذه السورة المباركة إلى الآية الخامسة عشرة منها؛ إلى حيث قوله تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}.
وفي هذا العدد، نكمل الحوار حول الآيات المتبقية.

  • مكمن الخطر

* لماذا يذكرنا القرآن بحب الدنيا فيقول: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}؛ في حين أن هذا الحب من طبيعة البشر؟

– لنرى: ما الذي يمنع الانسان من تواصل ذكر اسم الله، والصلاة له، والدعاء اليه؟ أليس الله أقرب شيء اليه؟ أَوَليس أرحم الراحمين؟ أَوَلم يدعه الى نفسه ورغبه في نعيمه؟
بلى؛ ولكن حب الدنيا رأس كل خطيئة، والدنيا قد أُحضرت له بكل زينتها وشهواتها وغرورها وأمانيها، بينما الآخرة قد غُيبت عنه وادارك علمه فيها(1)؛ فنسيها وأقبل على ضرتها؛ ولهذا قال: {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}.
فهذه طبيعة بني آدم جميعا إلا من عصمه الله، وأقلع نفسه من جاذبية الدنيا، وحلق في سماء المعرفة؛ وانما ذكّرنا القرآن بهذه الحقيقة لنعرف أين مكمن الخطر في أمرنا، وكيف يمكننا تجنبه.
جاء في حديث جامع مأثور عن الامام السجاد، عليه السلام، أنه قال بعد ان سُئل: اي الأعمال أفضل عند الله؟
«ما من عمل، بعد معرفة الله عز وجل ومعرفة رسول الله، صلى الله عليه وآله، أفضل من بغض الدنيا؛ فان لذلك شُعَبا كثيرة وللمعاصي شُعَب. فأول ما عُصي الله به الكبر، معصية إبليس حين أبى واستكبر وكان من الكافرين، ثم الحرص وهي معصية آدم وحواء، عليهما السلام، حين قال الله عز وجل لهما: {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}، (سورة الأعراف: 19)، فأخذا ما لا حاجة بهما اليه؛ فدخل ذلك على ذريتهما الى يوم القيامة. وذلك ان أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به اليه.
ثم الحسد وهي معصية ابن آدم حيث حسد أخاه فقتله؛ فتشعب من ذلك حب النساء، وحب الدنيا، وحب الرياسة، وحب الراحة، وحب الكلام، وحب العلو والثروة؛ فصرن سبع خصال، فاجتمعن كلهن في حب الدنيا. فقال الأنبياء والعلماء بعد معرفة ذلك: «حب الدنيا رأس كل خطيئة، والدنيا دنييان: دنيا بــلاغ، ودنيـا ملعونة وأمل لا يدرك ورجاء لا ينال»(2).

  • البقاء إلى الأبد

* في قوله تعالى: {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}؛ هل أراد التأكيد على الخلود في الجنة؛ مثلا؟

– انما نتسلى عن الدنيا وزبرجها بذكر الآخرة ونعيمها. فاذا دعتك الى الجنس الحرام شهوة وشبق؛ فتذكر الحور العين؛ فانهن خير وأبقى. وإذا استطبت مالا حراما أو طعاما ضارا؛ فتذكر فواكه الجنة ولحومها؛ فانها خير لك وأبقى؛ وذلك قوله تعالى: {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}.
فالآخرة هي الأكمل، وقدرة الانسان يومئذ كاملة. انك لا تستطيع ان تستمر في الأكل إلا ريثما يمتلىء بطنك. وإذا أسرفت؛ فسوف تصاب بالتخمة والغثيان؛ ولكن أهل الجنة يجلسون على كل مائدة أربعمائة عام لا يملون ولا يسأمون.
وان شبق الجنس محدود عند البشر؛ فاذا قضوا منه الوطر عافوه؛ بينما لكل واحد من أهل الجنة عشرات بل مئات النساء واكثر؛ ويعطى القوة لإيتائهن بلا تعب ولا كلل.
وان المرض والهرم والكسل والضجر والموت يهدد أهل الدنيا؛ بينما الآخرة باقية مع الأبد.
روي عن أبي جعفر الباقر، عليه السلام، أنه قال:
«ان أهل الجنة يُحيون فلا يموتون أبدا، ويستيقظون فلا ينامون أبدا، ويستغنون فلا يفتقرون أبدا، ويفرحون فلا يحزنون أبدا، ويضحكون فلا يبكون أبدا، ويُكرمون فلا يهانون أبدا، ويُفكهون ولا يقطبون أبدا، ويُحبرون ويُسرون أبدا، ويأكلون فلا يجوعون أبدا، ويُروون فلا يظمؤون أبدا، ويُكسون فلا يُعرون أبدا، ويركبون ويتزاورون أبدا، ويسلم عليهم الولدان المخلدون أبدا، بأيديهم أباريق الفضة وآنية الذهب أبدا، متكئين على سرر أبدا، على الأرائك ينظرون أبدا، تأتيهم التحية والتسليم من الله أبدا؛ نسأل الله الجنة برحمته انه على كل شيء قدير»(3).

  • في كل الرسالات

* لماذا خص بالذكر صحف إبراهيم وموسى؛ فقال: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} وهي منها؛ كما لا يخفى؟

– هذه الحقائق، وبالذات حقيقة الدنيا، وانها ليست بدار بقاء، وان الآخرة خير منها وأبقى، إنها لا تخص رسالة النبي، صلى الله عليه وآله؛ بل هي في صحف الأنبياء، عليهم السلام، جميعا.
وخصّ صحف إبراهيم وموسى، عليهما السلام، لأن صحف إبراهيم، عليه السلام، يحترمه العرب كما اليهود والنصارى، وصحف موسى، عليه السلام، يزعم اليهود انهم أنصاره، ثم ترى العرب واليهود يعبدون الدنيا، ويزعمون ان ذلك من دين الله، و(إِنَّ هَذَا) الذي ذُكر آنفا من الحقائق (لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى) مذكور ٌ أيضا؛ فلم يكن الرسول، صلى الله عليه وآله، بدعاً بين إخوانه الرسل، عليهم السلام؛ كما مذكور أيضا، في (صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى).
وقد روي عن رسول الله، صلى الله عليه وآله، بعض ما في هذه الصحف .
جاء في كتاب الخصال: عن أبي ذر، رحمه الله، قال: دخلت على رسول الله، صلى الله عليه وآله، وهو في المسجد جالس وحده فاغتنمت خلوته.
قلت: يا رسول الله؛ كم أنزل الله من كتاب؟ قال: مائة وأربعة كتب، أنزل الله على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشرين صحيفة، وانزل التوارة والإنجيل والزبور والفرقان. قلت: يا رسول الله؛ وما كانت صحف ابراهيم؟ قال: كانت أمثالاً كلها، وكان فيها: أيها الملك المبتلى المغرور، إني لم أبعثك تجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم؛ فإني لا أردها وان كانت من كافر، وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا ان يكون له ساعات:
ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر فيها صنع عز وجل اليه، وساعة يخلو فيها لِحَظّ نفسه من الحلال؛ فان هذه الساعة عون لتلك الساعات، واستحمام للقلوب وتوديع لها، وعلى العاقل ان يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه، حافظا للسانه؛ فانه مَن حَسِب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه.
وعلى العاقل ان يكون طالبا لثلاث: مرمة لمعاش، أو تزود لمعاد، أو تلذذ في غير محرم «قلت: يا رسول الله؛ فما كانت صحف موسى؟ قال: كانت عبرا كلها، عجبا لمن ايقن بالموت كيف يفرح؟ ولمن ايقن بالنار كيف يضحك؟ ولمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن اليها، ولمن يؤمن بالقدر كيف ينصب؟ ولمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل»(4).
————-
1.بمعنى: تكامل علمهم بأحوالها، وهو تهكم بهم لفرط جهلهم بها.
2.تفسير نور الثقلين، ج5، ص557.
3.موسوعة بحار الأنوار، ج8، ص220.
4.تفسير نور الثقلين، ج5، ص561.

  • تبيين السورة المباركة

يا محمد، صلى الله عليه وآله، (سَبِّحِ)؛ أي: نزه وقدس (اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) في الذات والصفات (الَّذِي خَلَقَ) الخلق (فَسَوَّى)؛ أي: جعله سوياً في ذاته (وَالَّذِي قَدَّرَ) لكل خلق ما يصلحه؛ (فَهَدَى) المخلوقات إلى ما قدر لها (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى)؛ فدورتها الحياتية من عند ربها؛ لا بقدرتها الذاتية (فَجَعَلَهُ) بعد اخضراره (غُثَاءً) يابساً (أَحْوَى) أسود (سَنُقْرِئُكَ) القرآن (فَلَا تَنْسَى)؛ لأنك تحمل الرسالة المهيمنة على كل الرسالات (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) أن ينسيك، ولن ينسيك؛ لأنه أبى أن ينسيك، وهذه هي حقيقة العصمة، ولـ(إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى)؛ فإنه يقرئك ما يشاء (وَنُيَسِّرُكَ) بفضل منا (لـِ) الشريعة (الْيُسْرَى) التي تتناسب مع فطرة الإنسان وحاجاته (فَذَكِّرْ) لأن المنهاج الميسر يتمثل في التذكرة (إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى) فأن التذكرة نافعة (سَيَذَّكَّرُ) موعظتك (مَنْ يَخْشَى) الله والعقاب وهو المؤمن (وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى) بسبب المعاصي وهو الكافر (اللَّذِي يَصْلَى)؛ أي: يدخل (النَّارَ الْكُبْرَى) وهي جهنم (ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا) رغم وجود أسباب الموت (وَلَا يَحْيَى) فيها لأن عوامل الحياة مفقودة (قَدْ أَفْلَحَ)؛ أي: وصل إلى هدفه الأسمى (مَنْ تَزَكَّى)؛ أي: تطهر من رواسب الشرك والرذيلة (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ) بانشراح (فَصَلَّى) له بخضوع (بَلْ) تتركون هذه التذكرة النافعة و(تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) على الآخرة (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ) من الدنيا (وَأَبْقَى) وأكمل منها (إِنَّ هَذَا) الذي ذكرناه من الحقائق (لـَ) مذكور، أيضا، (فِي الصُّحُفِ الْأُولَى) المنزلة قبل القرآن ولا سيما في (صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى).