عِمْلَاقٌ أَسِيْرٌ وَقِزَمٌ أَمِيْرٌ

0

التاريخ البشري في حقيقته هو تاريخ العظماء، وليس تاريخ الأقزام والحُقراء.
لأن التاريخ صناعة قبل أن يكون كتابة، فالكتابة اخترعوها لتدوين منجزات أولئك العظماء الأفذاذ من بني البشر، الذين صنعوا تاريخهم، وصنعوا أمتهم، وجعلوها تُذكر في سياق التاريخ الإنساني على امتداد الأمم والشعوب منذ آدم، عليه السلام، وحتى اليوم، وسيستمر إلى ما شاء الله.
فالتاريخ والشعوب والأمم هي من إنتاج أولئك الرعل الأول من بني آدم، وهم الأنبياء والرسل، عليهم السلام، الذين مَنَّ الله بهم على البشر ليدلوهم على طرق الخير والصلاح والنور والهداية، ولولاهم لما عرف أحد ربه، ولا حتى نفسه، ولكانت الشياطين تلعب بهم كما تشاء.
وهذا ما بينه أمير المؤمنين عليه السلام، بقوله: “وَاصْطَفى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدَهِ أَنْبيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ، وَعَلَى تَبْليغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ، لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللهِ إِلَيْهِمْ، فَجَهِلُوا حَقَّهُ، واتَّخَذُوا الأَنْدَادَ مَعَهُ، وَاجْتَالَتْهُمُ (صرفتهم) الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرفَتِهِ، وَاقتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ، فَبَعَثَ فِيهمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِياءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بَالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ“. (نهج البلاغة: خ1).

  • العقل وحقيقته

هذا الكلام الراقي الذي تاه فيه أهل العقل والنقل منذ قرون، ولا يمكن فهمه حقيقة إلا بالإيمان الراسخ بالأنبياء، وإلا فالعقول ناقصة، والآراء تافهة، ما لم تُسدَّد بالوحي الإلهي، والإنسان في هذا العصر الذي تفجَّرت فيه الثورة المعلوماتية، والنهضة العلمية العملاقة التي لا يمكن لعاقل أن يُنكرها أو أن يغضَّ الطرف عنها، ولكنها بمجملها من نتاج الفكر الإنساني، والعقل البشري، ولكن لو سألتهم، لا سيما فلاسفتهم اليوم: ما هو العقل، هذا الذي تتفاخرون به وبنتاجه؟
لتبلبلت الأفكار، وطارت العقول، ولذهل العقلاء عن عقولهم، لأن العقل هذا الجوهرة المكنونة المخزونة فينا لا يعرفها إلا أهلها، ولن تجد في كل أقوال العلماء، والحكماء، والفلاسفة منذ سبعة آلاف عام وحتى اليوم أحد يصف العقل ويُحدد معناه، ومبناه، ووظيفته كالإمام موسى بن جعفر، عليه السلام، في وصيته لهشام.

الحقيقة التاريخية التي حاول أن يُغيِّبها العباسيون؛ وهي عُقدة النَّقص هذه تُجاه الطالبيين عامَّة، والعلويين خاصة لا سيما أئمة المسلمين الذين هم أحق الناس برسول الله صلى الله عليه وآله

والعجيب كيف يستدُّ الإمام على كل فكرة، وعلى كل مسألة بآية من القرآن الحكيم، حتى يُهمنا الطرح من خلال ربطنا المحكم بآيات القرآن، ويُعلمنا كيف نستنبط المفاهيم الحقيقية من كتاب الله، ليصل إلى المعنى الدقيق، والذي يغوص في أغوار العقل البشري، والفطرة السليمة ليُعطينا الفهم الدقيق للعقل الذي دوَّخ كبار العلماء والفلاسفة منذ القديم.
فما أجمل ما ينقله، عليه السلام، من نصائح لقمان الحكيم لولده: “يَا هِشَامُ؛ إِنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ: تَوَاضَعْ لِلْحَقِّ تَكُنْ أَعْقَلَ النَّاسِ؛‏ يَا بُنَيَّ إِنَّ الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ قَدْ غَرِقَ فِيهِ عَالَمٌ كَثِيرٌ فَلْتَكُنْ سَفِينَتُكَ فِيهَا تَقْوَى اللَّهِ، وَحَشْوُهَا الْإِيمَانَ‏، وَشِرَاعُهَا التَّوَكُّلَ، وَقَيِّمُهَا الْعَقْلَ، وَدَلِيلُهَا الْعِلْمَ، وَسُكَّانُهَا الصَّبْرَ”.
وما أعظم قوله، عليه السلام : “يَا هِشَامُ مَا بَعَثَ اللَّهُ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ إِلَى عِبَادِهِ إِلَّا لِيَعْقِلُوا عَنِ اللَّهِ فَأَحْسَنُهُمْ اسْتِجَابَةً أَحْسَنُهُمْ مَعْرِفَةً لِلَّهِ وَأَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ أَحْسَنُهُمْ عَقْلًا وَأَعْقَلُهُمْ‏ أْرفَعُهُمْ دَرَجَةً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ“.
نعم؛ أولئك هم العظماء الذين بعثهم الله للبشر ليعقلوا عن الله، لا ليأخذوا بأفكارهم، أو يعبدوا أهواءهم، ويتكاثروا بأموالهم، وذرياتهم، فهم الحُجَّة على الخلق، قال عليه السلام: “يَا هِشَامُ إِنَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ؛ حُجَّةً ظَاهِرَةً، وَحُجَّةً بَاطِنَةً، فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ؛ فَالرُّسُلُ، وَالْأَنْبِيَاءُ، وَالْأَئِمَّةُ، وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ؛ فَالْعُقُولُ”.
ولذا نجد تعريف العقل مميزاً في أبحاث عقلية رائعة لدى المرجع الديني والمفكر الإسلامي، السيد محمد تقي المدرسي، دام ظله يقول عن العقل :”هو ذلك النور الذي نُميَّز به الخير عن الشر، والحَسَن عن القبيح، وحينما ينحسرُ عنَّا عند الغضب والشهوة العارمَيْن، نرتكب القبائح ثم نلوم أنفسنا عندما يعود، هو الذي نفقده عند الصغار، والمجانين، والحمقى، فنرى فيهم نقصاً كبيراً، وهو الذي يُحاسب الناس بعضهم بعضاً على أساسه، ويُحمَّلونهم به مسؤولية أفعالهم، وهكذا يصف الإسلام العقل بصفاته التي تتجلَّى في العقلاء”. (التشريع الإسلامي: ج1، ص 9).
فالإمام في عصره وزمانه هو العقل المسدد والمؤيد بالوحي الكامل في الإنسان الكامل.

  • عملاق أسير، وقزم أمير

فالحديث عن ذاك الإنسان الأسير في سجن حقير بأمر السلطان العباسي الذي حاول أن يطاول ويصاول الأسد الهصور، والسبع في عرينه مراراً فلم يكن من ذاك العملاق الكبير إلا أن يحطَّ من قدر هذا القزم الذي ظن نفسه بسلطانه أنه صار عملاقاً ويناطح عمالقة الإنسانية.
فالإمام الهُمام؛ موسى بن جعفر، عليه السلام، الذي كانت تنقطع الرقاب إليه، وتخضع العلماء والكبراء والفقهاء أمامه، ترى السلطان العباسي يأتي ليتطاول على الناس برسول الله، صلى الله عليه وآله، وهناك مَنْ هو أحقُّ منه واقرب إليه من كل أحد، ويُحدِّثنا التاريخ عن تلك الحوادث التي جرت ومنها: (لما حجَّ (هارون) الرَّشيد ونزل في المدينة اجتمع إليه بنو هاشم، وبقايا المهاجرين، والأنصار، ووجوه الناس وكان في القوم الإمام أبو الحسن موسى بن جعفر، صلوات الله عليهما، فقال لهم الرَّشيد: “قوموا بنا إلى زيارة رسول الله، ثم نهض معتمداً على يد أبي الحسن موسى بن جعفر حتى انتهى إلى قبر رسول الله فوقف عليه، وقال :”السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا بن عم”، افتخاراً على قبائل العرب الذين حضروا معه، واستطالةً عليهم بالنسب.

“يَا هِشَامُ مَا بَعَثَ اللَّهُ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ إِلَى عِبَادِهِ إِلَّا لِيَعْقِلُوا عَنِ اللَّهِ فَأَحْسَنُهُمْ اسْتِجَابَةً أَحْسَنُهُمْ مَعْرِفَةً لِلَّهِ وَأَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ أَحْسَنُهُمْ عَقْلًا وَأَعْقَلُهُمْ‏ أْرفَعُهُمْ دَرَجَةً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ”

قال :”فنزع أبو الحسن موسى (عليه السلام) يده من يده، وقال :”السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبة”. قال: فتغيَّر وجه الرشيد، ثم قال :”يا أبا الحسن إن هذا لهو الفخر”. (بحار الأنوار: ج 25 ص243).
فالسلطان أراد أن يتعالى على التابعين من بقايا المهاجرين والأنصار ويُظهر لهم أنه أرفع منهم نسباً لصلته برسول الله، صلى الله عليه وآله، باعتباره من أبناء عمومته، وكل ذلك كان اعتماداً على يد الإمام موسى بن جعفرعله السلام، وكأنه يقول لهم :بشهادة هذا العلوي الطالبي.
ولذا ترى الإمام نزع يده من يد هارون ثم معلناً الحقيقة: “السلام عليك يا أبة”، وكأنه قال له: إذا كنتَ تتطاول وتتكبر على الآخرين بهذا النسب الشريف فهو لنا أقرب وبنا ألصق وأنسب، فما بالك تتطاول على هؤلاء المؤمنين من أبناء الأنصار والمهاجرين؟
والحقيقة التاريخية التي حاول أن يُغيِّبها العباسيون؛ وهي عُقدة النَّقص هذه تُجاه الطالبيين عامَّة، والعلويين خاصة لا سيما أئمة المسلمين الذين هم أحق الناس برسول الله صلى الله عليه وآله، لأنهم أولياء الخلق وعقل الإنسانية الخارجي الذين جعلهم الله خيرته وحجته عليهم.

  • مطامير السجون العاجزة

فالإمام موسى الكاظم، عليه السلام، الذي ورث الرسالة وقام بأمر الإمامة وقيادة الأمة في أصعب ظروفها السياسية والاجتماعية وذلك في فترة حكم أربعة شياطين من أشرس حكام بني العباس وهم: (المنصور، والهادي، والمهدي، والرشيد هارون)، لأنه من أطول الأئمة إمامة، وأكثرهم ذرية، وربما هذا من خصائصه – روحي فداه – لأنه الإمام الذي طال سجنه، وتنقله في السجون والمطامير العباسية، حتى قارب مجموعه خمسة عشرة سنة، من خمس وخمسين سنة مدة عمره الشريف، التي قضاها في جهاد مرير لطواغيت البيت العباسي.
والمتزلفون وأبواق السلطان كثيرون في كل زمان ومكان، يأتي أحدهم إلى المأمون ويقول :”ما علمت أن في الأرض خليفتين يُجبى إليهما الخراج”، يُريد التعريض بالإمام موسى الكاظم، عليه السلام، فيرسل هذا الطاغية إلى الإمام ليستقدمه من المدينة المنورة إلى (البصرة التي وصلها في السابع من ذي الحجة، فأودعوه في سجن عيسى بن جعفر، وبعدها انتقلوا به إلى سجن الفضل بن الربيع في بغداد، ومنه إلى سجن الفضل بن يحيى، وبعده سجن السندي بن شاهك الذي دسَّ السم للإمام فكانت شهادةُ الإمام عليه السلام فيه، في الخامس والعشرين من شهر رجب سنة 183 هـ.
فالذي يتتبع سيرة الإمام الكاظم، عليه السلام، يجده عملاقاً حاول حكام وسلاطين بني العباس الأقزام أن يصغِّروا من شأنه، ويرفعوا من حقارتهم، فأبى الله لهم ذلك، فبقي الإمام منارة وضاءة لعموم الأمة وأجيالها، فهو باب الحوائج إلى الله يلجئ إليه أهل بغداد كلما نابهم خطب، وهو أسدها كلما هاجمهم عدو غاشم وغادر، وكان ومازال قبره الشريف ومرقد المنيف (الترياق المجرب).
فالسلام على المظلوم السجين كاظم الغيظ، وباب الحوائج إلى الله الإمام موسى بن جعفر..