هي حادثة من آلاف الحوادث المشابهة التي تحصل في هذا البلد، واي بلد آخر يدعي أهله الإسلام، إنما المثير في الأمر؛ مقاطع الفيديو المسجلة، ومساهمة مواقع التواصل على النشر وإلا لما عَلِم أحد بما جرى لفتاة في أحد شوارع بغداد عند ساعات الفجر الأولى. ولكن!
ردود الفعل إزاء هذا الفعل المشين الصادر من عدد الرجال بمطاردتهم امرأة في الشارع تحت مسمّى “التحرّش الجنسي”، يعيدنا الى كلام قديم – حديث عن دور عوامل رادعة لمثل هكذا تصرفات في الخفاء وفي العلن على حدٍ سواء.
إخوة لنا على التواصل الاجتماعي أكدوا على دورين فاعلين لردع مثل هكذا أفعال؛ القانون والدين، بالنسبة للقانون فهو حاضر في المخافر والمحاكم، بغض النظر عن نسبة التطبيق والمصداقية العملية، يبقى رادع الدين المغيّب، وهذه ليست المرة الأولى التي تنطلق صيحات النجدة نحو الحوزات العلمية لدعوة العلماء والخطباء لتقويم اعوجاج في مسارات المجتمع، فقد سمعت ذات مرة أحد القضاة يتوجه بهذا الطلب بعد تراكم ملفات الطلاق على طاولته بشكل خانق، و يتكرر الأمر في مشهد الفتاة التي ظهرت مؤخراً وهي تهرب من أمام سيارات تطاردها لاسباب لم تُعرف لأحد الآن بشكل دقيق لعدم شكوى قضائية من الفتاة ضد المُطاردين.
انتشار الحدث من الناحية الإعلامية له دوره في تضخيم الأمر كما لو أنه يحصل لأول مرة، بينما هو يتكرر بأشكال مختلفة حتى في المدن المقدسة، ولفتيات يرتدين العباءة، ولم يبادر أحد عبر وسائل التواصل الاجتماعي الى دعوة أهل الدين ولا أهل القانون لنجدة فتيات عفيفات من ظاهرة الفوضى الغرائزية التي تسود العراق حالياً.
ربما يكون التصوير من كاميرا في أعالي البنايات في شارع “التانكي” بمنطقة المنصور فرصة للتذكير بوجود هذه الفوضى، وايضاً؛ التذكير بالدور الإصلاحي المطلوب دائماً لرجالات الحوزة العلمية لتقويم السلوك الفردي والعام في المجتمع للحؤول دون ظهور مشاهد من هذا القبيل.
بلى؛ الناس لا يحبذون كثيراً وجود رجل او حتى امرأة تنصح شخصاً (رجل او امرأة) بإعادة النظر في نوع الملابس المثيرة، او القيام بحركات معينة، وكل ما يثير المحيط الاجتماعي بدعوى “الحرية الشخصية”، بيد أن تجارب الزمن دلّت أن هذا الرفض او الامتعاض لا يصدر من رؤية عقلانية، بقدر ما هي انعكاس لتحقيق رغبات آنية داخل مطعم، او متنزه، او حتى شارع عام، بدليل بسيط جداً؛ أن لو رجلاً نصح فتاة بعدم إظهار مفاتنها أمام الشباب في الشارع، وهي قابلت النصيحة بالامتعاض، ثم على بعد أمتار حاصرها شباب بعيونهم الى تكلم المفاتن ثم بأيديهم لنيل ما يريدون منها، هنا؛ ماذا سيكون موقفها من ذلك الرجل الواقف على مسافة يراقب المشهد؟! ونفس الموقف ينطبق على الشاب المشحون بالطاقة الغريزية، الى جانب الشحن المالي في الجيب، فان عواقب التحرّش ستذكره قطعاً بذاك الرجل الناصح، وربما لسان حاله: لو كان بوسعك تقييد يدي ورجلي أفضل من سنوات السجن وضياع العمر والسمعة مدى الحياة.
إن مفردات؛ النصح والإرشاد والوعظ باتت ثقيلة على الاسماع وبعيدة عن القلوب لاسباب كثيرة لسنا بوارد الخوض فيها، ليس فقط في الشارع، بل حتى في داخل البيوت احياناً! ولكن دخول الساحة بقوة وشجاعة مع وسائل ذكية من شأنها ان تتحول الى مطلب جماهيري عام، فالقضية ليست فعلاً و رد فعل، او موقف بناءً على قاعدة “المنعكس الشرطي”، بقدر ما هي عملية تربوية مستمرة مثل نهرٍ جارٍ يحمل كل عناصر الخير للناس، وحتى استهداف الخطاب، ليس بالضرورة يكون موجهاً لشريحة الشباب، كونهم مصدر الخطأ، كما يتصور البعض، إنما الخطاب يشمل الآباء والأمهات ايضاً ممن لهم الدور التربوي الأساس لتقديم جيل يحمل عفّة اللسان والبصر، ولا ينتهك حقوق وحرمات الآخرين.
وقبل الختام؛ نؤكد أن المهمة ليست سهلة مطلقاً، فالاجواء السائدة في العراق، وجميع البلاد الإسلامية ليست إيجابية إزاء أي حراك ديني وأخلاقي، فالحثّ والترويج للتحلل من الالتزامات والمتبنيات هو سيد الموقف، بيد إن التذكير بالعواقب السيئة ونتائج الاعمال الخاطئة من شأنه إعادة النظر في كثير من السلوكيات والأفكار الموجودة عند الجيل الجديد.
