ثقافة رسالية

تحدي التحول من الخطاب العاطفي إلى الإقناع العقلي*

العاطفة؛ على الرغم من أهميتها في تحريك الوجدان، لا تستطيع وحدها أن تؤسس وعيًا معرفيًا قادرًا على مواجهة الأسئلة الفكرية المعقّدة التي يطرحها العصر

شكّل البعد العاطفي، عبر التاريخ، أحد المكوّنات الأساسية في الخطاب الديني الشيعي. فقد ارتبطت التجربة الشيعية منذ نشأتها الأولى بذاكرةٍ تاريخيةٍ مشحونة بالمعاناة والتضحية، تمثّلت على نحوٍ مركزي في مأساة كربلاء وما تلاها من أحداثٍ شكّلت وجدان الجماعة وهويتها التاريخية. ومن هنا نشأ خطابٌ ديني وثقافي يقوم بدرجة كبيرة على استحضار البعد الوجداني، بما يحمله من قدرةٍ على تعبئة المشاعر وتعزيز الانتماء وترسيخ الارتباط الرمزي بالقيم التي جسّدها أئمة أهل البيت، عليهم السلام.

ومع التحولات الفكرية والثقافية التي شهدها العالم المعاصر، برزت حاجة متزايدة إلى تطوير طبيعة الخطاب الديني بحيث لا يقتصر على التعبئة العاطفية وحدها، بل ينفتح بدرجة أكبر على آليات الإقناع العقلي والحوار المعرفي. فالمجتمعات المعاصرة، بما تشهده من توسّع في التعليم وانتشار وسائل المعرفة وتزايد حضور النقاشات الفكرية، أصبحت أكثر ميلاً إلى الخطاب الذي يخاطب العقل ويقدّم الرؤية الدينية في صورةٍ تحليليةٍ قادرة على تفسير الواقع والإجابة عن أسئلته.

فلم يعد كافيًا أن يعتمد الخطاب الديني على إثارة العاطفة الدينية وحدها، على الرغم من أهميتها في ترسيخ الارتباط الديني وبناء الهوية؛ فالعاطفة تمنح الخطاب طاقته الوجدانية، لكنها تحتاج إلى أن تُسند برؤية فكرية واضحة توضّح الأسس العقلية للمفاهيم الدينية وتبيّن قدرتها على التعامل مع القضايا الفكرية والاجتماعية التي يطرحها الإنسان المعاصر.

وعلى هذا الأساس، يمثل الانتقال من الخطاب العاطفي الخالص إلى خطاب يجمع بين الوجدان والعقل خطوة أساسية في مسار تطور النهضة الشيعية المعاصرة، فهو انتقال من مرحلة التعبئة الوجدانية إلى مرحلة البناء المعرفي، ومن الاقتصار على استحضار الذاكرة التاريخية إلى توظيف هذه الذاكرة كونها مصدرًا للقيم والمعاني القادرة على الإسهام في تشكيل وعيٍ إنساني أكثر عمقًا وفاعلية.

نعم، لقد أدّى هذا البعد العاطفي دورًا مهمًا في حفظ الهوية الجماعية للتشيّع عبر مراحل طويلة من التاريخ، ولا سيما في الظروف التي تعرّض فيها الشيعة للتهميش أو الاضطهاد. ففي تلك البيئات، أسهمت المجالس والشعائر والطقوس العبادية المرتبطة بالذاكرة الدينية في بناء شعورٍ جمعيٍّ متماسك، وفي الحفاظ على استمرارية الانتماء الثقافي والديني عبر الأجيال، كما شكّلت هذه الأطر الوجدانية وسيلة فعّالة لنقل القيم الأخلاقية والرمزية التي تختزنها التجربة التاريخية للتشيّع.

غير أنّ التحولات العميقة التي يشهدها العالم المعاصر تفرض على الخطاب الديني تحدّيًا من نوعٍ مختلف، فالمجتمعات المعاصرة تقوم بدرجة متزايدة على منطق العقل النقدي، وعلى ثقافة السؤال والتحليل، وعلى منظومات معرفية تتطلب البرهنة والحجاج المنهجي أكثر مما تستجيب لنداءات العاطفة وحدها. وفي ظل هذا السياق، لم يعد الخطاب العاطفي وحده كافيًا لبناء قناعة راسخة أو لإقناع الأجيال الجديدة التي تتكوّن رؤيتها للعالم في فضاءات تعليمية وإعلامية وفكرية تقوم على الجدل المعرفي والتفسير العقلاني.

ومن هنا يبرز تحدّي التحوّل من خطاب يعتمد أساسًا على الاستثارة الوجدانية إلى خطابٍ يجمع بين حرارة العاطفة وصلابة الحجة العقلية. فالعاطفة، على الرغم من أهميتها في تحريك الوجدان وتعزيز الانتماء، لا تستطيع وحدها أن تؤسس وعيًا معرفيًا قادرًا على مواجهة الأسئلة الفكرية المعقّدة التي يطرحها العصر. كما أن الاقتصار عليها قد يفضي، في بعض الحالات، إلى تحويل التجربة الدينية إلى ممارسة شعورية منفصلة عن البناء المعرفي والفكري.

إن التحوّل المطلوب لا يعني إلغاء البعد العاطفي أو التقليل من أهميته في التجربة الدينية، فالدين بطبيعته يخاطب الإنسان كونه كائنًا يجمع بين العقل والوجدان. غير أن التحدّي يكمن في إعادة ترتيب العلاقة بين هذين البعدين بحيث يصبح الوجدان مؤيّدًا للفكرة وليس بديلًا عنها، ومكمّلًا للحجة وليس قائمًا مقامها. فالعاطفة تمنح الفكرة حرارة الحياة، بينما يمنحها العقل القدرة على الاستمرار والانتشار في فضاء الحوار المعرفي.

*من صفحات كتابنا المخطوط: “الشيعة في مواجهة التحدّيات المعاصرة”

عن المؤلف

د. راشد الراشد

اترك تعليقا