تعددت أنماط التربية بتعدد الثقافات والظروف الاجتماعية والاقتصادية في أي مجتمع، ففي عهد ما قبل الإسلام (الجاهلية) مثلاً؛ كانت الهيمنة، والقسوة، واعتماد المال القوة الأولى والأخيرة في الحياة، فكان المنهج التربوي يتأثر قهراً بهذه الايحاءات، فنرى الأبناء يتبعون الآباء في كل ويقتفون أثرهم، حتى ما يتعلق بالعقيدة، وهو أهم وأخطر ما عند الانسان في حياته، وكان أول ما تعرض للانتقاد الحاد والمطالبة بالتغيير الشامل على يد رسول الله، صلى الله عليه وآله، من خلال رسالة التوحيد الصادعة، {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا}.
وايضاً؛ الظروف الاقتصادية، واستفحال النظرة المادية للحياة لها تأثيرها المباشر في أساليب التربية والتنشئة، كما نشهده، ليس في بلاد الغرب القائم على العقيدة المادية، وإنما في بلادنا القائمة على العقيدة الإسلامية، ففي الوقت الحاضر اصبح وجود مصدر تمويل مستقل لدى الشاب والشابة –وهم غير متزوجين- وايضاً؛ لدى المرأة المتزوجة، أمراً في غاية الأهمية والحساسية في شخصية الانسان المعاصر، وبقَدَر ما تحويه المحفظة، او بطاقة الماستر، يكون قَدَر و وزن الشخصية والانسان في وسطه الاجتماعي!
وعندما نتصفح القرآن الكريم نجد أن له كلمة أخرى في المشروع التربوي قائمة على التعقّل والاختيار الواعي، وصفها القرآن الكريم في سورة لقمان بـ “الحكمة والموعظة الحسنة”، وفي كتابه معالم التربية الإسلامية لسماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي، يشير سماحته الى هذه النقطة الجوهرية بأن “لقمان لم تُعرف عنه النبوة، وإنما عرف عنه التعقّل في تربية ابنه، ونقل التعقّل هذا اليه”، بمعنى أن المنهج التربوي الذي استشهد به القرآن الكريم لم يكن بالضرورة مرتبطاً بحكم إلزامي منزل من السماء، او نواهي مثل؛ حرمة القتل، والكذب، والسرقة، والزنا، أو الامتثال لأوامر مثل؛ الصلاة، والصيام، والحج، بقدر ما هي رسالة إنسانية تدغدغ المشاعر وتلامس الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها.
المرونة
إن أجمل ألوان المرونة في التربية نجدها في الموعظة الحسنة التي جاءت في مورد آخر غير التربية، وهو؛ الحوار مع الآخر المختلف، فجاء الخطاب كماء زلال على قلب ابن لقمان: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، و”هذا هو الخط الأول والاساس من خطوط التربية، إذ ان رأس الحكمة معرفة الله، ثم تراه ينتقل به الى واقع الحياة حيث يعلمه بان الظلم شرك وقبح لا يقبله العقل”، وعليه؛ فان لقمان أراد أن يوصل رسالة الى ابنه بان “من مصلحته استماع واتباع الموعظة لكي يتقبلها برحابة صدر، وهنا بالذات يجدر الانتباه الى لطف الله هنا، حيث ارشدنا الى وحدانيته بصورة غير مباشرة، ونقلاً عن موعظة لقمان لابنه، وهذه الطريقة العلمية في التوجيه من أهم الطرق، حيث لا تلقي بثقلها على المستمع مما يدفعه الى الاقتناع”.
لمن يمعن النظر، ويتدبر في كلمات لقمان الى ابنه في السورة المباركة التي حملت اسمه تكريماً له، يجد أن هذا الانسان الرفيع، قبل ان يكون واعظاً، كان مثقفاً، بما تحمل هذه الكلمة من معاني ودلالات
وبقدر اللطافة في التعامل، والذكاء في الأسلوب، والعذوبة في الكلام، تكون الرسالة التربوية أسرع الى قلب الأبناء، ومن ثم نكون قد وفرنا عليهم الكثير من عناء الأخطاء التي يرتكبونها بسبب الأخطاء التربوية التي يرتكبها الآباء والأمهات من قبل، لأن “الاولاد بحاجة الى من يدلّهم على الطريق فحسب، وليس الى من يأخذ بأيديهم الى النهاية”.
التثقيف قبل التربية
لمن يمعن النظر، ويتدبر في كلمات لقمان الى ابنه في السورة المباركة التي حملت اسمه تكريماً له، يجد أن هذا الانسان الرفيع، قبل ان يكون واعظاً، كان مثقفاً، بما تحمل هذه الكلمة من معاني ودلالات، فقد كانت الأخلاق والآداب منظومة ثقافية متكاملة في حياته، فالقضية ليست نظرية، بأن يعمل الابن بهذا العمل، أو ينتهي عن ذاك بشكل ميكانيكي، بقدر ما يعتمد على الفهم والإدراك والاقتناع الى درجة الايمان الكامل، فمن أهم شروط نجاح المشروع التربوي؛ ملامسة الأبناء نجاح هذا المشروع في سلوك وحياة الآباء والامهات.
وفي سورة لقمان ثمة التفاتة ثقافية التقطها سماحة المرجع المدرسي في كتابه الرائع المشار اليه عندما أشار الى الانقطاع في تسلسل الآيات الوعظية بوجود ثلاث آيات ثقافية –إن جاز لنا التعبير- بعد الآية الكريمة: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ}، نقرأ مباشرة الآيات: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ}، فإضافة الى وصية رعاية الوالدين، وتحديداً من القرآن الكريم بالأم، فان على الابن فهم دور الأم، حتى تكون رعايته لها عن وعي ومعرفة كاملة بما تجرعته خلال فترة الحمل والولادة، وفي نفس الوقت نقرأ الحذر من مغبة مجاراة الوالدين في معصية الله، والاستقلال فكرياً وثقافياً في طريق الحق والفضيلة: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا}، ثم نقرأ في الآية الثالثة، قبل استئناف مواعظ لقمان لابنه، بتقديم قانون إلهي عادل يشمل الكائنات جميعاً: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}، وهنا يفهم الابن بأنه ليس فقط أمام منظومة تربوية وآدابية، وإنما أمام منظومة قيمية متكاملة تؤكد له شمولية الرحمة الإلهية، فاذا كان الله –تعالى- غير غافل عن حبّة خردل في أعماق الأرض –وهو كذلك قطعاً- فانه غير غافل عنه يقيناً.
وهنا نفهم؛ أن التربية الصحيحة والمتكاملة الابعاد تتحقق بتوازن دقيق بين العقل والعاطفة، بين أن يكون الابن مؤدباً ومحبوباً ومحترماً بين الاقرباء والأصدقاء وأقرانه في المدرسة، وبين أن يكون مثقفاً وواعياً لذاته ولحقائق الحياة بأنها ليست كل شيء، وإنما هنالك الدار الآخرة التي عليه الالتفات اليها من خلال سلوكه وتصرفاته.
