الهدى – وكالات ..
تحولت مدينة حمص السورية، التي كانت تعرف بكونها عصب التجارة ومتنفساً اجتماعياً إلى مدينة يسودها الصمت والخوف والترقب، حيث بات الفلتان الأمني المتصاعد المقترن بتردي الخدمات الأساسية يهدد حياة السكان ويعمق معاناتهم اليومية.
لم يعد شارع “الدبلان” قلب حمص التجاري صاخباً كعادته فقد خفتت أصوات الباعة وتلاشى ضجيج الزوار واختفت الضحكات ليحل محلها الصمت الممزوج بالقلق.
“الدبلان” يغلق أبوابه باكراً الفلتان يصل إلى قلب المدينة
وأصبح إغلاق المحال التجارية في شارع “الدبلان” عند السابعة مساءً تقليداً جديداً يلتزم به معظم أصحاب المحلات التجارية منذ أشهر خوفاً من التعرض للسرقة أو لهجوم مسلح.
يكشف “أبو أحمد” (اسم مستعار) أن الشارع كان يمتلئ بالضجيج حتى الثالثة فجراً في السنوات الماضية لكن الوضع انقلب رأساً على عقب، فقد بدأت حوادث القتل والخطف والسرقة تجتاح مدينة حمص ووصل الفلتان الأمني إلى قلب شارع الدبلان حيث تعرض أكثر من محل تجاري للسطو، وقُتل تاجر داخل محلّه في وضح النهار، واختُطفت سيدة مع ابنتها من الشارع ولم يُعرف الجناة في جميع تلك الحوادث.
هذه الحالات أثارت رعباً بين الأهالي الذين عزفوا عن زيارة الشارع خلال فترة المساء مما دفع أصحاب المحال إلى الإغلاق باكراً في ظل عجز الأجهزة الأمنية عن وضع حدٍ للفلتان الأمني المستمر .
هذا الواقع في “الدبلان” ينطبق على معظم أحياء مدينة حمص وريفها حيث بدأ التدهور الأمني يأخذ منحىً تصاعدياً منذ أشهر وسط غياب كامل للأجهزة الأمنية ومناشدات من الأهالي تطالب بتطبيق إجراءات فعّالة.
حوادث أمنية يومية وعنف طائفي متصاعد
ولم تعد أخبار القتل والخطف والسرقة شيئاً غير اعتيادي في المشهد الحمصي، بل تحولت إلى روتين يومي يعيشه أهل المدينة بدون رقيب أو حسيب.
وتضج مواقع التواصل الاجتماعي بأخبار توثّق الفلتان الأمني المستمر إلا أن المصادر المحلية تؤكد أن الواقع الأمني الهشّ في المناطق الريفية أبشع وأكثر دموية، ولكنه بعيد عن التغطية الإعلامية.
ومنذ بداية تشرين الأول/أكتوبر وثّقت منظمات إنسانية ارتقاء أكثر من 23 شهيداً داخل مدينة حمص معظمهم من أبناء الطائفة العلوية.
كما تم توثيق قتل 62 معتقلاً من أبناء المدينة تحت التعذيب في سجون الحكومة الانتقالية منذ بداية العام الحالي.
وفي تصاعد مستمر لحالة الفلتان الأمني والعنف الطائفي لقيت طفلة من عائلة رسلان مصرعها وأُصيبت شقيقتها في اعتداء نفذه مسلحون مجهولون يستقلون دراجة نارية بالقرب من الساحة العامة في حي عكرمة ذي الأغلبية العلوية.
كما وثقت حوادث كبرى أخرى منها اختطاف رجل أعمال يوم 17 تشرين الأول/أكتوبر اختطفت عصابة مسلحة رجل الأعمال منيب الأصيل (58 عاماً) بعد اقتحام منشأته وسرقة مبلغ 70 مليون ليرة سورية، وما زال مصيره مجهولاً حتى الآن، حيث طالبت العصابة بفدية مالية قدرها مليون دولار.
وقُتلت المعلمة رهام حمودة في ضاحية الوليد، بعد أن ألقى مجهول قنبلة يدوية على منزلها تاركة خلفها طفلين وزوجاً معتقلاً، وإطلاق نار على “بسطة” في حي وادي الذهب أطلق مسلحون ملثمون النار على أبٍ وابنه أثناء عملهما على “بسطة” صغيرة ما أدى لدخولهما المشفى بحالة حرجة.
وترافقت الحوادث في المدينة مع تصاعد مرعب لعمليات الخطف في القرى الريفية، حيث اختُطف الشاب محمد كفى، من منزله في بلدة “تلكلخ” بريف حمص الغربي بتاريخ 12 تشرين الأول/أكتوبر بالتوازي مع توثيق العديد من المنظمات لحوادث متفرقة لعمليات خطف طالت النساء العلويات بالدرجة الأولى في الأرياف.
وتصف السيدة “أم علي” (اسم مستعار) الوضع في منطقة “تلكلخ” الريفية بأنه مرعب للغاية، مع عدم وجود أيّ جهود أمنية للحد من عمليات القتل والخطف المستمرة التي تجري أحياناً بالقرب من المراكز الأمنية، مؤكدة أن “لا يكاد يمرّ يوم بدون تسجيل حادثة خطف أو قتل أو هجوم مسلّح على منازل المدنيين”.
وقد أثر هذا الوضع على حياة الأهالي حيث يلتزم السكان البقاء في المنزل طوال النهار ولا يخرجون إلا في الحالات الطارئة.
وتوقفت دراسة الابنتين في الجامعة خوفاً من تعرضهما لأيّ أذى مطالبين بتدخل فعّال من الحكومة بدلاً من الاكتفاء بالشعارات.
غياب الخدمات يفاقم المعاناة وصمت حكومي يثير التساؤلات
ولا تقتصر معاناة المدنيين في حمص على الوضع الأمني الهش، فمعظم أحياء المدينة تعاني من نقص الخدمات الأساسية مثل انتشار القمامة وتكدسها في الطرقات بشكل يهدد الصحة العامة وقلّة المواصلات وضعف الاتصالات وتقنين الكهرباء وغياب البنى التحتية.
ورغم الوعود الرسمية التي أطلقتها المحافظة والحكومة الانتقالية لم تشهد المدينة منذ أشهر أيّ تحرك على الأرض للبدء بإعادة الإعمار وترميم البنى التحتية المتهالكة.
ويشكو العديد من أهالي حمص من تكدّس القمامة في الطرقات بدون أن يكون هناك أيّ تحرك من المحافظة لمعالجة الأزمة المتفاقمة منذ أسابيع، وسط نداءات شعبية بإيجاد حلول سريعة لهذه المشكلة التي قد تسبب انتشار الأمراض والأوبئة.
وأمام هذا الواقع المتردي يثير الصمت الحكومي حول ما يجري في حمص تساؤلات عديدة خاصة حول ما إذا كانت الأجهزة الأمنية والخدمية عاجزة عن إيجاد الحلول الكفيلة بإنهاء معاناة المدنيين المتفاقمة في المدينة، وهذا ما يفرض ضرورة التحرك على أعلى المستويات لوضع خطط أمنية واقتصادية كفيلة بإيجاد الحلول السريعة لإنهاء الوضع الأمني الهش والواقع المعيشي المتردي.
