يقول أمير المؤمنين، عليه السلام: “الدهر يخلق الابدان، ويجدد الآمال ويقرب المنيّة ويباعد الأمنية، من ظفر به نصب وما فاته تعب”. (نهج البلاغة – الحكمة: 71).
ما هو الدهر؟
هل هو جيد أم لا؟
وما هو الموقف السليم منه؟
إن من لا يعرف الدهر ولا يتخذ موقفا سليما منه، لا شك انه يُصرع به.
هنالك رجال يتكئون على عكازة الآمال والزمن، وهناك من يتكئ على عكازة العمل، من لا يعرف الدهر بخيره وشره، وبشكل عام بخصائصه، فإنه لا يخسر الزمن، بل يخسر نفسه.
أساساً؛ الدهر هو الزمان، محمّل بالحوادث، وليس الزمان كزمان، ولا الحوادث كحوداث، إنما الدهر هو الزمن حينما يحمّل بالحوداث، فهذا يسمى دهرا، فلا تعاقب الليل والنهار، ولا طلوع الشمس والقمر.
هناك أناس يرون الدهر سيئاً فيسبونه كلما فشلوا في الحياة، كأن يقول البعض: “قاتل الله الدهر! و لعن الله الزمان! وما الى ذلك. بينما ثمة من يرى الدهر جيداً دائما، وفلسفتهم تتلخص في الكلمات التالية: “الخير فيما وقع”، و “الخير فيما سيقع”، يقول: “ليس بالإمكان أفضل مما كان”! وهذا أشبه بفقير مدَّ يده في الشارع للمارة، ما يوضع في يديه يشكر على ذلك ربه ويحمده، وهذا رجل مدَّ يده الى الزمان، فلم يقرر لنفسه غدا ماذا يعمل، فلا يصنع مستقبل نفسه، إنما ينتظر الشمس والقمر، والاحداث لتقرر مستقبله؛ فلا قرر أن يصبح عالماً إلا اذا ركب في سفينة اخذته الى شاطئ فيه مدرسة، وحينها يقرر أن يدرس، فإذا جاءت به السفينة الى شاطئ المؤمنين فهو مؤمن، وإذا ساقته الى شاطئ الملحدين فهو ملحد!
الدهر في كلام أمير المؤمنين
أمير المؤمنين، عليه السلام، في هذه الكلمة يحدد ست مواصفات للدهر، وهي مواصفات الدهر الى كل إنسان، فالدهر بخيره وشره للناجحين والفاشلين والخصائص هي:
الأولى: الدهر يخلق الابدان
الانسان في ريعان شبابه جميل، وحين ينظر في المرآة يرتاح لملامحه، ولو رسم فنان صورة ذلك الشاب بعد خمسين عاما فإنه سيستوحش من نفسه وصورته، فلا أحد يفكر ان نشاطه سيبقى طول عمره، وإذن؛ الدهر يخلق الابدان، أي يجعلها باليةً لا قوة فيها ولا نشاط.
الثانية: الدهر يجدّد الآمال
فهو بمرور الزمن يزيد الانسان ثقة به، يكون الفرد في حالة انحدار لكن ثقته بالدهر تزداد، فمثلا تجد إنسانا عمره سبعين عاما يدخل في تجارة لن يربح منا الا بعد عشرين عاما، يقول رسول الله، صلى الله عليه وآله: “يشيب ابن آدم وتشبّ فيه خصلتان؛ الحرص وطول الامل”، فالانسان في بداية شبابه لا يفكر مثل إنسان كبير في العمر.
الثالثة: الدهر يقرّب المنيّة
الدهر يقربّنا الى الموت، نَفَسُ المرء خُطاه الى أجله، فكل يوم يمر يعني التقدم نحو الموت، وللأسف الكثير يهدر وقته، فاليوم والاسبوع والشهر والسنة لا قيمة لها، لكن حين يقترب الموت يبحث الانسان عن أفضل الأطباء ويتمنى لو يؤخر الموت ولو ساعة واحدة.
الرابعة: يبعد الأمنية
يجعل الدهر الاماني صعبة المنال، فمن لم يقرأ في شبابه لن يستطيع القراءة في شيخوخته، ومن لم يعمل شيئا في ريعان الشباب، فإن الأماني تبتعد كلما تقدم به العمر، صحيح الآمال تتجدد، لكن الدهر يجعل الاماني صعبة المنال. فالانسان كلما عمل مبكرا كلما كانت فرصته أكبر لتحقيق الاماني.
الخامسة: من ظفر به نَصَب
من ينجح في الزمن يتعب، فلا يتصور أحدٌ أن الناجحين في راحة، بل هم في تعب، وعليهم مسؤوليات كثيرة، يقول أمير المؤمنين، عليه السلام: “فصاحبها كراكب الصعبة (ناقة غير منقادة) إن أشنق لها خَرِم وإن أسلس لها تقحم”.
السادسة: من فاته تعِب
تلك خصائص الدهر، ولا فرق فيها بين الفاشل والناجح، والمؤمن والفاسق، الصادق والكاذب، فما هو الموقف من الدهر؟
ثلاث مواقف تجاه الدهر:
الموقف الأول: موقف المستسلم للدهر
الذي ينتظر منه المعجزات ويركن الى الزمن، ويريد منه حل مشاكله، ومن ينتظر من الزمان شيئا فإن هذا الانسان لن يصبح شيئا في الحياة. وهذا موقف الحالمين الفاشلين. وهذه الحالة موجودة على مستوى الفرد، وعلى مستوى الشعوب.
الموقف الثاني: الموقف المعادي
وهو الذي يظن ان الدهر ضده وأن فشله في الحياة بسببه، وهذا موقف الفاشلين، يقال ان أحدهم كان نسي موقع بيتهم فقال: ان البيت ضائع! فحين يفشل يعتب على الدهر، ولا يتخذ من فشله موقفا ينجح فيه، يقول أمير المؤمنين، عليه السلام: “من عتب على الدهر طال معتبه” فهذا لابد ان يعتب على الزمن طول حياته! “لا تسبّوا الدهر فأنتم الدهر”، و “لا تسبوا الدهر فالله هو الدهر”.
الموقف السليم من الدهر هو موقف من يتسابق معه، والذي يصنع مستقبله من حاضره
هنالك قوانين للنجاح والفشل في هذه الحياة ومن يسبّ الدهر إنما يسب نفسه، أو يتعدى على رب العباد، لان الله جعل الحياة عاجلة.
الموقف الثالث: استغلال الدهر
وهذا موقف العارف بحقيقة الدهر والزمان ويستغل طاقاته بدءً من شبابه لانه يدرك أنه سيصبح شيخاً كبيراً بعد سنوات معدودة، {وَمَنْ نُعمّرهُ نُنَكِسّهُ فِي الخَلقِ}، فالتقدم في العمر ليس سيراً الى الامام بل الى الخلف، إلا في حالة ان الانسان يعمل ويقدم شيئا في هذه الحياة، ولابد ان نفهم سنة الله في الدهر.
يجعل الدهر الاماني صعبة المنال، فمن لم يقرأ في شبابه لن يستطيع القراءة في شيخوخته، ومن لم يعمل شيئا في ريعان الشباب، فإن الأماني تبتعد كلما تقدم به العمر
قوانين الدهر ثابتة، فلا يقل انسان: الدهر لا يبلي جسده مثل الاخرين، يقول أمير المؤمنين: إن الدهر يجري بالباقين كجريه بالماضين، لا يعود ما فات و ولّى، ولا يبقى سرمداً ما فيه، آخر افعاله كأوله، متسابقة أموره متظاهرة أعلامه”. فالموقف السليم من الدهر هو موقف من يتسابق معه، والذي يصنع مستقبله من حاضره.
والفرق بين الناجح والفاشل؛ أن الأول لا يكتفي بنجاحه، وإنما يستثمر نجاحه لنجاح أوسع، والفاشل يأكل من رأس المال، والانسان الناجح هو الذي يستثمر نجاحه لا أن يأكله، وفي اليوم الذي يحدث فيه تراجع لا يستسلم بل يقاوم ويستمر.
ملاحظات:
- البعض لا يفهم زمانه، وعندها يتحدى الدهر بحماقة، فمثلا بعد ان يزول شبابه ويصل الى الشيخوخة يذهب وراء عمليات التجميل وما شابه، وثمة من لا يفهم متطلبات الزمان، “إن الدهر لخصمٌ غيرُ مخصوم ومحتكمٌ غير ظلوم”، يقول امير المؤمنين، عليه السلام.
- الزمن ليس مستوياً عند الانسان؛ فهو كثير التقلّب، بينما الغني يصبح فقيرا، والفقير غنياً، وفي وصيته لابنه الحسن يقول امير المؤمنين، عليهما السلام: “و اعلم يا بُني، أن الدهر ذو صروف، فلا تكن ممن تشتد لائمته ويقل عند الناس عذره”. فالانسان الناجح ينطلق من واقعه الفعلي والفاشل غير معذور عند الناس.
- على الانسان ان لا ينتظر من الدهر المعجزات، بل عليه ان يصنعها بنفسه، فالنجاح لا يقدم على طبق من سُكر، فلا يجوز لإنسان، او لشعب ان يسب الدهر والزمان، لان الله تعالى عادل، بل يجب ان يصنع مصيره بنفسه، وإلا فلن يقبل الله ولا التاريخ اعذارهم.
*مقتبس من محاضرة لآية الله السيد هادي المدرّسي، حفظه الله.
