لعبة كرة القدم و لعبة المخابرات القاتلة

2

تختلط مشاعر الفرح والنشوة مع مشاعر الأسف عندما يتابع المحبون لمباريات كرة القدم لفرق محترفة من اوربا او اميركا الجنوبية، فنشاهد طريقة حركة اللاعبين في الساحة والاسلوب الخاص الذي يعلبون به ويديرون به الكرة، انطلاقاً من أرضهم، ومروراً من منطقة الوسط، وحتى منطقة الجزاء في أرض الخصم، وكيف أن الكرة تنطلق كالسهم وبسرعة مذهلة نحو الهدف وتلتصق بالشِباك، ثم نتذكر كيف أن الفِرق لدينا تعاني الأمرّين من مجرد تشكيل تهديد بسيطة على الفريق الخصم، فلماذا هم كذلك، ونحن هكذا؟!

وللعلم؛ إننا لا نقصّر في أمر التشخيص وتحديد الاسباب، ولكن؛ نقف دائماً عند المعالجة، فنحن نعرف أن اسلوب العمل الجماعي هو سر النجاح، إنما نعجز عن أن نكون أولئك الجماعة المتكاتفة والمتآلفة والمتعاونة التي تحقق المعجزات، كما صنعت الشعوب المتقدمة وخلقت لنفسها معاجز اقتصادية وعلمية، لان الأمل شيء، والواقع واستحقاقاته شيء آخر، فنبقى نلعب منفردين، تطفح من كوامننا حبّ التفرّد والمحورية، بل والهيمنة على الآخرين، وهذا يترك أثره المباشر على رؤيتنا للاحداث وتفسيرها، لاسيما الاحداث السياسية، فعندما نريد أن نفهم شخصية سياسية مثل رئيس الولايات المتحدة الحالي، فنحن نقرأه بعقولنا وليس بعقله هو، فهو تصدر منه مواقف وحركات وألفاظ وغير ذلك، فنترجمها الى جمهورنا باللغة التي يفهما الانسان العراقي، او الانسان المصري، او الخليجي، ليكون التصور بان دونالد ترامب، شأنه شأن أي زعيم ممن خبرناه في العقود الماضية؛ متغطرس، ومستبد، ومغرم بالمال والسلطة، وعندما نسمع بشخصية عسكرية اميركية –مثلاً- وقد حقق انتصاراً ما، نضعه فوراً في قوالب ذهنية جاهزة لمن نعرفهم في الماضي والحاضر من القادة الذين يحرقون الحرث والنسل لتحقيق نشوة النصر على خصومهم.

“بالنسبة للقيادة العسكرية والسياسية في واشنطن، فالبدلاء جاهزون للتحرك فوراً والبدء من حيث انتهى زملاؤهم، بينما الأمر ليس كذلك بالنسبة لنا، فان استشهاد قائد عسكري او سياسي يترك فراغاً كبيراً في النفوس وفي الواقع السياسي والاجتماعي للبلاد”

وحتى عندما نتعرض لهجمات ونكبات على يد الاميركيين فنحن نبحث عن اشخاص بعينهم يقفون خلف هذا العدوان، او تلك الجريمة التي أودت بحياة أعزائنا، كما حصل مع أحد العملاء في وكالة المخابرات المركزية الاميركية، والذي يُقال أنه قتل في حادث تحطم طائرة اميركية في افغانستان مؤخراً، فظهرت علينا صحيفة صحيفة نيويورك تايمز الاميركية المقربة من الدوائر المخابراتية، لتضفي عليه صفات وألقاب تقربه الى الصورة الذهنية لدينا، مثل؛ “أمير الظلام”، على أنه كان يتولى ادارة ملف “مكافحة الارهاب” في المخابرات الاميركية، وايضاً الاشراف على العمليات السرية ضد ايران، والقت على عاتقه مسؤولية القصف الجوي بالطائرات المسيّرة ضد مواقع في افغانستان لمطاردة عناصر طالبان، بل وعدّته المسؤول عن مطاردة وقتل اسامة بن لادن. أما بعض المصادر في بلادنا فقد حملته مسؤولية استشهاد قاسم سليماني وابو مهدي المهندس في القصف الجوي الذي استهدف مركبتهم قرب مطار بغداد الدولي في وقت سابق من شهر كانون الاول من العام الماضي.
إن صحت المعلومات بأنه كان وراء عمليات اغتيال المعارضين للسياسة الاميركية في المنطقة، أو لم تصح، فان هذا لن يغير من المنهج المتبع في الغرب بشكل عام للتعامل مع الاوضاع في بلادنا، فاميركا التي تأسست قبل اكثر من مائتي عام، لا تتعامل مع بلادنا على أنها دول ذات سيادة وأنظمة سياسية واقتصادية مستقلة، إنما تتعامل مع موقع جغرافي، وموارد طبيعية، الى جانب العمق الحضاري الذي تعده ذو مدخلية في طريقة تعاملها مع هذا الشعب او ذاك، أما هي فتعد نفسها دولة مؤسسات، قائمة على دستور، وقيم ثابتة، بغض النظر عن تفسير هذه القيم، فبدءاً من رئيس الجمهورية، وحتى أبسط موظف في الدولة الاميركية، إنما عليه العمل لتحقيق اهداف مشتركة مثل؛ الحفاظ على الامن القومي، والحفاظ على قيم الحرية والديمقراطية وغير ذلك.
وعندما تكون الاهداف مشتركة، فان الجهود لتحقيق هذه الاهداف تكون مشتركة ايضاً، وهذا يصدق بالدرجة الاولى على النشاطات المخابراتية في جميع انحاء بلادنا الاسلامية ومنها؛ العراق، فالتصفيات الجسدية، او الحرب النفسية، او اختراق الجماعات التكفيرية، او حتى صناعة جماعات متطرفة في الساحة، لا يكون على يد شخص واحد، إنما هو حصيلة جهود مشتركة لاشخاص من ذوي اختصاصات مختلفة قاموا بادوار تكاملية لانجاح العملية في هذا البلد او ذاك، فهذا يبحث في نفسية الجماهير، وذاك، يبحث في الواقع المعيشي، وآخر متخصص في الجانب العقائدي والفكري والاجتماعي، وجوانب عديدة متشابكة، ثم يأتي دور التنفيذ، فالاميركي؛ وإن كان ضابطاً مخضرماً في المخابرات، او قائداً عسكرياً ناجحاً، او عالماً في الاقتصاد والمال والاعمال، يقف عاجزاً وسط بغداد، او كربلاء، او البصرة، إلا بوجود عناصر مكملة لمهمته، فهو بحاجة الى الاعلامي، والى الاكاديمي، والى الموظف الحكومي، بل وحتى الى من يرتدي ملابس رجال الدين، لتنفيذ المهمة بنجاح.
فاذا سقط هذا القائد او ذاك قتيلاً في العراق او افغانستان، او الخليج، او أي مكان بالعالم، فانه لن يكن سوى خبراً من بين اخبار “النشاطات العسكرية خارج الوطن” بالنسبة للقيادة العسكرية والسياسية في واشنطن، فالبدلاء جاهزون للتحرك فوراً والبدء من حيث انتهى زملاؤهم، بينما الأمر ليس كذلك بالنسبة لنا، فان استشهاد قائد عسكري او سياسي يترك فراغاً كبيراً في النفوس وفي الواقع السياسي والاجتماعي للبلاد، بل يميل البعض –من حيث لا يشعر- الى اليأس القاتل بأن “من المستحيل أن يأتي شخص مثله”!
ان مقتل أي شخصية عسكرية او سياسية اميركية، قبل ان نحوله الى فرصة لتنفيس هموم الضغوطات التي نعيشها، علينا تحويلها الى فرصة للتأمل والتدبر في مواجهة البديل المعد له من قبل الدوائر المخابراتية، وقبل هذا وذاك، التفكير دائماً بإحياء المنهج الحضاري الذي طالما أكد عليه قادتنا العِظام، وفي المقدمة؛ رسول الله، والأئمة المعصومين، عليهم السلام، بضرورة التنظيم، والمشاورة، والتعاون، والعمل الجماعي مستندين على قيم اخلاقية ودينية سامية، وإن كانت المهمة تبدو صعبة للغاية في ظل الظروف القاهرة التي نعيشها، ولكنها ليست مستحيلة اذا ما توفرة الارادة والعزيمة والنية الصادقة التي تجعلنا آمنين من مكائد الاعداء مهما كانت.