القرآن الكريم و تقويم المنهج السياسي

0

أسئلة في البدء:
– هل القرآن كتاب أخلاق وهداية؟ أم انه الكون المقروء الذي يعكس الواقع؟
– هل الإسلام يعني بالسياسة أم لا دخل له فيها؟
– ما المقصود بالسياسة والمتغيرات السياسية؟
– هل الآيات القرآنية التي تتحدث عن أحداث تاريخية قد وقعت، مختصة فقط بسبب النزول أو تتعداها الى غيرها؟
لابد من الإجابة على مثل هذه التساؤلات المهمة لكي نستطيع أن نتوصل الى محاولة فهم العلاقة بين الكتاب المجيد وعالم السياسية الواسع.

  • القرآن كتاب هداية عامة

نعم؛ القرآن الكريم كتاب هداية، قال تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}، (سورة البقرة، آية2)، وفي آية أخرى {هُدَىً لِلنّاسِ}، إلا إن الهداية ليست مقتصرة على الجانب الأخلاقي والعقائدي والعبادي، بل تشمل جميع ضروب الحياة التي لها علاقة بالبشر؛ فنرى أن القرآن يتحدث عن قضايا اجتماعية مثل؛ الأسرة، والزواج، وتربية الأبناء، ومساعدة المحتاجين، والكثير الكثير من القضايا الاجتماعية. كما يتحدث عن قضايا قانونية مثل الوفاء بالعقود، وكتابة الدّين، وضرورة وجود الشهود في موارد عدّة، وغيرها. كما يتحدث عن قضايا اقتصادية مثل بذل الزكاة، وتقاسم الثروات، والسعي لطلب الرزق، والتخطيط الاقتصادي، كما في أسلوب النبي يوسف، عليه السلام، وغيرها من التوجيهات الاقتصادية الهامة، وهو يتحدث ايضاً عن تنمية الفكر ورفع المستوى العلمي، والحثّ على طلب العلم، والتدبر في القرآن، والتفكر في مصير الأمم السابقة، والبحث في كيفية بدء الخلق.
حين يتحدث القرآن الكريم عن هذه الأمور وغيرها من قضايا الحياة، فذلك من اجل اضاءة بصائر الهداية والصواب، بل هناك ما يدلل أنه ما من شيء يهم البشر ويكون له تأثيرٌ من قريب أو بعيد في حياتهم سلباً كان أو إيجاباً، إلا وقد ذكر القرآن سبيل الهداية فيه.
وللهداية القرآنية عدة معان منها:
1- إضاءة الطريق؛ أي يعرّف القرآن الناس ويرشدهم للطريق السليم والمستقيم الذي فيه رضا الله -سبحانه وتعالى- وهو المعنى اللغوي، فحين يدلك شخص على الطريق السليم الذي يوصلك الى مبتغاك فقد هداك اليه، كقوله: “قل الله يهدي للحق
2- التوفيق للمزيد من سبل الخير في ذات الطريق السليم: قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى}، (سورة محمد، آية17).
وبحسب التأمل فان القرآن حين يوصف بأنه {هُدًى لِلنَّاسِ}، ففيه دلالة على عموم الهداية، من غير تخصيصها بجوانب دون أخرى، وبوجداننا نعرف أن الناس بحاجة الى هداية في مختلف ضروب الحياة.

  • السياسة في ضوء القرآن الكريم

و تزداد أهمية الهداية في الجانب السياسي المؤثر في حياة الناس، فالسياسة لها تأثير قوي في مجمل أمور الحياة، فسياسة الحاكم لها تأثيرها على مجمل أمور الناس الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، فمثلاً حين جاء حاكم صالح، كأمير المؤمنين، عليه السلام، فانه أرجع الحقوق الى اصحابها، وأقام معالم الدين وأظهر العدل في الآفاق، وحين جاء معاوية الى الحكم، أشاع أجواء الأرهاب وقتل أولياء الله الصالحين من أمثال حجر بن عدي وأصحابه، واتخذ مال الله ريعاً خاصاً له ولبني أمية، وزوّر الأحاديث وانتشرت مجالس الفسق في عهده، هكذا تؤثر السياسة في حياة الناس ومصائرهم.
وفي عالمنا اليوم نرى المقدار الخطير للسياسة في التأثير على مجمل الأوضاع العامة لأي شعب، فمن الحكام من قاد شعبه من حرب الى حرب في سبيل مصالحه، ومصالح أسياده، ثم أسلمها خراب ويباب الى المستعمرين، وبناء على الأهمية الكبرى للسياسة في مجمل أوضاع الناس وعقائدهم ومصائرهم الحياتية والمعيشية، أ ترى أن الإسلام يترك هذا الجانب الحيوي والمؤثر في حياة الناس من دون أن يبين لهم سبل الهداية الخاصة في عالم السياسية؟!
باعتقادي هناك ما يشير الى أن القرآن الكريم تحدث عن كل شيء، إلا أن هذه العمومية تتعلق وتهدف أساساً الى هداية البشر الى الطريق السليم والمستقيم الذي عليهم اتباعه.
قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}، (سورة النحل، آية89)، وفي تفسير مجمع البيان للطبرسي، الذي يُعد من أهم التفاسير، يقول حول هذه الآية: {تبيانا}، أي بيانا لكل أمر مشكل، ومعناه ليبين كل شيء يحتاج اليه من أمور الشرع، فانه ما من شيء يحتاج الخلق إليه في أمر من أمور دينهم، إلا وهو مبيّن في الكتاب إما بالتنصيص عليه إو بالإحالة على ما يوجب العلم من بيان النبي، صلى الله عليه وآله، والأئمة الاثني عشر القائمين مقامه، أو إجماع الأمة؛ فيكون حكم الجميع في الحاصل مستفاداً من القرآن.
وفي تفسير الميزان، للعلامة الطباطبائي، حول ذات الآية: “هو بيان لكل شيء من أمر الهداية يعلم به الحق من الباطل”،
وفي تفسير تقريب القرآن، للمرجع الديني السيد محمد الشيرازي: “أي بيانا لكل شيء وهي الأمور العامة التي يحتاج إليها الإنسان في أمر دينه ودنياه”.

  • أهل البيت والسياسة

حيث أن أهل البيت هم القرآن الناطق الذي يكشف لنا كيفية التطبيق القرآني، فإننا نستدل على فهمهم الشامل للدين بالنحو الذي تكون السياسة هي إحدى أركانه المهمة، فقد ورد في الزيارة الجامعة أن أهل البيت، عليهم السلام، هم “قادة الأمم، وساسة العباد، وأركان البلاد، القادة الهداة والسادة الولاة”.
وفي رواية أخرى عن الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، وتروى عن الصادق، عليه السلام: “نحن سادة العباد، ونحن ساسة البلاد”.

 

نعم؛ القرآن الكريم كتاب هداية، إلا إن الهداية ليست مقتصرة على الجانب الأخلاقي والعقائدي والــــــعبادي، بـــــل تشمل جميع ضروب الحــــياة التي لـــــها عـــلاقة بالـــبشر

ويشرح العلامة المجلسي في “بحار الأنوار” ما جاء في الزيارة الجامعة الكبيرة في كلامهم، عليهم السلام، بأنهم ساسة العباد فيقول: “جمع السائس، أي ملوك العباد وخلفاء الله عليهم”.
ولو لاحظنا هذه الأوصاف لوجدنا أنها تتعلق بالشأن القيادي والسياسي، فهم، عليهم السلام، القيادات الحقيقية للأمة، وحيث أن الإسلام يجعل إمام الأمة قائداً وهادياً لها في كل شيء بما في ذلك ميدان السياسة.
وورد عن الإمام الرضا، عليه السلام، في أوصاف الإمام الذي يقود الأمة أنه “عالم بالسياسة”.
وجاء في كتاب الإمام علي، عليه السلام، لمالك الأشتر كما في تحف العقول: “فاصطف لولاية أعمالك أهل الورع والعلم والسياسة”.
كما نجد أن الإمام علي، عليه السلام، يندد بمعاوية ويقول في احدى رسائله اليه، كما جاء في نهج البلاغة: “متى كنتم يا معاوية ساسة الرعية”؟! فان مفهوم هذه الجملة المستبطن في منطوقها أن غيرك هم ساسة الرعية الحقيقيون، وليسوا هم إلا أهل البيت، عليهم السلام.
ومما يدلنا على اضطلاع أهل البيت بالجانب السياسي، هو أن الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، وأمير المؤمنين، عليه السلام، كانا حاكمين على الناس، وقد أبدعا في كل ما يتعلق ببسط الدولة وتثبيتها وقيادة الناس الى سبل الخير والتقدم، أما بقية أئمة أهل البيت، عليهم السلام، فنلاحظ مدى إصرارهم على أنهم خلفاء رسول الله، والقادة من بعده، وتعريتهم لظلم حكام زمانهم. وكل ذلك هو مما يصطلح عليه حالياً أنه من أعمال المعارضة السياسية، بل نجد أن أئمة أهل البيت كانوا يحرضون الناس ضد الحكام الظالمين وينصحون كل من يسمع كلامهم للابتعاد عنهم.
يحدثنا التاريخ أن الإمام زين العابدين، عليه السلام، وهو المعروف في الذهنية العامة أنه قد ابتعد عن السياسة، إن هذا الإمام العظيم قد بعث برسالة الى أحد كبار العلماء، وهو محمد بن مسلم الزهري يحثه على الابتعاد عن بني أمية ويكشف له عاقبة دعمه لهم، فيقول الإمام ضمن رسالة طويلة له: “أو ليس بدعائه لك حين دعاك جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم”؟

 

عندما تتحدث آيات القرآن الكريم عن قضية تتعلق بوضع المسلمين أو بمواقف اليهود والنصارى أو المنافقين، فلا يعنى أنها انتهت، فلعلها تتكرر في أي زمان حين تأتي الأحداث بنفس التطورات السابقة

وفي الحقيقة، لو أن أهل البيت انصرفوا للجانب العبادي والثقافي والاجتماعي البحت لما نالتهم كل تلك المصائب والويلات والمحن من حكام زمانهم، ولكان الحكام يحترمونهم ويعظمونهم ويتشرفون بهم. إلا أن خوف الخلفاء الأمويين والعباسيين منهم، إنما لكونهم، عليهم السلام، يمثلون البديل الحقيقي والشرعي الأفضل والأمثل للأمة، ولأنهم كانوا يبثون بصائر الوعي بالدين الشامل لكل مناحي الحياة، مما جعل الحكام يهابونهم ويحاربونهم.

  • دلالات الاحداث المستجدّة في القرآن

هناك نظرة بثتها بعض المدارس الفكرية التي لم تستق منهجها وفكرها من أهل البيت، عليهم السلام، تقول أن الآيات التي تستعرض أحداث تاريخية وقعت في زمن الرسول أو الأزمنة القديمة، إنما هي متعلقة بسبب النزول فقط، ولا تدل على أكثر من ذلك، ولهذا فان تلك الآيات اختصت في نظرهم بزمن ماض، ولا علاقة لها بما سيأتي! أما نظرة أهل البيت، عليهم السلام، فهي على خلاف ذلك.
يقول الباقر، عليه السلام: ” ان القرآن حي لا يموت، والآية حية لا تموت، فلو كانت الآية إذا نزلت في الأقوام وماتوا ماتت الآية، لمات القرآن، ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضين”.
وفي رواية أخرى: “ولو أن الآية إذا نزلت في قوم ثم مات أولئك ماتت الآية، لما بقي من القرآن شيء، ولكن القرآن يجري أوله على آخره ما دامت السماوات و الأرض، ولكل آية يتلوها هم منها من خير او شر”.
يعلّق السيد الخوئي -قدس سره- على خطبة أمير المؤمنين عن القرآن بأنه “سراج لا يخبو توقده”: يريد بقوله هذا و بكثير من جمل الخطبة أن القرآن لا تنتهي معانيه، و أنه غضٌ جديد الى يوم القيامة. فقد تنزل الآية في مورد أو في شخص أو في قوم، ولكنها لا تختص بذلك المورد أو ذلك الشخص أو أولئك القوم فهي عامة المعنى.
من هنا يتبين لنا أن آيات القرآن حين تتحدث عن قضية تتعلق بوضع المسلمين أو بمواقف اليهود والنصارى أو المنافقين، فلا يعنى أنها انتهت، فلعلها تتكرر في أي زمن حين تأتي الأحداث بنفس التطورات التي حدثت في السابق، وهذا يقودنا الى أن مدلول الآيات المتعلقة بالأحداث السياسية لا يزال مستمراً.
ويستنتج مفسر القرآن، العلامة الكبير، السيد محمد حسين الطباطبائي، -قدس سره- من الروايات السابقة وغيرها مصطلح “الجري” ويقصد أن العديد من معان الآيات التي تفسرها بعض الروايات أنها من باب الجري؛ مستندا الى رواية عن الإمام الصادق، عليه السلام، يقول فيها: “إن القرآن حيٌ لم يمت، وانه يجري كما يجري الليل والنهار، وكما تجري الشمس والقمر، ويجري على آخرنا كما يجري على أوّلنا”.