لماذا قُتلت الزهراء؟ 2-2

0

سؤال ينبغي أن لا نتوقف عن طرحه يوماً ما.
تلك المرأة التي كانت تزهر لأهل السماء، المرأة التي كن نساء النبي يخطن في الليلة الظلماء بنور وجهها، تلك التي كانت بضعة رسول الله، صلى الله عليه وآله، فكان كلما أعياه التعب جاء إلى دارها، نظر الى وجهها فزال همه وغمه!
فاطمة التي فطم الله شيعتها من النار، وفطم الخلق عن معرفتها، فاطمة التي قرن الله رضاه برضاها، هل تضرب؟! وهل تقتل؟!

  • السقيفة البداية

لم يكن أرباب السقيفة قرروا تصفية الزهراء، عليها السلام، جسدياً، بل ولا أحد من أهل البيت، إلا علياً، عليه السلام، فيما لو امتنع عن البيعة، فلم يكن قتل علي بالأمر الكبير في قلوب أعدائه، كيف وهو الذي قتل اشياخهم ببدر وحنين.
كل شيء قد خططوا له؛ الحصار الاقتصادي بأخذ فدك؛ والإعلام ببث الأخبار الكاذبة بأن رسول الله، صلى الله عليه وآله، قال: “نحن معاشر الأنبياء لا نورث وما تركناه صدقة”؛ ثم مصادرة العقل الجمعي بجملة شعارات تدغدغ المشاعر القبلية، فقالوا: “لا تجتمع النبوة والإمامة في بني هاشم”، و “أن علياً حدث لا يجيد القيادة”، و “حسبنا كتاب الله”، وغيرها من الشعارات التي تنطلي على من قال عنهم القرآن الكريم: {ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم}.

 

قررت فاطمة، عليها السلام، إفشال مشروع السقيفة، بأن تخط بدمائها طريق الهداية وتميزه عن الغواية لمن أراد أن يهتدي الى ربه سبيلا

و أما القوة العسكرية، فقد جاءوا بقبيلة بني أسلم وفرضوا الأحكام العرفية على المسلمين، “وقد أعدو لكل حق باطلا، ولكل قائم مائلاً، ولكل حي قاتلاً”، كما قال امير المؤمنين، عليه السلام، لكن ما لم يكن بحسبانهم أن تقوم اليهم من كان رسول الله، صلى الله عليه وآله، يقوم لها(1)!
نعم؛ إنها فاطمة.
فقد قررت عليها السلام إفشال مشروع السقيفة، بأن تخط بدمائها طريق الهداية وتميزه عن الغواية لمن أراد أن يهتدي الى ربه سبيلا.
وقامت في ذلك بأمرين:
الأول: التعبئة العامة لكسر حاجز الصمت وذلك ببكائها المستمر على أبيها، والذي كان يذكرهم بأن للنبي، صلى الله عليه وآله، بطيبة أهل هم أولى به.
الثاني: المواجهة الفكرية والثقافية وذلك عبر خطبتها الموسومة بالخطبة الفدكية.

  • الخطبة الفدكية آية عظمة للبتول

الخطبة الفدكية، والتي رواها أهل العامة قبل الخاصة كالخليل في العين وابن الاثير في النهاية وابن المنظور في لسان العرب، كانت بمنزلة إعلان مشروع الحق، و إبطال مشروع الباطل، حين لاثت بخمارها واشتملت بجلبابها وخرجت في لمّة من حفدتها ونسائها ودخلت المسجد فضُربت دونها ملائة. ثم أنت أنّة أجهش القوم منها بالبكاء!
والحديث عن الخطبة الفدكية ومضامينها طويل، إلا أننا نسلط الضوء على الأهداف التي رامت الصديقة الطاهرة من الخطبة:

  • الهدف الأول: بناء الوعي (تفعيل العقل النقدي)

في خطبة من 1585 كلمة لم تتحدث الزهراء البتول، عليها السلام، عن مسألة ميراثها سوى في عُشْرها، فخصصت الخطبة للحديث عن الله –تعالى- وخلقه وعن شرائع الله وعللها، وعن النبي، صلى الله عليه وآله، وفضائله وعن أمير المؤمنين، عليه السلام، و دوره، و عن المهاجرين، و الأنصار، و مسؤولياتهم.
كل ذلك من أجل مواجهة ذلك الجهل الجمعي الذي خيم على الجموع بتلك الشعارات البراقة التي اطلقها هؤلاء.
فالزهراء حين جاءت لتخطب بين الرجال للمرة الأولى والأخيرة، واجهت الجهل بالعقل، لا بالإجابة عن الشبهات التي طرحها هؤلاء، بل بوضع الموازين الأساسية والقيم الحقة التي من خلالها يجب أن يقيم الإنسان مواقفه، فبينت مكانة الوحي بشقيه من الكتاب الكريم والنبي العظيم.
وهذا ما يعبر عنه بتفعيل التفكير النقدي حين رسمت لكل من كان، والى يومنا هذا، الدين بصورته المتكاملة، كما أنها أرادت أن تفعل ما يعبر عنه بالتفكير المسؤول، حين حمَّلت الجميع مسؤولية الفعل، وبينت دور المهاجرين والأنصار في ذلك.

  • شرائع الأحكام ونظام الملة

قالت: “فَجَعَلَ اللهُ الإيمانَ تَطْهيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلاةَ تَنْزِيهاً لَكُمْ عَنِ الكِبْرِ، والزَّكاةَ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ وَنَماءً في الرِّزْق، والصِّيامَ تَثْبيتاً للإِخْلاصِ، والحَجَّ تَشْييداً لِلدّينِ، وَالعَدْلَ تَنْسيقاً لِلْقُلوبِ، وَطاعَتَنا نِظاماً لِلْمِلَّةِ، وَإمامَتَنا أماناً مِنَ الْفُرْقَةِ”.
في هذا المقطع الرائع بينت، سلام الله عليها، عشرون حكماً اساسياً في الدين، وعلة تشريعها، وهذا المقطع الذي حيّر الفحول من العلماء فضلاً عن الباحثين، لكن ما يهمني الحديث عنه قولها: “وطاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أماناً من الفرقة”.
عنصرين أساسيين لو فقدهما أي تشريع فإنه سينتهي به الأمر إلى الفشل:
الأول: النظام: فالشريعة التي جعلت بهذه الدقة، وكل حكم فيها نابع من علة والعلة متصلة بقيمة من القيم الأساسية، تحتاج إلى نظام، لكي لا تصبح الشريعة تبعاً للأهواء.
ومن دون طاعة أهل البيت، عليهم السلام، لا يبقى نظام، ويأتي خليفة يعطي اربعة وعشرين حكماً لإرث الجدة كما ذكر العلامة الأميني في الغدير!
فلا يمكن فهم عمق هذه الحقيقة إلا إذا راجعنا تاريخ الخلفاء، ولاحظنا هنات الرشيد وامثاله، وما تجرأ عليه يحيى بن الأكثم، قاضي قضات العباسيين المعروف بالفاحشة وامثاله، فحين يختل نظام الملة ينتهي الامر إلى تولي هؤلاء شريعة النبي الغراء.
الثاني: الأمان من الفرقة: فالمسبحة لا تكون مسبحة إلا إذا جعلت الخرز في خيط واحد يجمعها معاً، والأمان من الفرقة هو الالتفات حول حبل الإمامة التي أمر الله بالاعتصام به، وهذا هو جوهر القضية، فالأمان من الفرقة، هو التمسك بخط الإمامة والولاية.

  • الهدف الثاني: الدفاع عن أمير المؤمنين، عليه السلام

مهدت السيدة الزهراء ببيان مكانتها وأخذت الإقرار منهم بعصمتها، ثم صارت في مقام الدفاع عن أمير المؤمنين، عليه السلام، في بعدين:
البعد الأول: بيان فضائل أمير المؤمنين، عليه السلام، فمن كان يجرؤ أن يصدع بهذه الفضائل، حين ذكرت لأمير المؤمنين ثمانية فضائل لا يشاركها فيه أحد: “مَكْدُوداً في ذاتِ اللّهِ(2)، مُجْتَهِداً في أمْرِ اللهِ(3)، قَرِيباً مِنْ رِسُولِ اللّهِ(4) سِيِّدَ أوْلياءِ اللّهِ، مُشْمِّراً ناصِحاً مُجِدّاً كادِحاً”.
البعد الثاني: استخراج الضغائن التي في صدور القوم والأحقاد التي تكدست في قلوبهم: “أحقاداً بدرية وخيبرية وحنينة وغيرهن”، تلك الأحقاد التي استمرت إلى يوم عاشوراء، فكانوا يقولون للامام الحسين، عليه السلام: نقتلك بغضا لأبيك لما فعل بأشياخنا!
لذلك الزهراء بيّنت أنَّ ذلك كان تكليفاً من رسول الله، صلى الله عليه وآله، “وَبَعْدَ أنْ مُنِيَ بِبُهَمِ الرِّجالِ وَذُؤْبانِ الْعَرَبِ وَمَرَدَةِ أهْلِ الْكِتابِ، {كُلَّما أوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللهُ}، أوْ نَجَمَ قَرْنٌ لِلْشَّيْطانِ، وَفَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَذَفَ أخاهُ في لَهَواتِها، فَلا يَنْكَفِئُ حَتَّى يَطَأَ صِماخَها بِأَخْمَصِهِ، وِيُخْمِدَ لَهَبَهَا بِسَيْفِهِ”.

  • الهدف الثالث: هدم الأسس الثقافية بالمقارنات الصحيحة

من أهمّ ما يقوم به مدبرو الحروب الإعلامية اليوم، هي قضية المقارنة، لذلك تجد أنه كلما أطلقت كلمة بأي اتجاه، ومهما كانت صحيحة، تجد الآخر يضع في مقابلها كلمة ربما تكون حق لكن يراد بها باطل.
وهذا ما نشاهده بشكل كبير اليوم في الحروب الناعمة، والزهراء، عليها السلام، استخدمت هذه الأداة لضربهم حين وضعت الأمور في نصابها في ثلاث مواضع من الخطبة:
الف ـ المقارنة بين حياتهم قبل الجاهلية وبعد الجاهلية.
باء ـ المقارنة بين ما كان عليه اهل البيت، وما كانوا عليه هم، حين قالت: “وأَنْتُمْ فِي رَفاهِيَةٍ مِنَ الْعَيْشِ، وَادِعُونَ فاكِهُونَ آمِنُونَ، تَتَرَبَّصُونَ بِنا الدَّوائِرَ، وتَتَوَكَّفُونَ الأَخْبارَ، وَتَنْكُصُونَ عِنْدَ النِّزالِ، وَتَفِرُّونَ عِنْدَ القِتالِ”.
جيم ـ المقارنة بين خليفة رسول الله، صلى الله عليه وآله، الحق، وبين الخليفة المزيف، حين فضحت جهله بأنه حتى لا يفقه كتاب الله، ويكذب على رسول الله، صلى الله عليه وآله، بجعل الأحاديث خلاف القرآن، فقالت: “أَفَتَجْمَعُونَ إلى الْغَدْرِ اْغتِلالاً عَلَيْهِ بِالزُّورِ”، إلى أن قالت: “أَلا قَدْ أرى أنْ قَدْ أَخْلَدْتُمْ إلَى الْخَفْضِ، وَأبْعَدْتُمْ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالْبَسْطِ وَالْقَبْضِ”.

 

قرر اصحاب السقيفة قتل فاطمة حين رأوا أنها أفشلت مشاريعهم الغادرة، وفضحت كل أباطيلهم، و حركت التفكير النقدي، و دافعت عن الحق بكسر حاجز الخوف

 

  • القوم قرروا قتل فاطمة!!

ولذلك حين رأى هؤلاء أن الزهراء، عليه السلام، أفشلت كل مشاريعهم الغادرة، وفضحت كل أباطيلهم، و حركت التفكير النقدي، و دافعت عن الحق بكسر حاجز الخوف، جعلت الموازين الحقيقية في قبال الأباطيل، وصار حديثها محط نظر المسلمين، خصوصاً بعد استنهاضها للمهاجرين والأنصار: “أيْهاً بَنِي قَيْلَةَ! أاُهْضَمُ تُراثَ أبِيَهْ وَأنْتُمْ بِمَرْأى مِنّي وَمَسْمَعٍ، ومُبْتَدأٍ وَمَجْمَعٍ؟! تَلْبَسُكُمُ الدَّعْوَةُ، وتَشْمُلُكُمُ الْخَبْرَةُ، وَأنْتُمْ ذَوُو الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، وَالأَداةِ وَالْقُوَّةِ، وَعِنْدَكُمُ السِّلاحُ وَالْجُنَّةُ؛ تُوافيكُمُ الدَّعْوَةُ فَلا تُجِيبُونَ، وَتَأْتيكُمُ الصَّرْخَةُ فَلا تُغيثُونَ” قرروا قتلها، سلام الله عليها، فذهبت الى ربها راضية مرضية، شاكية اليه ظلم الامة وانحرافها.
———————————

1- ابن اثير في جامع الوصول في الجزء التاسع: “كانت كلما دخلت على أبيها قام إليها”.
2- قال امير المؤمنين في وقعة صفين: “والله ما اريد إلا الله”.
3- قال النبي ص فيه: “إنه لخشن في أمر الله”.
4- أقرب الناس للنبي، أخوه وابن عمه وصهره وأول المسلمين به.