صورة مقلوبة

0

كم يستطيع الدهر من تكرار الصور و المشاهد كآلة تسجيل مهيأة للإعادة؟ بل له القدرة على تكرار الأشخاص و الطباع.
ومن حسن الحظ انه لايكرر الطالحين فحسب؛ بل -لله الحمد- يعيد الفضيلة ويغرس المحاسن في أناس صالحين ليعيدوا التوازن لهذا العالم.
أقصد بالإعادة؛ الأحداث الغابرة، والتكرار؛ أبطال وشخوص تلكم الأحداث.
ولشدّ ما أجد ترابطاً بين الماضي السحيق والحاضر، والمحور الأساسي في هذا المقال هو الإعلام الذي يُعد منفذا كبيرا لتحقيق المآرب.
سأصور لكم بعض تلك المشاهد.
و أحب حقاً ان استفتح هذه المقارنة ببطل التاريخ الإسلامي؛ علي بن أبي طالب، عليه السلام، الذي اقترن اسمه بالحق و العدل، فصار معياراً لمعرفة الايمان واليقين للنفوس.
كان عليٌ، جداراً يحتمي به الدين، وعلما يهتدي به من كان تائها.
و لَكَم سجل له التاريخ من مواقف وفضائل في خدمة الاسلام والمسلمين.
منذ الوهلة الاولى لبزوغ شمس الرسالة الإسلامية كان رفيقا في الحروب، وكان الأول دائما في قائمة المجاهدين والمدافعين عن الرسالة الإلهية وعن حاملها.
وكم كان لعليٍّ من الأصوات التي تشيد بوفائه، و أحقيته الآلاف المؤلفة، ولكن؛ ما ان صدحت الفتن بأفواه المرجفين، أمثال عمر بن العاص، ومعاوية في رفع المصاحف على الرماح حتى مُحصت الأمة فلم يبق لعلي سوى أربعة أصحاب قد عقد على قلوبهم الولاء فثبتت أقدامهم، رغم ان الفتنة زعزت الواقع وقلبت الحق باطلا، والباطل حقاً، حتى صورت للأمة ان عليا كافر! فتعجبوا أيما عجب عندما عرفوا بمقتله وفي محراب صلاته!
ولعل الباحث عندما يتصفح احداث عهد الخليفة الثالث، عند قيام الثورة ضد حكمه و فساده، يجد ان هناك عملية اصلاحية جرت بين الطرفين؛ الجماهير الثائرة، و الحاكم لإصلاح مفاسد النظام الحاكم، حيث تصدّى لهذه الوساطة نفسه، علي بن أبي طالب، عليه السلام، ولكن صاحب الحيلة الجوفاء والمكر والدهاء، مروان بن الحكم، كان في كل مرة تتجه الأمة الى نتيجة مرضية، وتغيير مخلفات البؤس والشقاء الذي عانت منه الأمة الإسلامية آنذاك، يكون هو عارض يحيل دون إتمام الأمر!
بل هناك من شجّع عائشة، ولعلهما طلحة والزبير، على تهيج المجتمع لقتل عثمان حين قالت: “اقتلوا نعثلاً فقد كفر“!
ولما قتل عثمان، لم يكتفوا بهذا الحدّ، بل القوا اللوم على أمير المؤمنين، عليه السلام، في التسبب بقتله بعد ان اخرجوا قميصه الملطخ بدمه، رغم ان الإمام علي وقف موقفا مشرفاً تجاه عثمان، ولم يحرض على قتله، بل دعاه الى تغيير نظامه لما يوافق أحكام الدين!
أنظر كم ان الوضع يتجه كما تخطط له السياسة الأموية الحاقدة.
لنلقي نظرة أخرى فاحصة على الحوادث التي تلت ذلك، نرى ان السياسة ذاتها اتُبعت مع الإمام الحسن عليه السلام.
ففي عهد ابن هند استشرى الفساد في الأمة فخرج سيد الإصلاح؛ الإمام الحسن المجتبى لتغيير ما آل اليه الواقع من ضلال وانحراف، فهيئ الجيش للقتال و أصرّ على مقارعة معاوية وجلاوزته رغم الإغراءات و رسائل الصلح بين الفريقين ، بيد ان الإعلام المُضل -كما نشاهده اليوم- استطاع ان ينفذ سمومه في أوساط جيش الإمام الحسن، عليه السلام، هذا بعد ان اشترى ذمم بعض القادة بالذهب، و دسّ عدد من دعاته ليشعوا أنباءً تفيد بأن الحسن ومعاوية قد تصالحا حقنا للدماء!
فعلام القتال إذن؟! و لم يتوقف الأمر إلى هذا الحد بل تجرأوا على التعرض للإمام وطعنه بالمشقص (سهم ذو نصل عريض).
وبعد أن اقنع الجيش بالتخاذل والاستسلام للأمر الواقع، كما يذكر لنا السيد هاشم معروف الحسني في كتابه؛ سيرة الائمة الاثني عشر: “كان معاوية حريصاً على ان لا يتورط مع الحسن بن علي، عليه السلام، في الحرب، و لو كان مطمئنا لنتائجها، فعرض عليه فكرة الإصلاح في أولى رسائله وترك له ان يشترط ويطلب مايريد، و راح يردد حديث الصلح في مجالسه وبين انصاره في جيش العراق، ويأمرهم باشاعته، وكاتب القادة والرؤساء ليصرف انظارهم عن الحرب، ويبث بينهم روح التخاذل و الاستسلام للأمر الواقع.
وكانت فكرة الصلح -كما ذكرنا- مغلفة بلون ينخدع له الكثيرون من الناس ويفضلونه على الحرب والقتال. ومضى السيد يقول: “لعلمه (أي معاوية) بأنها ستصادف بهذه الصيغة قبولا من الكثيرين وسيتبع ذلك انقسام في صفوف الجيش يضطره الى الصلح لانه اهون الشرين”.
وبعد ذلك جرى ما خطط له معاوية فلم يبق مع الإمام الحسن إلا ثُلّة من إخوانه وأهل بيته وبعض الصحابة، ولما كان يخشى عليهم من القتل، اختار على مضض الصلح، كما هو واضح من خطابه على المنبر حيث قال: عليه السلام: “ايها الناس ان الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا وقد سالمت معاوية وان ادري لعله فتنة لكم.
ولم يكن معاوية قد التزم فعلا بالشروط بل مزق كتاب الإمام الحسن ومضى يلعب بالحكم وبالمسلمين كما يشتهي.
و الان لا نتعجب ان كان في عصرنا نماذج كثيرة تشبه معاوية وابن العاص وغيرهم. ولعل في مقدمتها أميركا، والسعودية، إسرائيل. وفي مقابل تلك الفئة المشبعة بالفساد، يوجد أشخاص علماً للهدى والامن والسلام.
لنقف قليلاً حول ما يحدث اليوم في الساحة العراقية، من تظاهرات شعبية شبه غاضبة.
نرى بان صوت الشعب ينادي بحقوقه و تطبيق القانون وهذا شيء جيد للغاية، اذ ان الصمت عن الظلم يعد موافقة علنية للباطل ليزدهر.
بيد ان تلك البوصلة التي توجه اليها صوت الشعب تتباين من آن الى آخر، فبادئ الأمر طالبت الحكومة بإصلاح الأوضاع المدنية في البلد، و زيادة فرص العمل، إلا انها ما فتئت تتمسك بمطالبها حتى تغيرت بوصلتها الى مطالبات أخرى لا تمت لمصالحها بشيء كتغيير المرجعية الدينية و وكلائها! متناسين المواقف العظيمة التي وقفت فيها أيام المحنة مع العراقيين منذ 2003 وحتى يومنا الحالي.
ان مقام المرجعية الدينية الذي ألفّ جيش في غضون ساعات لهو مقام مخيف وله تأثير مرعب على الشخصيات الكبيرة.
فعندما خسر العدو بخسارة داعش، وعجز عن اخضاع المجتمع، لجأ الى تأليب الرأي العام ضد هذه المرجعية، فبث سمومه في تشكيك الوسط و اتخذ من آذان الشباب غير الواعي مقوداً يتحكم فيه لتحقيق مبتغاه.
فأطلق الشائعات من قبيل: “السيد مات منذ زمان!! والصافي والكربلائي يقومون بإصدار البيان وخطب الجمع باتفاق مع ابنه السيد محمد رضا”! او “إن كان حياً فلماذا لايخرج ويُسمعنا صوته”؟ و”ماذا عن الأموال الشرعية التي تأتي له من بقاع العالم، في أي شيء يصرفها”؟ و”إيران سبب الفساد، والحكومة تساند إيران، والمرجعية تدعم الحكومة”.
فبدلاً من ان يؤنبوا الساسة، راحوا يؤنبوه، رغم انه يسعى جاهدا لمواساة الشعب بكل طاقاته وإمكانياته والمؤسسات الخيرية والمجمعات السكنية والمدارس والمستشفيات تشهد له بذلك.
إذن؛ أين الخلل؟
هل الشعب نَسِي كل هذا وتظاهر بالعَمى؟! أم ان لدى السيد كنز قارون الذي لم تحظ به حكومتنا اليوم؟!
أما عن مسألة الشعب الإيراني، فهذا شيء لا استطيع سوى أن أصفه بالغرابة.
ان الايرانيون شعب مجاهد ومضحي في سبيل العقيدة، والسجبات التي حملت اسماء الاستشهاديين في حربنا مع داعش لحماية شعبنا ومراقدنا المقدسة، غنية عن أي إثبات.
إذن؛ ما الأمر الذي جعل الصورة مقلوبة في أعين شعبنا العزيز؟
ألا يعني هذا أن هناك “بن العاص” جديد في الساحة اليوم قد قلب الموازين حتى غطى أعين الناس بغشاوة فصاروا يشاهدون معها الأمور بصورة مقلوبة؟! وكأننا اليوم في نفس العهد الذي خذلوا فيه أهل البيت، عليهم افضل الصلاة وازكى السلام.
ان الماضي يعيد نفسه لأننا لم نعتبر منه لذا تمكن المنافق من فتح باب الفتنة على مصراعيه.
أجل؛ النفاق يدق الابواب حاملاً الفتنة بصندوق هدية، فإن أصغى له ألناس حُشِر الباطل في ثنايا صدورهم فيتوغل الى قلوبهم، عندئذ على الايمان السلام.
أعاذنا الله من مُضلات الفتن وجعلنا من المعتبرين قبل أن يُعتبر بنا.