السيدة زينب قِيْمَةُ الْطُّهْرِ، وَقِمَّةُ الْصَّبرِ

0

الناظر في تاريخ الرسالة الإسلامية لا يمكن أن يحيد ببصره عن أولئك العظماء الكرام من أهل البيت الأطهار(ع)، الذين كانوا يمثِّلون الرِّسالة بكل تفاصيلها، ويتمَثَّلونها في كل تصرفاتهم، فكانت أخلاقهم القرآن كما وصفوا سيدهم رسول الله (ص) بكلمة مقتضبة وكاملة وشاملة.
فكان القرآن الحكيم هو كلام الله المكتوب، فيما هم ترجمانه للأمة، أو يمكن لنا أن نسميهم وفق المصطلح الموجود: “الناطق الرسمي باسم القرآن الحكيم، والرسول الكريم”(ص)..
فهم لينطقوا عن الله -تعالى- يجب أن يكونوا خيرته من خلقه، فيختارهم، ويجتبيهم، ويصطفيهم، ويضفي عليهم من عنده الصفات الإلهية التي تُؤهلهم ليكونوا أهل الرِّسالة والرسول، وأهل الدِّين والقرآن.. فقال ربنا: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (آل عمران: 34)، وقال فيهم: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (الأحزاب: 33).
ولذا طلب الباري سبحانه أجراً للرسالة، هي مودتهم بقوله: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} (الشورى: 23)، فمَنْ يدخل في الدِّين الإسلامي الحنيف يجب عليه أن يؤدي أجر الرسالة وإلا فيكون مغتصباً له، وكل عمله باطلاً للغصبية، قبل أي شيء آخر، وهي مودة أهل البيت الأطهار الأخيار الأبرار من العترة النبوية..
والسيدة زينب الكبرى(ع) هي بنت ذاك البيت الطاهر، الذي رفعه الله في هذه الدنيا، وأمر باحترامه وتقديره بقوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ} (النور: 36).
من هذا البيت الطاهر خرجت الذرية الطاهرة، ومنها كانت زينب(ع)، التي وُصفت بأنها (زين أبيها أمير المؤمنين ) وهو زين الرجال، وليس له مثال، إلا صنوه النبي محمد (ص)، فما أعظمها، وأجلها، وأكرمها من امرأة قلَّ نظيرها في هذه الدنيا..

  • زينب قِيمَةُ الطُّهرِ

فلا نغالي ولا أحد يرمينا بذلك إذا قلنا: بأن السيدة زينب الكبرى(ع)، هي تمثِّلُ قيمةَ الطُّهر بكل معانيها ومبانيها، لأنها من البيت الذي اختاره الله، وطهَّر أهله جميعاً بإرادته الغالبة، لأن كل مَنْ في البيت كانوا طاهرين مطهَّرين من رب العالمين..
والطهارة؛ منقبة لا تستقر عند ذوي الرَّجاسة والنَّجاسة، ولذا ترى أن قوم سيدنا لوط(ع) أخرجوه وأهله من القرية لأنهم {أناس يتطهرون}، قال تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} (النمل: 56)
ولكن الله يحب هؤلاء المنزَّهون، المجتنبون من الأرجاس والأدناس، بقوله سبحانه: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} (التوبة: 108)
فالطهارة والعفَّة والفضيلة، قاتلة الأنجاس، والمنغمسين فيها، وهاجسهم الأكبر، لذا تراهم كثيراً ما يتكلمون عن الفضيلة وهم أبعد الناس منها، ويتحدثون عن الشرف وهم أقصى الناس من الشرف، بل ويتهمون أهل الفضيلة والشرف والعفة عند الحاجة كما فعل قارون بكليم الله موسى (ع) كما في رواية معروفة..
وفي دنيا العرب وتاريخهم هناك بيوت للعزة والكرامة والشهامة والشرف، وفي ذروتها وعلى رأس قمتها البيت الهاشمي، وبني عبد المطلب(ع) المسمى (إبراهيم الثاني)، وسيدات هذا البيت كانوا هن أهل الشرف والعفة والفضيلة، حتى أن رسول الله (ص) كان يفخر بهن بقوله: (أنا ابن العواتك من قريش) والعواتك الثلاثة من أمهات رسول الله (صلى الله عليه وآله).
الأولى: عاتكة بنت هلال، أم عبد مناف.
والثانية: عاتكة بنت مرة، أم هاشم بن عبد مناف.
والثالثة: عاتكة بنت الأوقص، أم وهب والد آمنة، فالأولى عمَّة الثانية، والثانية عمَّة الثالثة..
وقال النبيّ(ص): {أنا ابن الفَواطِم} بحيث ولدته(ص) من الفواطم أربع: قرشيّة؛ وهي فاطمة بنت عمرو بن عائذ، وقيسيّتان؛ وهما: فاطمة بنت ربيعة بن عبد العزّى، وأُمّها فاطمة بنت الحارث بن بهثة، وأزديّة؛ وهي فاطمة بنت سعد بن سهل.
واجتمع الشرف كله والفخر والطهر بابنته فاطمة الزهراء(ع)، تلك البضعة النبوية الطاهرة التي اختارها الله من نساء العالم فعصمَها وطهَّرها من كل رجس ودنس، وجعلها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، على ما جاء بالنص النبوي..
ومن تلك البضعة النبوية، جاءت السيدة زينب الكبرى(ع) فهي بضعة من البضعة، وطهر من طاهرة، فأضافت بوجودها المبارك قيمة من قيم الإنسانية، ولذا كان يفخر بها بنو هاشم الأكارم كعبد الله بن العباس الذي رفض أن تُسمى بعقيلة الطالبيين وقال: بل هي عقيلة بني هاشم، عقيلتنا كلنا بني هاشم السيدة زينب الكبرى(ع)..

  • زينبُ قمَّةُ الصَّبرِ

هذه النَّسمة الطاهرة، والبضعة المطهرة امتحنها الله تعالى بامتحانات، لم يمتحن بها أحداً من قبل، وذلك لما أجمع عليها من المصائب التي تهدُّ الجبال الرواسي، حتى سُميت (أم المصائب)، وذلك منذ أن فقدت جدَّها رسول الله (ص) وأمها فاطمة الزهراء (ع) خلال أشهر معدودات، وتتالت عليها المصائب والمتاعب والمحن، ولكن يبقى ليوم عاشوراء مصيبته الخاصَّة، وبيلته المميزة التي لا يوجد مثلها في تاريخ البشرية..
فيوم المصائب العظمى، والبلايا المهولات كان يوم عاشوراء، حيث نزل ما لا تحتمله الجبال الرواسي، فلو نزلت واحدة على قمَّة أفرست لتدكدكت، و لانهدَّ جبل هيمالايا متضعضعاً لهولها..
يوم عاشوراء يوم الكوارث، ويوم المآسي التي لا تُحتمل، ففقد الأبناء يحرق القلب، وفقد الأخوة يهد يكسر الظهر، وفقد الإمام يهد الإنسان العظيم، والسيدة زينب (ع) فقدت الجميع – الأبناء والأخوة والأهل والإمام – في يوم واحد ورأتهم في الصباح وهم كنجوم السماء علواً وسمواً وفخراً، ورأتهم عند المساء مجزَّرين كالأضاحي تسفي عليهم الريح العقيم..
وليس ذلك فقط بل أُخذت أسيرة مع جميع أخواتها وبنات إخوتها ونساءهم وأطفالهم يُطاف بهم البلدان في أربعين منزلاً، ويدخلون الديوان على ابن مرجانه، وابن ميسون ويراهن الرجال الأغراب ويشمت بهن العدو، والصديق لبني أمية من لعناء هذه الأمة وشذاذها..
فوا حسرتاه عليك سيدتي ومولاتي يا زينب الطهر أي مصيبة حلَّت بك، وأي مهمَّة تحمَّلت سيدتي، وأي رسالة أدَّيتِ في هذه الحياة ولهذه الأمة الناكرة للجميل، وأنت صابرة محتسبة تقولين للشامت العادي: {ما رأيتُ إلا جميلاً}، فأي جمال رأيتِ سيدتي؟!
عذراً يا ابنة الطهر أنتم ترون ما لا يُرى، وتعلمون من الله الحقائق، والرقائق، ونحن محجوبون بذواتنا، وأنفسنا وضعفنا، وذنوبنا، ولذا نسألك مثل هذا السؤال الذي يُحيِّرُ الألباب، ويبلبل الأفكار، والعقول على أن تستوعبه أو تعيه أو تدركه..
فإن كان للصبر قمَّةٌ فانتِ هي سيدتي يا زينب..
وإن كان في الإنسانية طُهرٌ وعفافٌ وشرفٌ فأنت زينتها.. يا زين أبيك أنتِ، وفخر أخيكِ وعشيرتك الأقربين، يا ابنة الطاهرين المطهرين، وسليلة عترة خير المرسلين (ص)..
كيف لامرأة ترفل بالطهارة، والنقاء، والخفارة، والعفاف أن تتحمَّل ما تحملتِ، من قتل، وتهجير، وأسر وسبي وإذلال، وتقول ما تقولين؟!
حقاً – سيدتي – ما زلتِ محيرةً لي منذ أن قرأتُ عنك في ريعان شبابي، وإلى الآن عندما أقف على أعتابك لاثماً متباركاً بها، أُخاطبك على خوف ووجل من أن أجرحك بعتاب، أو أن أصفك بكتاب، ولا حتى بجواب، لأنكِ فوق وصف الواصفين، ونعت الناعتين، فأنت في الطُهرِ قِيْمة، وفي الصَّبر قمَّة، ولا أحد مثلي يستطيع أن يصف القِيمة، أو ينعت القمَّة..