العزاء الحسيني وأفضل الخدمات

0

في عهود الظلم والجور في العراق، قديماً وحديثاً، كان الزائرون الى كربلاء المقدسة، ومن يريد إحياء ذكرى مصاب الإمام الحسين، عليه السلام، مختلف الاشكال، يتوجس خيفة من اجراءات المنع والتهديد بالاعتقال والتعذيب وحتى القتل، لذا كان المشي يوم الاربعين، وسائر الشعائر الحسينية يوم عاشوراء، وايضاً الزيارات الخاصة بالامام الحسين، تمثل للمؤمنين نوعاً من الجهاد، والاستعداد لمختلف الاحتمالات، بيد أنه بعد تاريخ 9 نيسان 2003 اختلف الوضع تماماً، و أول ما توفر للزائرين؛ الأمن، كون النظام السياسي الجديد ظهر من واقع المجتمع العراقي، وذلك لأول مرة منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1932، فقد تبنت الحكومة العراقية تأمين الشعائر الحسينية خلال شهري محرم وصفر، لاسيما وأن ثمة تهديدات انطلقت من بعض دول الجوار وأطراف دولية اخرى، وجدت في هذه الشعائر ما يهدد مصالحها ومستقبلها السياسي، كونها تصدر الحماس والروح الحسينية الى شعوب المنطقة وشعوب العالم، فكان لابد من تغذية الجماعات التكفيرية والدموية، مالياً وفكرياً وإعلامياً وحتى دينياً، ليفجروا الوضع الامني علّهم يتركوا أثراً في هذا الجبل الأشمّ.
هذا من الناحية المهنية لاصحاب الاختصاص في المجال الأمني والعسكري، فقد اجتهدوا وبذلوا وضحوا بالكثير منذ الايام الاولى من سقوط الطاغية وحتى استتباب الأمن في معظم مناطق العراق في الوقت الحاضر، لاسيما مدينة كربلاء المقدسة والطرق المؤدية اليها.
وبموازاة هذا الجانب المهني المشكور والمذخور أجراً عند سيد الشهداء، عليه السلام، فان ثمة توجهاً معنوياً ينبض دائماً في نفوس الزائرين دائماً، ليس اليوم أو الأمس، وإنما منذ أول زيارة عرفها مرقد الامام الحسين، عليه السلام، بعد استشهاده، ولذا لم يكن الزائرون يدخروا جهداً للوصول الى مرقده الشريف، لاسيما في زيارة الاربعين، والزيارات المنصوص عليها، بل حتى في ليالي الجمعة، لأن الدافع الأساس؛ الولاء، والايمان، والحب العميق لسيد الشهداء، وأبو الأحرار.
ولكن! هل هذا يعني أننا –وفي الوقت الحاضر- نتعكّز على هذا الجانب ونترك مهامنا في توفير أمن وسلامة الزائرين بأعذار مختلفة؟
في بدايات سقوط الطاغية، انتشر بين الناس حديث لمسؤول أمني في كربلاء المقدسة عندما سألوه عن سبب كثرة الحواجز في الطريق الى كربلاء، وأنها تؤذي الزائرين، فكان جوابه: “هم من يريدون ذلك…! ألا يريدون المشي الى كربلاء”؟!
لنعُد المشي في زيارة الاربعين، او ركضة طويريج، وهما الأكثر حماساً وتجمهراً من سائر الزيارات، من الفلكلور الشعبي، كما يحلو للبعض وصفه، وأنه من الموروثات الشعبية، ومن ابتكارات الناس المحبين لإمامهم، كما هي الطقوس والمهرجانات ذات البعد الاجتماعي والديني في العالم التي يحضرها الملايين، فهل اذا حصل حادث ما في تجمعات كثيفة كهذه، يلقون باللائمة على الناس لأنهم مصرّين على أداء هذه الطقوس الخاصة بهم، أم انهم يبذلون ما بوسعهم لتحويل هذه المهرجانات الى خبر أول في الاعلام العالمي، لتظهر بأروع مظهر، وربما يكون بقصد الترويج للثقافة الى شعوب العالم؟
كل شيء ممكن في تجمعات بشرية من هذا النوع، سواءً في العراق، أو في أي مكان بالعالم، بما فيها مراسيم الحج في السعودية، والتي شهدت حوادث حرق واختناق وغيرها لمرات عدّة، وراح ضحيتها المئات من الحجاج، بين قتيل وجريح، وكلمة الفصل هنا في تحديد المسؤولية عن حصول الأخطاء الكارثية، فمن الصعب جداً إلقاء المسؤولية على الناس، إلا في حالات معينة ومشهودٌ فيها المخالفة للاجراءات الامنية، كما يحصل في مخالفة قوانين المرور في الشوارع –مثلاً- فاذا حصلت كوارث قاتلة بين شاحنات او حافلات في الطرق السريعة، فان اكثر اللوم يقع على السائقين، لأن كل شيء معدّ لضمان سلامة الناس.
نحن عندما نتحدث عن شعار كبير: “خدمة زوار الامام الحسين”، أو “خدمة الامام الحسين”، لابد وأن نعززه بمصداقية عملية على الارض، ومن أبرز المصاديق؛ خدمة الأمن والسلامة، وهي –كما اعتقد- أهم بكثير من خدمة تقديم الماء والطعام للزائرين.
وفي كل عام، وبعد انتهاء مراسيم العزاء ومواساة أهل البيت بمصاب الامام الحسين، في شهري محرم وصفر، من دون وقوع أي خسائر بشرية، او تعرض أحد الزائرين للأذى في أي مكان، وبأي شكل من الاشكال، نعد انفسنا قد وفّينا الدين كخدام للإمام الحسين، بتأمنينا دخول وخروج الزائرين من جميع انحاء العالم، وعودتهم الى ديارهم سالمين غانمين بالزاد المعنوي وبنفحات النهضة الحسينية.