العزاء الحسيني ودور المنبر في نقل أهداف الثورة

0

مثلما يُعدّ شهر رمضان دورة يدخلها الفرد لإصلاح نفسه والرجوع إلى الله –تعالى-، كذلك شهر محرم الحرام دورة يدخلها الموالون خاصة، والمجتمع عامة للوقوف على نهضة الإمام الحسين، عليه السلام، والتأثر بها والاستفادة منها على مختلف المستويات العقائدية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية.
هذه النهضة الثورية التي استمرت على طول السنين بفضل عدة عوامل، كان لها أثراً مهماً في إدامتها وعطائها و اتساع رقعتها لتتحول إلى قضية مجتمعيّة متحركة، ولم تبقَ محصورة في حدود معينة، أو زمن خاص، ومن هذه العوامل؛ إقامة المجالس الحسينية، وخاصة في شهر محرم الحرام، والعشرة الأولى منه، والتي محورها المنبر الحسيني الرائد في الحفاظ على النهضة الحسينية على مدى القرون الماضية إلى وقتنا الحاضر في نقل أهداف ثورة الحسين، عليه السلام، والبكاء عليه وكتابة اشعار الرثاء.

  • نبذة تأريخية

وإذا رجعنا بالتاريخ سنجد إن قبل استشهاد الإمام الحسين، عليه السلام، قد أسس النبي، صلى الله عليه وآله، لهذا العزاء بالبكاء على الحسين، فقد نعى الحسين وبكاه وهو طفل صغير، بعدما أخبره جبريل بمقتله على يد أمّته. واستذكار حادثته من قبل الإمام علي، عليه السلام، عندما مرّ بكربلاء في طريقه إلى صفّين عندما قال: “صبراً أبا عبد الله! صبراً أبا عبد الله بِشَطِّ الفرات”.
وممن أقام العزاء عليه بعد استشهاده تمثل ببكاء الهاشميات والأنصار في المدينة، كأم البنين وزينب وبنات عقيل و أُمّ سلمة، أُمّ المؤمنين، وغيرهن. وكانت هذه المآتم النواة الحقيقية للمآتم الحسينيّة، وفي عام 65 للهجرة أقام التوابون ثلاثة أيام الى جوار قبر الحسين، عليه السلام، وهم يبكون وينوحون عليه قبل توجههم لقتال بني أمية، ثم تبني مجالس العزاء من قبل الأئمة المعصومين، عليهم السلام، عندما أمروا شيعتهم ومواليهم وأشياعهم بإحياء أمرهم بمجالس الحسين، كما في قول الإمام الصادق، عليه السلام، لفضيل: “إنّ تلك المجالس أحبُّها، فأحيوا أمرنا يا فضيل، رحم الله مَن أحيا أمرنا”، وشجعوا على رثائه في الشعر، وأطلقوا الدعوات والتوصيات من أجل الاجتماع والاستماع إلى ذلك، والبكاء على الإمام الحسين، يقول الإمام الصادق عليه السلام: “مَن أنشد في الحسين عليه السلام شعراً، فأبكى خمسين فله الجنّة، ومَن أنشد في الحسين شعراً فأبكى أربعين فله الجنّة”، و ورد عن الإمام السجاد، عليه السلام، كان يقول: “أيَّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين ابن علي دمعةً حتى تسيلَ على خدِّه بوَّأهُ الله بها في الجنة غُرَفَاً يسكُنَها أحقاباً”.
وبين دعوة المعصومين، عليهم السلام، إلى الشعر الحسيني والبكاء عليه، ولدت ظاهرة في أوساط أتباع أهل البيت، وهي ظاهرة الاجتماع وعقد المجالس الحسينية ولا سيما في العشرة الأُولى لمحرم الحرام من كلّ عام، ويتمّ فيها عرْضُ واقعة عاشوراء من قبل خطيب مختص بأمور الفقه والتأريخ الإسلامي، فيما يجتمع الناس مستمعين له في الجوامع والحسينيات والبيوت، ويعتلي الخطيب المنبر الحسيني المطهّر، ويلقي خطبة وعظ و إرشاد وإصلاح لتحقيق اهداف الإمام الحسين، عليه السلام، بهداية الناس وتقوية عقيدتهم وتنمية أخلاقهم الفضيلة، وطمس معالم الرذائل، وكذلك ذكر مسيرة الإمام الحسين، عليه السلام، للحفاظ على هوية واقعة الطف الأليمة مع مر الأجيال، يتخللها قصائد رثاء الإمام الحسين، عليه السلام، في بداية المجلس ونهايته تحكي لسان حال الإمام، ومن معه من الشهداء، ولسان حال السيدة زينب، عليها السلام، وممن حضر تلك الواقعة، ليكون عزاء الحسين مدرسة في علوم القرآن والفقه والأخلاق والعقيدة.
ولم يقتصر أمر نعي الحسين، عليه السلام، على الرجال بل للنساء النصيب في ذلك، كما لم يقتصر الأمر على الشيعة، بل نجد هناك من نعاه من أبناء العامة، وهم كثيرون، وكتب في رثائه شعراً من غير المسلمين، مما يدل على أن ثورته، عليه السلام، لكل الإنسانية وهو موجود بقلب كل نقي.
وفي عصر التكنولوجيا الحديثة، يتم تحديث آليات الخطاب سنة بعد سنة، حتى أصبح الخطباء يلقون خطبهم بأكثر من لغة، كاللغة الانكليزية، والأوردو، كما يتم نقل تلك المحاضرات عن طريق القنوات الفضائية، فأصبح صوت الحسين، عليه السلام، يدوي في كل مكان، بفضل المنبر الحسيني الرائد في تثقيف الناس عقائدياً وأخلاقيا وصناعة الوعي السياسي لدى الأمة وفضح منهج الظالمين، لذا نجد إن أشد ما يخافه الظالم هو تلك المجالس الخاصة بعزاء الإمام الحسين، عليه السلام، لما لها من تأثير في رفض الظلم وتوعية الناس دينياً وأخلاقياً وتنظيم المجتمع بالحضور إليها تلقائياً حباً بالحسين، عليه السلام، مما يرعب الظلمة منها.
وبالأمس القريب في حكم النظام البائد لمسنا ذلك عندما شنّ حملة على خطباء المنبر الحسيني، وقد ألّف الخطيب الحسيني الشيخ حمزة الخويلدي كتاباً بعنوان: “شهداء المنبر الحسيني”، ذكر فيه أسماء الخطباء ممن تعرضوا للإعدام والاغتيال على يد الحكم الصدامي الجائر، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على تأثير المنبر على الواقع السياسي وخوف الظلمة منه لأنه يحمل صدى صوت الحسين، عليه السلام، ضد الظلم والطغيان.

  • تقوية العزاء

ولبقاء تلك المجالس تنقل رسالة الامام الحسين، عليه السلام، بشكل صحيح وكامل، لابد من اتقانها بأحسن وجه عن طريق تصدي الخطباء من ذوي الاختصاص من رجال الدين ممن له المعلومات الكافية والسليمة في نقل المعلومة، والتحليل لدقائق الأمور، مستعيناً بالمصادر الموثوقة ومؤصلاً لها.
وكذلك تهذيب الشعر الحسيني عن طريق دراسة شخصية الإمام الحسين، عليه السلام، وقراءة قضية عاشوراء بعمق، وايضاً؛ الأحداث التي دارت هناك، خاصة وإن أغلب الشعر يُقال بلسان الحال الذي ينبغي أن لا يُسيء للإمام كظهور الإمام بحالة من الانكسار لمجرد إبكاء الجالسين، كتصوير حالة الحسين عندما بقي وحيداً مخذولاً وهو يطلب الماء، والذي يصوره البعض بنفس مكسورة -حاشاه-، أو حالة زينب، عليها السلام، وتصويرها بجزع امرأة عادية تعرضت لفقدان الأحبة! أو عندما يصف أحد الخطباء بأن القاسم، عليه السلام، عندما انقطع شسع نعله انحنى ليشده -ويكمل قوله- بأنه لا يفقه بالحرب لأنه كان صغيراً!! متناسياً بأنه من صلب أبطال وليوث الحرب، والذين يدربون الأبناء منذ نعومة أظفارهم على القتال وحمل السيف.
ومن هنا لا بد من ذكر المصائب التي جرت عليهم دون الإساءة –غير المقصودة- لهم، عليهم السلام، بل نقل الصورة الحقيقية لشخصياتهم العظيمة، سلام الله عليهم، وما ظهر منهم من العزّة والأنفة، و عدم الاستسلام، والاستقامة والكرامة و التضحية والشجاعة و الإباء و الفهم الرشيد للأحداث؛ سواء أ كان ذلك في الشعر أو في أثناء كلام الخطيب؛ فالحسين في يوم الطف ردد “لاَ وَاللَهِ لاَ أُعْطِيكُمْ بِيَدِي‌ إعْطَاءَ الذَّلِيلِ”، كما قال: “ألا وإنّ الدعي بن الدعي قدْ ركز بين اثنتين، بين السلة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحُجور طابت وحجور طهرت، وأُنوف حمية، ونفوس أبية”، فلم يقبل الذلّة للإمام الحسين كل ذي نفس أبية، وكذا خطبتا السيدة زينب، عليها السلام، في الكوفة والشام، والتي نشمّ منها رائحة القوة والشجاعة بوجه الظالم، وغيرها الكثير من الصور العظيمة التي تعكس حقيقة شخصيات أهل البيت، ومدى صبرهم، عليهم السلام، بعزّة وكرامة.
ومعه لا نحتاج أن نتعكز على وصفهم بشكل يسيء لشخصياتهم الطاهرة، عليهم السلام، لمجرد إبكاء الجماهير، لأن الهدف من إقامة هذه المجالس هو نشر الوعي والثقافة والفكر بواسطة إثارة العواطف النقيّة في قلب كل نقي يسمع بواعية الطف على اختلاف مذهبه.