الحسين مدرسة متجددة على مر الزمان

0

الامام الحسين بن علي بن ابي طالب، عليهما السلام، ابن سيدة نساء العالمين، عليها السلام، حفيد الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، وسبطه الثاني، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، وثالث الأئمة الأثنی عشر، وخامس أصحاب الکساء، وأبو الأئمة التسعة المهديين، صلوات الله عليهم أجمعين.
تقدم الإمام للشهادة لأنه علم أن الإسلام يحتاج إلى دماء حتى يعود من جديد.
ان كان دين محمد لم يستقم       الا بقتلي ياسيوف خذيني
فضحّى بنفسه الزکية، وأهل بيته وصحبه الأبرار ليصلح الامة ويُحيي إرادتها، فاستشهد في طريق الحق والإرادة الالهية عزيزاً أبياً.
و بخروجه لمواجهة الطغيان، جسد الامام الحسين، عليه السلام، الامتداد والبقاء للرسالة المحمدية. وبدورنا نحن ايضاً ان نكون امتداداً للقضية الحسينية من خلال إحياء الشعائر الحسينية، و إقامة المجالس الحسينية، وبهذا تنتقل من جيل الى آخر، وهذا أقل ما نقدمه للامام. فثورته صوتٌ ناطق ضد الظلم، وصوت ناصر للحق.
الامام الحسين لم يرد منّا ان نكون ملائكة، إنما ارادنا انسانيين، الحسين يريد منا أن نكون أحراراً، لا ننحني للطغاة، أن لا نبقى تحت نيران العبودية، وأن نعشق الحسين؛ يعني أن لا ننحني إلا لله، و ان نعرف الصح من الخطأ، نتفكر في قضيته المليئة بالعبر والتضحيات ومعاني الانسانية، فالامام الحسين، مدرسة متجددة على مر الزمان، نستمد منها العبر والدروس في كل ميادين الحياة، نتعلم منه الصدق، والوفاء، والشجاعة، والبطولة، والقوة، والأخلاق، والتسامح، والرحمة، والكرم، وكظم الغيظ، والصلاة، والكرامة. فثورته مدرسة نستظل بها في كل زمان ومكان، مدرسة للاجيال، و للصغير والكبير، وللأب، و للأم و للأخ، وللأخت.
النهضة الحسينية سبيل انقاذ لما فيها من جاذبية عجيبة، ولما انفردت به من بطولات وقد اشترك فيها الرجال والنساء والاطفال والشباب، لذلك فهي توثر في كل شرائح المجتمع، انها تربية لكل انسان، وان الحسين لحبلٌ متين، من تمسك به نجا، وتقرب الى الله، ومن استهان به فانه في خسران مبين، فهو سفينة النجاة.
قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: “ألا إنَّ مثل أهلي بيتي فيكم مَثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق”، فالامام الحسين، كالمنبه لكل انسان من غفلة الذنوب، وهو الضمير الحي في نفوسنا.
حين نتأمل في الثورة الحسينية نجد ان الحسين ضحّى بكل شيء، وعانى من المآسي العظيمة، وهي مأساة حقيقة، فنجد ان ما عاناه، هو واهل بيته، وانصاره، لم يكن لها شبيه، مصيبته عظيمة ليس لها مثيل، فهي المواساة الحقيقية لكل أم فقدت ابنائها شهداء.
ان ماكان يسعى اليه الحسين لم يكن الجنة، انما غايته كانت شيئاً واحداً هو الله، و نيّة خالصة لله، حيث بعض الاعمال يقوم بها الانسان لينال غرض دنيوي زائل او ليكسب الأجر في الآخرة، بيد أن في كربلاء كانت الهدف سامٍ حقاً و هو الله، وما دام الهدف لله فانه ينمو، ولا يقف امامه شيء يصده، وهدف ثورة الحسين كان لله، لان الحسين أعلن هدف ثورته قبل خروجه من المدينة: “إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولامفسداً، وانما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي رسول الله أريد ان آمر بالمعروف وانهى عن المنكر”.
وهذا حالنا ايضا مع الامام الحسين، يقول الشاعر مخاطبا الامام الحسين:
تبكيك عيني لا لأجل مثوبة لكنما عيني لأجلك باكية
فعشق الحسين خالصاً لا تشوبه شائبة؛ لا لمنفعة، او لوجود حاجة تدفعنا الى ذلك، إنه صدق النوايا، وهذا مانتعلمه من الامام الحسين، الى جانب دروس عظيمة أخرى منها:

1- الصلاة
للصلاة منزلة عظيمة في الإسلام، فهي أفضل الأعمال العبادية، و أحب الأعمال إلى اللَّه تعالى، وهي من أعظم الطاعات، وأفضل العبادات، وهي عمود الدين، “إن قُبلت قبل ما سواها، وإن ردت ردَّ ما سواها”.
وهي التي تنقذ الانسان من ضلالته، حيث كان الإمام الحسين بن علي، عليه السلام، حريصاً على أداء الصلاة حتى في أصعب الأوقات وأحلك الظروف، فقد أدى الصلاة جماعة بأصحابه في اليوم العاشر من المحرم والأعداء يهجمون عليه من كل حدب وصوب، والسهام تنهال عليه، إلا أنه كان لا يبالي بكل ذلك، وهو واقف بين يدي لله -عز وجل-، وبذلك أعطى الإمام، عليه السلام، الأمة الإسلامية درساً في وجوب المحافظة على الصلاة، والإتيان بها في الشدة والرخاء، في السرّ والعلن، في السلم والحرب، في القوة والضعف، فالصلاة هي عمود الدين التي لا تترك بأي حال من الأحوال.

2- الصبر والرضا التام بقضاء الله وقدره.
في كربلاء المقدسة تتجلى فضيلة الصبر والتسليم لأمر الله سبحانه وتعالى.

3- الحرية.
التفكير الحُر، وعدم التردد عن الحق، و أن نحيا احراراً بكرامة، او الموت في عزة بدل من ذل العيش.
إن الصمت على الباطل ليس حلا، بل مواجهة الباطل وصده واقتلاع جذوره، فان لم تحاربه ستنمو وتتمادى جذوره، فيعلمنا أن الارادة قوة والعقل بصيرة، و أن الحق لايتحدد بكثرة الاتباع او القلة، فالحق قد يسلكه قلة وعقلك بصيرتك وضميرك.
فالحسين هو السلام، وهو منهج نسير عليه، هو مفتاح الطريق الصحيح، الحسين أمل بأعماقنا لايموت أبداً لأنه هو المثال الصحيح للانسان، والقدوة المُثلى التي نقتدي بها، والحسين أكبر من أن تستطيع الكلمات احتوائه، هو أكبر من أن يستطيع شاعر التعبير عنه، أو فيلسوف يفسره.