المرجع المدرسي والحلول الممكنة لأزمات العراق

0

الأزمات الكثيرة والعميقة والمعقدة في العراق لا يمكن حلها بجرة قلم مهما كانت صحيحة وجذرية؛ وذلك لحاجة هذه الحلول الى تفهم وقناعة شعبية بها، وتحولها الى رأي عام يؤدي الى تبني القوى السياسية النافذة بها.

فالتواجد العسكري والأمني الإمريكي المتغطرس في العراق هو واحد من أهم الأزمات، والحل السليم هو بقطع دابر ذلك التواجد وإبقاء الجانب الدبلوماسي للولايات المتحدة فقط، إلا أن هذا الحل بحاجة الى توافقات بين القوى  الفاعلة في العراق وإلى إرادة حكومية قوية لمواجهة تداعيات هذا الأمر.

 

  • الحلول الممكنة

 

لذا يلجأ الحكماء في الحالات المستعصية والمعقدة إلى تقديم الحلول الواقعية الممكنة، وهذا ما يمكن النظر إليه في معظم الحلول التي يطرحها سماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي في الساحة العراقية.  فقد أبان سماحته عشرات التوجيهات التفصيلية بشأن أكثر الأزمات المهمة في العراق، رغم أن سماحته سبق ولا يزال يطرح الحلول الجذرية للتغيير السليم في العراق، وهو أن يسير وفق الحكم الإسلامي الصالح بما يعنيه من تغيير لبنية الحكم في العراق وتغيير لإستراتيجياته وتوجهاته وأدواته، إلا أن سماحته يدرك أن هذا الحل الجذري يحتاج الى تهيئة واسعة وزمن ليتحقق.

إن فهم منهجية ومباني  سماحة المرجع في الحلول السياسية والاجتماعية يجعلنا ندرك طبيعة توجيهاته وحلوله المقترحة.

 

  • بيان المرجع حول دمج الحشد

 

لقد دعا سماحة المرجع المدرسي في بيان له صدر في أوائل تموز ٢٠١٩  إلى أمرين:

الأول: تصحيح قوانين الانتخابات عامة.

الثاني: ترشيد قرار رئيس الوزراء بدمج الحشد الشعبي بالقوات المسلحة.

ففيما يتعلق بالأمر الأول، انطلق سماحته من قانون انتخاب مجالس المحافظات الذي عدّه ضعيفاً ولا يؤدي الى انتخاب العناصر الكفوءة المتصدية. وقد باتت نتائج هذا القانون واضحة للعيان بعد نتائج الانتخابات السابقة، والتي صعد فيها بعض الأشخاص الذين أداروا ظهورهم للجماهير وقضاياهم ولم يكونوا عناصر تغيير ايجابي.

إلا أن سماحته انتقل من الجزء الى الكل، حين دعا الى إحداث تغيير شامل في “قوانين الانتخابات بصورة عامة لتكون أقرب إلى اختيار الأصلح والمحافظة على السلم الأهلي”.

ونرى التركيز هنا على هدفين واضحين هما: اختيار الأصلح، والسلم الأهلي. وذلك لأن العراق يعيش حاجة ماسة الى التغيير والتقدم الشامل، كما هو بحاجة الى أفضل الكفاءات الصالحة على أن تكون التغييرات تؤدي إلى الحفاظ على السلم الأهلي وعدم إحداث تصدعات بين مكوناته. وهذا يتطلب بذل المزيد من الحوارات البناءة لإقناع مختلف الأطراف بتلك الحلول وإشراكها في تبني تلك الحلول بعد إقرارها في البرلمان.

 

  • قضية الحشد الشعبي

 

وهي التي باتت موقع تجاذبات محلية ودولية. فعلى الرغم من أهمية الحشد القصوى في المحافظة على الأمن العام في البلاد، إلا أن بعض القوى الدولية والإقليمية المعادية وإمتداداتها داخل العراق ترى في الحشد خطورة حقيقية لأنه جاء بإرادة المرجعية الدينية وقوى الجماهير، وبالتالي فهو غير خاضع تماماً للقرار الحكومي وإن توافق معه في المرحلة الماضية. فاذا كانت هذه القوى المعادية والتي تمثل إرادة الغرب، ترى في نفسها القدرة على ممارسة الضغط على الحكومة العراقية في هذا الشأن أو ذاك، إلا أنها غير قادرة على إخضاع الحشد الذي يستمد قوته وقراره من المرجعية الدينية والشعب. لذا نرى ان تلك القوى المعادية استخدمت ماكنتها الإعلامية الواسعة ضد الحشد بتهم واهية، إلا أنها وجدت هوى ورغبات لدى بعض الجهات التي عادت الحشد منذ اليوم الأول لقيامه.

رأي سماحة المرجع في بيانه حول الحشد جاء متوازناً بقوله: “نرى أن هذا القرار قد يحقق الهدف الرامي إلى تفاعل روح الحشد الوثّابة مع ميّزات القوات المسلحة من الانضباط العسكري والتقنية المتقدمة”، وهنا أعطى سماحته هدفية مهمة في حال إنفاذ قرار الدمج من جهة إرتقاء أبطال الحشد الى المزيد من الأنضباط العسكري واستحصال التقنية المتقدمة في المجال العسكري، إلا أن سماحته أبان عن أهمية بقاء الحشد كقوة عسكرية لها شأنها الخاص بقوله: “إلا أننا ـ في الوقت نفسه ـ بحاجة دائماً وأبدا الى ظهير وذراع اجتماعي لقواتنا المسلحة لتحشيد امكانات الشعب في مواجهة الأعداء عند تعرضنا لأخطار خارجية أو داخلية -لا سمح الله-” وبالتالي فلابد من إبقاء الحشد في دائرة الاستقلال الذاتي وخصوصيته الشعبية وعدم ذوبانه في القوات المسلحة بشكل تام.

وهنا فتح سماحته الباب للمزيد من التروي والتفكّر العام لتحقيق هدف إرتقاء الحشد وهدف الحفاظ على استقلاليته، لذا نرى أن سماحته اختتم هذا الموضوع بالقول: “فإن علينا البحث عن طريق وسط لتحقيق الهدفين الرئيسيين المرجوين”.

إن هذا الطرح المتوازن يدفع بإتجاه تحقيق رقي الحشد والحفاظ عليه أمام الضغوط الداخلية والخارجية من جهة، وقدرته على المضي قُدماً في أهدافه الشرعية المقدسة في الحفاظ على أرض المقدسات من كل إعتداء .

مثل هذا الطرح هو عين الحكمة والواقعية التي تنطلق منهما المرجعية الرسالية في تناولها لقضايا العراق في الزمن الحالي.