البهجة المونقة

0

وسط فرح وسرور اجتاح أروقة قصر الامبراطورية القسطنطينية، باذلين الى تزيينه كل الذهبيات، والمجوهرات، كانت الاجواء مشحونة؛ فالخدم يسارعون في تنفيذ الاوامر، والقساوسة والرهبان مستعدون لبدء المراسيم، كان القصر يحتفي بأربعة آلاف شخص، يختلفون في طبقاتهم ومسؤولياتهم، إلا ان جميعهم من الاشراف، بينهم قُوّاد المملكة، والنقباء وملوك العشائر القادمين من جوانب مختلفة من بقاع روما.
كانت الاعمدة منتصبة، والصلبان مرفوعة، وبدت منصّة الفرح مهيأة بشكل تام لصعود العريس ادموند فكتور عليها.
كان منظر المنصّة وهي ترتفع عن الارض أربعين درجة، كالثريا؛ إذ إن القيصر باراداس كان ضنينا في تحليتها بأفصاد الذهب، و انواع الحُلي الثمين لزفاف أميرته مليكة لابن اخيه ادموند.
تأهب ادموند لوضع قدمه على المنصّة، فنشرت أسفار الانجيل، وبدأ القساوسة يرتلون و يرنمون احتفاءً بالزواج الذي دبره القيصر.
كانت ملامح المعارضة والحزن بادية بشكل جليّ على وجه مليكة، ولكنها؛ ولإلحاح ولجاجة جدّها خضعت لرغبته، ولما كانت حسنة الخلال، خلوقة، لم تشن حربا على جدها لتعارضه في رأيه، رغم ان في داخلها ما يُنبئها بانها ليست نصيباً لادموند، ولا لأحد يقطن في القصر او في روما كلها.
وربما نشأت هذه القناعة لديها لابتعاد اكثر الرجال هناك عن الالتزام بتعاليم دينهم.
كانت المفاجأة حالما وضع العريس أحد قدميه على منصة الفرح، إذ ان المكان الذي يمثلون فيه اصابته هزّة بدت أبين في الاعمدة والصلبان المنصوبة. فاهتز الصليب الكبير فجأة وكأن يداً أرجحته ليقع على رأس ادموند فسقط مغشيا عليه .
تهيب الجمع، واصفرت وجوههم، وارتعدت فرائصهم، وقال كبير القساوسة:
-أيها الملك! اعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالّة على زوال هذا الدين المسيحي والمذهب الملكاني.
فتطيّر الملك تطيّراً شديداً، وأمر بإقامة الاعمدة، و رفع الصلبان من جديد، و أن يأتوا بأخ ادموند ليزوجه من الاميرة ليدفع النحوس بسعوده.
أصر بارادس على الاستمرار، واصر القدر ايضا على الانهاء فكان للثاني نفس المصير!
فاستحيل الفرح حزنا، وانتهى الناس الى الخروج، وقام باراداس والحزن والغمّة تعلو وجهه المجعد بنتوءات رسمتها السنين على محياه .

***

لانبثاق النور من جديد في عصر استولى الظلام الحالك، لابد من رسم خريطة محددة السبل والمقاصد، وهذا ماحدث في روما.
رمى القدر سهامه و اشعل اللواعج في خبايا صدر فتاة اراد لها ان تطوي الارض سيراً للقاء المصير الذي سيغير العالم ويحيل ظلامه انوار من الملكوت.
في الليلة نفسها عندما أوت مليكة الى مضجعها رأت مناماً واقعا أشبه منه حلما.
في عالم الطيف كان هناك طائفة من القدسيين ترأسهم نبي المسلمين محمد، صلى الله عليه وآله، ونبي النصارى؛ عيسى بن مريم، و شمعون الصفا، وعدة من الحواريين، و قد نُصب منبراً منتصبا ينافس العلياء علواً وارتفاعا، محل عرش القيصر باراداس .
فشرع نبي الاسلام يحدث عيسى قائلا:
– يا روح الله! إنّي جئتك خاطباً من وصيّك شمعون فتاته مليكة لابني هذا، و أومأ بيده إلى أبي محمد الحسن بن علي العسكري، عليه السلام.
فالقى عيسى بمقلتيه صوب الحواري شمعون الصفا وقال له:
– قد أتاك الشرف، فصل رحمك برحم رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم. فأجابه شمعون:
– قد فعلت.
ولما أجابه بالموافقة صعد النبي الاكرم على ذلك المنبر و راح يخطب السيدة مليكة لابنه الحسن، وشهد على ذلك عيسى وابناء النبي، والحواريون، عليهم السلام.
ان الوجد اذا ما اصاب قلبا جعله طريحاً، أسيراً بين حرفي الحاء و الباء.
لما استيقظت السيدة مليكة، أسرّت الرؤيا، و لم تخبر بها احدا، حتى والدها، وجدها، خوفا من القتل.
كان هناك شيئاً جديداً في حياتها، شيئاً ملكوتياً يربطها بذلك الرجل العربي المُسمى؛ أبا محمد، فامتلأ شغاف قلبها حباً و ولهاً به، حتى مرضت مرضاً شديد، ونحل جسدها وامتنعت عن الطعام، ثم ان مخالب المرض اصابها، فلم يبق طبيب في روما لم يزرها، فلم يوفق احد في إيراد الدواء الناجع لها.
هي لا تريد العقاقير بل تريد من هذا التباعد ان ينتهي.
كانت مثل وردة ذابلة تتوق الى السقي باللقاء. و إطفاء نار الشوق بلمّ الشمل.
ان الرباط الذي يربط قلبيهما كان أشد من ان يفرقه أحد، فهو رباط ملكوتي مقدس، ولكن الالم في ذلك البعد والهجران.
بعد ان قنط جدها باراداس من الاطباء، سألها ان كانت ترغب في شيء لعل فيه علاج هوانها ودواء ضنكها.
– يا قرّة عيني! هل يخطر ببالك رغبة فاُزودكي بها في هذه الدنيا؟
– يا جدّ! أرى أبواب الفرج عليّ مغلقة، فلو كشفت العذاب عمّن في سجنك من أسارى المسلمين، وفككت عنهم الأغلال، وتصدّقت عليهم، ومننتهم بالخلاص، لرجوت أن يهب المسيح واُمّه، عليهما السلام، لي عافية وشفاءً.
ففعل القيصر ذلك نزولاً عند رغبة حفيدته.
إلا انها ادعت الشفاء في بدنها، فاكلت يسيراً من الطعام، فسعد الجد وقام يكرم الاسرى ويعزهم.

***

سيكون هناك لقاء
بعد الهجر بعد الجفاء
بعد النكد وبعد العناء
تتاسبق فيهن الذكرى، وتعود تحلق في الارجاء
لترسم لوحة مضرجة بعيون وامقة تروي رثاء
ان شاء القدر سنلتقي ونحلق صوب العلياء
و نرنم أحلى ذكرى لحبيبين اجتمعا قدرا، و ارادوا لهما كل شقاء
لكنهما اتحدا أمما من روما الى بغداد، رغم البعد رغم الاعداء

***

في الليلة الرابعة، ومع السكون الذي اجتاح قصر الامبراطورية، حلّ الهدوء واضطجع الجميع حتى اميرتهم الصغيرة؛ مليكة، اطبقت اجفانها فسافرت في عالم الاطياف الملكوتية بيد المشيئة الالهية، واذا بها تشاهد منظر ترتعش له الاوصال وتخفق له القلوب خشوعا وايمانا .
هبطت سيدة جلية القدر على كل نساء الارض تحمل رائحة بيت النبوة والطهر، سليلة الرسالة المحمدية، وعبقة الجنان الازلية، ذات الشرف الاصيل والحب الغزير والحسن الوفير؛ فاطمة الزهراء، سلام الله عليها، وبرفقتها أم المسيح مريم العذراء، عليها السلام، وبصحبتهما الف وصيفة، وكأن من يراهن يَحسب أن دُرر الجنان هبطت على الارض ترأسهن ياقوتة الفردوس الاعلى.
فتبتدأ العذراء بالحديث وتشق جدار الانتظار الموصد على الاميرة الحسناء:
– هذه سيدة نساء العالمين، واُمّ زوجك أبي محمد، عليه السلام.
فأخذت العيون تلقي بالدموع تبياناً للحنين واللهفة اللذان عصفا بالاميرة، فتمسكت بأذيال ثياب سيدة النساء، واطلقت العنان للنحيب شاكية امتناع الحبيب عن ملاقاتها.
فتجيب السيدة البهية و في ثغرها سحر يكاد يلهب الدنيا بالاشراق كبزوغ الشمس في أفق الفلق:
– إنّ ابني، عليه السلام، لا يزورك وأنت مشركة بالله وعلى مذهب النصارى، وهذه اُختي مريم، عليها السلام، تبرأ إلى الله تعالى من دينك، فإن مِلتِ إلى رضى الله –عزّوجلّ- و رضى المسيح ومريم، عليهما السلام، عنك وزيارة أبي محمد، عليه السلام، إيّاك فقولي:
– أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ أبي محمّداً رسول الله.
وما ان نطقت السيدة مليكة بالشهادتين حتى ضمّتها السيدة فاطمة الى صدرها فطيبتها من دائها و اعادت لها الحياة كمن القي في فيه ترياق الشفاء بعد سقم طويل قائلة:
– الآن توقّعي زيارة أبي محمد، عليه السلام، إيّاك فإني منفذته إليك.
وما هي إلا لحظات حتى تنبهت الاميرة من منامها وهي تقول:
– وا شوقاه إلى لقاء أبي محمد.
لم ترقب طويلا حتى أمطرت سماء الشوق بقطرات لقاء وامقة وهي تعاتب لواعج الانتظار القاسي.
ها هو الحسن ذا يقدم اليها بعمامته الخضراء وثيابه العربية. عندما تنظر اليه ستجد ومن اول وهلة انه من رجال السماء، في وجهه سيماء الاولياء وخلال الانبياء، ذو سحنة مليحة، عبادته لله مطبوعة على محيّاه .
بعد ان تلاقت العيون أطلق الفاه بالعتاب.
– جفوتني يا حبيبي بعد أن شغلت قلبي بجوامع حبك؟
فيخاطبها بحديث تطيب له المسامع ويخضع له بهدوء وسكينة كل مخلوق فيحلو في حديثه الكلام ويُصغي له بكل رضى.
– ما كان تأخيري عنك إلاّ لشركك، وإذ قد أسلمت فإنّي زائرك في كل ليلة إلى أن يجمع الله شملنا في العيان.

***

ان الاصطفاء مرهون ومقيد ومشروط بان يكون المصطفي هو الذي يختار من هو كفؤ للمهام، ولاسيما ان كانت مهمة عظيمة غايتها ارساء دعائم الدولة الالهية على يد المنقذ، و آخر رجالات السماء، كما هو مكتوب سلفا بان ايجاد وولادة المنقذ يقتضي تكبد العناء والاخطار لبلوغ المنشود.
في احد تلك الليالي المتألقة بلقاء الامام الحبيب، أخبرها ببعض ما يتوجب فعله للحضوة في لَمّ الشمل في العيان. فلم تكترث الاميرة باشراط اللقاء بل مضت تخطط للهروب من حجر الضيق المظلم الى الدوحة الباسقة النضرة. وجرى حرفيا ما اخبرها به الامام، عليه السلام.
فها هي الحرب الشعثاء تقذف نيرانها بين روما والاسلام، فانتهزت الفرصة وهربت بصحبة أربعة من وصيفاتها وحارسها الامين بتراوس.
لقد كانت النار تستعر في كل مكان، والهجمات متتابعة والاعداء يتكومون من كل صوب، بل كان في روما نفسها اعداء للاسرة الحاكمة، وفي خضم تلك المآسي، شقت الاميرة طريقها من غير توان، ولم تكن تنوي مطلقاً ان تترك الامر بعد ان شاركت اميرها الهدف ذاته.
ان الله يحصن أوليائه، فكان كل ما يحيط بالنرجسة مدافع محام عنها وهي تمر بالوديان والجبال والمناطق الغريبة التي ربما لم تطأ اقدامها من قبل.
كانت حركة الطبيعة دؤوبة بالمعاجز، مواصلة عملها الدفاعي حتى تُلقي بهذه الصفّية في احضان الفرات ليستقبلها رسول الامام الهادي، عليه السلام، بشر بن سليمان النخاس.
عند معبر الفرات قد تجمعن السبايا، وخرج منهن الجواري، ونصب المبتاعين تجارتهم وكان احدهم المسمى عمر بن يزيد.
تنقلت نظرات بشر بين الجواري وما لفت انتباهه احداهن، كانت التفاصيل ذاتها كما اخبره المولى الهادي، ولاحظ بانها ترتدي حريرتين نسيجهما كثيف، ضنينة في سترها، تحجم عن من يحاول ان يلمسها، أبية، ذات أنفة لمن يحاول التمتع من بين سترها، ولذات السبب ضربها عمر بن يزيد فصرخت صرخة رومية: “وا هتك ستراه”! ولعفتها تلك طمع فيها احد المبتاعين:
– عليّ بثلاثمائة دينار، فقد زادني العفاف فيها رغبة.
فتأبى العرض بكل كبرياء:
– لو برزت في زي سليمان، عليه السلام، وعلى مثل سرير ملكه، ما بدت لي فيك رغبة، فأشفق على مالِك.
فيرد عليها النخاس عمر: فما الحيلة، ولابدّ من بيعك؟
فتقول: وما العجلة؟ ولابدّ من اختيار مبتاع يسكن قلبي إليه وإلى أمانته وديانته.
اجل هذا هو الشرط التي تجنح اليها كل عفيفة، قد اخذ الايمان بروحها نحو الكمال تاركاً خلفه كل السفاسف الدنيوية.
ومن خلال جُل هذه العلامات علم بشر انها المقصودة.
فتقدم مخاطبا عمر:
– إنّ معي كتاباً ملصقاً لبعض الأشراف، كتبه بلغة رومية وخطّ رومي ووصف فيه كرمه ووفاءه ونبله وسخاؤه، فناولها لتتأمّل منه أخلاق صاحبه، فإن مالت إليه ورضيته فأنا وكيله في ابتياعها منك.
وما ان تناولت الكتاب ووقعت عينها عليه حتى أهملت عيناها بالدمع الغزير، ثم حدثت عمر قائلة:
– بعني من صاحب هذا الكتاب.
وآلت في حال عدم بيعها له قتلت نفسها.
وقام بشر يشاحه في ثمنها حتى استقر على الدنانير التي اعطاها له الامام الهادي، عليه السلام، في الصرة الصفراء التي حوت مائتان وعشرون دينارا. فاخذ عمر المبلغ، فاستبشرت مليكة بذلك وسرت أيما سرور، حتى اذا تم البيع أخرجت الكتاب واخذت تلثمه وتضعه على رأسها فدهش بشر بذلك فساءلها:
– أتلثمين كتاباً ولا تعرفين صاحبه؟
فاخذت ترد عليه وتعرفه نفسها: أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم، واُمّي من ولد الحواريين تنسب إلى وصي المسيح، عليه السلام، شمعون. واخذت تقص عليه جميع ماحدث معها من يوم انهيار الصلبان حتى لحظة ابتياعها ومعرفتها ببيت النبوة عن طريق الرؤيا التي ستنال منها شرف الابد.

***

يتعاقب الليل والنهار ويسير الازهران فتدخل النرجسة مدينة السرور لاستقبال البشارة المُنتظرة، والبهجة المونقة، التي تورق سنينها كل عام في قلوب المنتظرين.
دخلت النرجسة البيت العلوي، وكحلت عيناها بلقاء إمام زمانها المولى الهادي، عليه السلام.
– كيف أراك الله عزّ الإسلام وذلّ النصرانية وشرف أهل بيت محمد، صلى الله عليه وآله وسلم؟
– كيف أصف لك يا بن رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، ما أنت أعلم به منّي؟
– فإنّي اُريد أن اُكرمك، فإيّما أحب إليك: عشرة آلاف درهم؟ أم بشرى لك بشرف الأبد؟
– بل البشرى.
– فأبشري بولد يملك الدنيا شرقاً وغرباً، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
– ممّن؟
– ممّن خطبك رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، له من ليل كذا من شهر كذا، من سنة كذا بالرومية.
– من المسيح، عليه السلام، ووصيّه.
– ممّن زوّجك المسيح، عليه السلام، ووصيّه؟
– من ابنك أبي محمد، عليه السلام.
– فهل تعرفينه؟
– وهل خلوت ليلة من زيارته إيّاي منذ الليلة التي أسلمت فيها على يد سيدة النساء، اُمّه؟
وبعد دقائق أمر الامام الهادي خادمه كافور بمناداة السيدة حكيمة، فلما اقبلت ضمها اليه كثيراً، ثم أردف يقول، عليه السلام: يا بنت رسول الله! اخرجيها إلى منزلك، وعلّميها الفرائض والسنن، فإنها زوجة أبي محمد، عليه السلام، واُمّ القائم، عليه السلام.

***

“نرجس يا سوسنة الأودية وعبق الزهور يا سليلة التاج ومجد الصفا. منك يخرج غصن الياس قضيب من جذعه، وغصن من أصوله، من بين عينيك يخرج نور الشعوب، وقرة أعينهم الجالسون على الأرض، أشرق عليهم نورك، ففرحت الأمم وتعاظم لها الفرح كما يفرح الحصادون. يا ابنة الصفا وفخر مدينة السرور، منك سيورق الغصن وتكون الرياسة على كتفه، وُيدعى اسمهُ عجيبا مشيرا قديرا رئيس السلام، يحمل صولجان أبيك ويجلس على كرسي مجده”. الاب حيرام الرامي، صلاة القديس مرذاريوس في السلام الملائكي.
في النصف من شهر شعبان في عام ٢٥٥للهجرة، و في تلك الليلة المباركة كانت العائلة الصغيرة تواقة لظمّ الوليد، مرتقبة على أحرّ من الجمر بزوغ أمل الارض الموعود.
ولما كانت الدولة العباسية الجائرة تضيق الخناق على البيت العلوي وتترقب هي الاخرى ولادة الموعود كما بشر به جده رسول الله، صلى الله عليه وآله، لتقضي عليه خوفا من ان يزلزل عروشهم كما كان يفعل فرعون في قتل حديثي الولادة، أخفى الله حمل السيدة نرجس، ولم تظهر عليها آثار الولادة حتى الفجر .
قاسمت ام موسى في الاجر وقرة العين، فأودع الله المهدي كما اودع موسى، واقر عيناً أمه برجوعه كذلك الحال لنرجس .
فياله من شبه عظيم، يكمن في تلك الحكمة العليا .
في السحر، وقت انقطاع العشّاق بمعشوقهم واختلائهم بالمناجاة والتبتل اليه، بين قيام وقنوت وقعود، وترتيل سور الحب المباركات أخذت السيدة حكيمة تطمئن على النرجسة بين الفينة والاخرى، ولا يزال ـثر الحمل مخفيا، حتى اذن له بالاستبانة فاستفاقت السيدة فزعة قد بانت الآم المخاض عليها، فانّت انّة وضعت فيها وليدها المبارك، الذي استقبل الدنيا بسجدة لله الواحد، فضمته بحجرها واذا بالمولا العسكري ينادي عليها: “يا عمّة هلمّي فأتيني بابني”، فاخذته له ليتحدث ثغره بإذن ربه مبينا ذلك اليوم الذي سيكون خالٍ تماما من كل عتاة، عالم خال من الشر، مذخور فيه سيد سماوي ينشر الحب والامل والامان بكل صقاع الارض:
بسم الله الرحمن الرحيم {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ}.
لقد ولد الامل وشع سنا، واشرقت الارض بنور ربها، فتسابقت الملائكة مسرورين في خدمته و أيعنت الاشجار اليابسة جذلى فور حضوره، وترنمت الرياح راقصات وهن يلامسن خدود زهور الزنبق والتوليب، و اورقت النراجس بجانب كل طريق، وفاضت المياه كانهار الجنة الجارية، كأن الدنيا صارت مفهوم اخر للفردوس. كان الكون شبيه بقصيدة عرفانية، يغرق في وزنها وقافيتها النجوم والاجرام السماوية :
سبحان من جمّلكَ … سبحان من سوّاك
سبحان من عظّمكَ … سبحان من سمّاك
مرّ الى الان ١١٨٥ عاما ولا زال الامل حليف القلوب المرتقبة التي تتقوق سقياً من كف الحبيب الغائب عن العيون الحاضر في الوجدان.
أجل؛ سيعانق المشتقاون الذين انهكهم الفراق بلوعة جامحة، سيربت على قلوب المنكسرين، سيكون عونا للمظلوم على الظالم؛ سيفاً يشق فيه جلابيب الظلام بنوره الدائم .
قوتان تتصارعان فيه؛ الاولى: سيأتي والثانية لن يأتي، وهذا شأن من كان خاويا هاويا قد تلبس به اليأس تلبسا محكما، ولكن الغلبة لاولئلك الذين يوقنون بان مادام الله حرّم القنوط فلا لليأس، فالمولى سيأتي و لن يختفي القمر ولن تجليه السحب وان تراكمت، سيأتي وستبرق السماء دوياً كتحية تشريفية لحضوره .