المناجاة الشعبانية – الحلقة الرابعة

(اللهم صل على محمد وآل محمد)

0

ينبغي ان نتوقف عند المحطة الأولى من محطات طريق المؤمنين، إنه؛ الصلاة على النبي وعلى آله الكرام.
يقول ربنا سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم: {إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً} (سورة الاحزاب، الآية56).

أول سؤال يُطرح؛ كيف يجمع البارئ -عز وجل- في هذا السياق القرآني بين ثلاثة أنواع من الصلوات؟ فهل هي حقيقة مشككة واحدة؟ وما هي علاقة هذه الأنواع من الصلوات ببعضها؟

لكي نجيب على ذلك يجب ان نبين بصيرتين قرآنيتين في التقديم.

أولاً: حينما يكون الكلام عن مقام العزة والجلالة، فستعجز الكلمات عن التعبير، ومن هنا فمفاهيمها تختلف عن المفاهيم المرتبطة ببني البشر.

فالكلمة تعني المبدأ والغاية، ولكن حينما يرتبط الأمر بالله –تعالى- يجب العمل وفق القاعدة المعروفة؛ “خذ الغايات ودع المبادئ” فالمبادئ تتلاشى عند الحديث عن الرب.

ثانياً: إن كلمة الصلاة في الإشتقاق الكبير من الصلة، والصلة من التقارب، فتقارب الأشياء ببعضها صلة هذا بهذا، فصلة الرحم –مثلاً- تقارب بينهما، سواء قلنا إن الصلاة من “صلي” او من “صلوا” على القولين، لا يختلف الأمر في الاشتقاق الكبير.

وحينما يكون التقارب بين شيئين، فكلٌ يعطي المعنى بحسبه، فمثلاً؛ لو نفترض الصلة بين الإنسان والشمس؛ فصلة الإنسان بالشمس هي التلقي و الاستضاءة و أخذ الدفء وغير ذلك، كما أن صلة الشمس بالانسان هي الاضاءة وإعطاء الدفء، فالصلة واحدة، لكن الفرق بين المستويات.

والقرآن الكريم حبل ممدود بين العبد والرب، فمن قبل الله –تعالى- العطاء والعطف وكل خير، ومن قبل العبد (الانسان) التسليم والعمل والطاعة.

إذن؛ فالصلاة اذا كانت صِلة، فصلة العبد بربه هي صلة أن يتقرب، وأن يدعو، وأن يستفيد، وصلة الرب بعبده أن يعطيه من فضله ما يشاء، وحينما يكون النبي، صلى الله عليه وآله، محور الصلة بيننا وبين الله تعالى، والوسيلة بيننا، فستكون صلة الله تعالى بنبيه، العطاء اليه بأن يشرفه ويعظمه ويكرمه ويرفعه، ويبلغه المقام المحمود، ويعطيه الوسيلة، وهذا هو معنى صلة الله بالرسول، صلى الله عليه وآله، أما صلتي بالرسول فستكون أن أتعبد بكلامه وأستنير بهداه وأن أدعو له.
أما صلاة الملائكة فيبدو ـ والله العالم ـ أنهم يجمعون بين الصلتين؛ فمن جهة يدعون لعباد الله المؤمنين، وهذا ما نجده في بعض الآيات القرآنية؛ ويقومون بدور في ايصال رحمة الله الى العبد من جهة أخرى.

ومن هنا، نجد أن كلمتي الله وملائكته في قوله تعالى: {ان الله وملائكته}، جاءتا في سياق واحد، بينما أتى أمر المؤمنين بالصلاة في سياق آخر، فهناك نوع من الاختلاف بين الصلاتين.

أما معنى كلمة الصلاة أساساً، فهو الترأف والترحّم، وأما الدعاء فهو من أبعاد الصلاة، كما أن من أبعادها الرحمة الى الآخرين، ومن هنا فلعلّ من أوضح مصاديق صلتنا بالنبي، صلى الله عليه وآله، و أبرزها أن نستفيد منه لنخرج من الظلمات الى النور، والى ذلك تشير الآية المباركة: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} (سورة الاحزاب، الآية43).

وفي ذلك يروي لنا أبو حمزة عن الإمام الصادق، عليه السلام، عن قول الله عزوجل: {إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً}، يقول، عليه السلام: “الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ رَحْمَةٌ وَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ تَزْكِيَةٌ وَ مِنَ النَّاسِ دُعَاءٌ، وَ أَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ {وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً} فَإِنَّهُ يَعْنِي التَّسْلِيمَ لَهُ فِيمَا وَرَدَ عَنْهُ”.

 

  • آفاق وحكم للصلاة على النبي

فصلاة المؤمنين التي أوجبها الرب علينا في صلواتنا، و ندب إليها في كل وقت، و بالذات عند ذكره، صلى اللّه عليه و آله، فيها آفاق وحكم عديدة ولعل من أبرزها:

أولاً: تصحيح عقيدة المسلم، ففي الوقت الذي يجب ان يعظم المسلم نبيه، صلى الله عليه وآله، لا يجوز ان يغلو فيه فيمرق من الدين، بلى؛ يكرمه من خلال الدعاء الى اللّه سبحانه لتبقى صلته الاولى بربه، و من خلال توحيد اللّه، و حبه الشديد يكرم المسلم الرسول و يحبه، و في ذات الوقت تبقى علاقته بالرسول وسيلته للتقرب الى اللّه، و من دون التسليم له و لمن أمر الرسول باتباعه، و من دون حب الرسول و حب من أمر بحبهم لا يمكن ان يتقرب المسلم الى ربه.
ثانياً: إن ذلك حق علينا تجاه الرسول الذي أجهد نفسه من أجل البشرية، و تحمل الأذى في سبيل هدايتها، حتى‏ قال، صلى الله عليه وآله: “ما أوذي نبيّ قط بمثل ما أوذيت‏”، و أبرز شكر نقدمه للنبي (صلى الله عليه وآله) على ما نملك اليوم من الهداية و الخير، اللذين كانا بسببه، يكون بالصلاة عليه (الدعاء له).

قد يقول قائل: وما فائدة دعائنا للنبي؟ أ و ليس هو أفضل الخلق وأقربهم منزلة من الله؟

والجواب على ذلك: أن لهذه الصلاة فوائد شتّى، منها؛ درجة النبي ومنزلته، صلى الله عليه وآله،ـ على علوها ـ ترتفع بصلاة العبد، أ و لم يعدنا ربنا سبحانه وتعالى حين قال: {وقال ربكم ادعوني استجب لكم}، فحين يكون الدعاء للنبي، صلى الله عليه وآله، فلماذا لا يستجاب؟ والدرجات بين العبد وبين ربه لا تتناهى، فالنبي يرتفع، ويرتفع، ولا يتوقف عند حد، ولذلك نقول ربنا آت محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، فقد ورد في غير واحد من الأدعية الشريفة ذلك كما في بعضها أنه “يُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ” ثم يقول:”اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَ الصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّداً الْوَسِيلَةَ وَ الْفَضِيلَةَ وَ ارْزُقْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْتَهُ وَ ارْزُقْنِي شَفَاعَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَة”.

وقد أمرنا رسول الله، صلى الله عليه وآله، بذلك ففي الحديث عنه، صلى الله عليه وآله، أنه قال: “أَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يَوْمٌ يُضَاعَفُ فِيهِ الْأَعْمَالُ وَ اسْأَلُوا اللَّهَ لِيَ الدَّرَجَةَ الْوَسِيلَةَ مِنَ الْجَنَّةِ”، قيل يا رسول الله و ما الدرجة الوسيلة من الجنة؟ قال: “هِيَ أَعْلَى دَرَجَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ لَا يَنَالُهَا إِلَّا نَبِيٌّ أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا”.

ثالثاً: إن صلاتنا عليه تعود علينا بالنفع و الخير، كما جاء في الدعاء للمؤمن، ففي الحديث قال الامام الصادق، عليه السلام: “دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب يسوق الرزق، و يصرف عنه البلاء، و يقول له الملك: لك مثلاه”.

و حينما ندعو اللّه للرسول ان يرفع درجته من الناحية المعنوية و المادية فنحن أيضا ترتفع درجاتنا كتابعين له.
جاء في الحديث المأثور عن الرسول، صلى الله عليه وآله: “من صلى عليّ صلى اللّه عليه و ملائكته، فمن شاء فليقل و من شاء فليكثر”.

ان الرسول هو قائدنا في الدنيا و الآخرة، فكلما ارتفعت درجته، و علا مقامه، فان درجات المؤمنين به ترتفع و تعلو، فقد جاء في حديث مأثور عن الامام الصادق، عليه السلام: “ان رجلا أتى النبي فقال: يا رسول اللّه أجعل لك تلك صلاتي، لا بل اجعل لك نصف صلاتي، لا بل أجعلها كلها لك، فقال رسول اللّه إذا تكفى مؤونة الدنيا و الآخرة”.

و في رواية: “ان رسول اللّه جاء ذات يوم و البشرى ترى في وجهه، فقال النبي: انه جاءني جبرئيل، فقال: اما ترضى يا محمد ان لا يصلي عليك أحد من أمّتك صلاة واحدة إلا صليت عليه عشرا، و لا يسلم أحد من أمتك الا سلمت عليه عشرا”.

و حتى في الدنيا، فانه كلما ارتفعت درجته، صلى الله عليه وآله، كلما ارتفع شأن المسلمين جميعاً، بل إن الصلاة عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، كأنها دعاء لرفعته في هذه الدنيا أيضاً فكأنه دعاء للناس جميعا أن يهتدوا بهداه ويستضيؤوا بنوره.

رابعاً: إن الصلاة على النبي، صلى الله عليه وآله، من وسائل استجابة الدعاء، و قد يدعو العبد ربه الف مرة فلا يستجيب له حتى يصلي على محمد، صلى الله عليه وآله، يبدأ بها و يختم.

وعن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب، عليهما السلام: “مَا مِنْ دُعَاءٍ إِلَّا وَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ السَّمَاءِ حِجَابٌ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ وَ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ انْخَرَقَ الْحِجَابُ فَدَخَلَ الدُّعَاءُ وَ إِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ رجع الدُّعَاءُ”.
و قال الامام الصادق (ع): “من كانت له الى اللّه عز و جل حاجة فليبدأ بالصلاة على محمد و آله، ثم يسأل حاجته، ثم يختم بالصلاة على محمد و آل محمد، فان اللّه أكرم من ان يقبل الطرفين و يدع الوسط، إذ كانت الصلاة على محمد و آل محمد لا تحجب عنه”.

وفي الحديث الشريف عنه، عليه السلام، قال: “لَا يَزَالُ الدُّعَاءُ مَحْجُوباً حَتَّى يُصَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ”.

خامساً: التصديق بالميثاق
إن الله سبحانه وتعالى أخذ الميثاق من عباده يوم الذر على توحيده وحده لا شريك له، و أودع ذلك المَلك الذي صار الحجر الاسود في ركن بيت الله، فحين نصل اليه نقول، أمانتي أديتها، وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة عند ربك، هذا وان الصلاة على محمد وآل محمد عليهم السلام، تعني البقاء على العهد كما الحج، فعن الإمام موسى بن جعفر، عليهما السلام، عن الإمام الصادق، عليه السلام، أنه قال: “مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ، صلى الله عليه وآله، فَمَعْنَاهُ أَنِّي أَنَا عَلَى الْمِيثَاقِ وَ الْوَفَاءِ الَّذِي قَبِلْتُ حِينَ قَوْلِهِ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏”.

اما عن الهدف المباشر لهذه الصلاة فهو التسليم للرسول، و اتخاذه أسوة و إماما، و قد أفرد العلامة المجلسي في كتابه بحار الأنوار بابا خصصه لتفسير هذه الآية الكريمة.

و كم هو عظيم ان يستجيب العبد المؤمن الى ربه بالصلاة على النبي، صلى الله عليه وآله، لينتمي الى حزب اللّه الذي يضم الملائكة المقربين، و لكن ليس كل صلاة تحقق له هذا الانتماء، انما التي يتلفظها بلسانه، عارفا بحدودها في عقله، مسلمة لها نفسه، خاضعة لها جوارحه.

فإذا سمع الخطيب يقول: “قال رسول اللّه، صلى الله عليه وآله، “يجب ان يصلي عليه بلسانه، و يستوعب الصلاة بمعرفته، و يستعد لتطبيقها بنفسه، ثم ينطلق من عنده للعمل وفقها و بما تقتضيه، و من الناحية النفسية الذي يدعو لآخر في غيابه فانه سيحبه حتى لو كانت بينهما عداوة، ذلك ان الدعاء يلين جانب الداعي للطرف الآخر من جهة، و من جهة أخرى يشعر المدعو له بالميل و من ثم المحبة، حتى و لو لم يفعل شيئا غير الدعاء، لأن للقلوب عليها شواهد، و لأن النفوس جنود مجندة، تتألف غيبيا كما تتألف شهوديا.

 

  • فوائد الصلاة على النبي

ولا بأس هنا أن نشير الى ما أحصيناه من فوائد الصلاة على النبي وآله، التي وردت كلها في النصوص الشريفة ولا نذكرها للإختصار.

1. الله وملائكته تصلي عليه
2. وقى الله وجهه حر النار
3. سبب رفع الدعاء
4. غفران الذنوب فهو خرج من ذنوبه كيوم ولدته امه ويقال له استأنف العمل
5. الملائكة تستغفر له
6. قضيت له 100 حاجة
7. تفتح له ابواب العافية
8. وجبت له الشفاعة وإن كان من أهل الكبائر
9. سباق الملائكة، فعن الإمام الصَّادِق، عليه السلام: “مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَ آلِهِ، مِائَةَ مَرَّةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ ابْتَدَرَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ أَيُّهُمْ يُبْلِغُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) قَبْلَ صَاحِبِهِ”.
10. الصلاة نور في القيامة
11. لن يلج النار
12. أكثركم صلاة أقربكم منزلة

هذا كله إذا كانت الصلاة كما أمر بها رسول الله، صلى الله عليه وآله، وهي الصلاة الإبراهيمية، أما الصلاة البتراء التي نجدها عند ائمة الوهابية والسلفية وغيرهم، فهي الصلاة البتراء التي يروون هم قبل غيرهم ان النبي نهى عنها فقال، صلى الله عليه وآله: “مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَ لَمْ يُصَلِّ عَلَى آلِي لَمْ يَجِدْ رِيحَ الْجَنَّةِ وَ إِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ”.

وعَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وآله، قال: “مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَ لَمْ يُصَلِّ عَلَى آلِي رُدَّتْ عَلَيْهِ”.

وقال: لا تصلوا علي الصلاة البتراء، ولكن للأسف الشديد حقدهم الدفين على آل رسول الله، صلى الله عليه وآله، دفعهم الى حذف آل رسول الله من الصلوات، بل ولا يضيفونهم إلا واضافوا اليهم الاصحاب الذين لم يستطيعوا ان يأتوا بحديث واحد أمروا فيه أن يصلوا عليهم، ولكن دعاهم الشيطان فوجدهم خفافاً فاتبعوه.

ومن هنا نجد أن امير المؤمنين، عليه افضل الصلاة والسلام، يبدأ المناجاة بالصلاة على النبي وآله ولا يختمها إلا بالصلاة عليهم وسنتحدث عن ذلك لاحقا بإذن الله تعالى.