المناجاة الشعبانية – الحلقة الثالثة

التحوّل من الطلبات الدنيوية الى الطلبات الأخروية

0

حينما جاء النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، ببعض آيات القرآن و وضعها الى جانب المعلقات من الشعر الجاهلي، والذي كان الجاهليون يتفاخرون بها؛ بلاغةً وأدباً، حين ذلك، وقعت الصعقة الكبرى، كما كانت ثعبان النبي موسى، على نبينا وآله وعليه افضل الصلاة والسلام، صادمة لكل السحرة بما وصلوا اليه من السحر، كذلك كانت آيات القرآن بالنسبة الى الجاهليين، فقد عرفوا حقاً أنها ليست كلمات بشر، إنما هي وحي من لدن عليم حكيم.
من هنا فإننا عندما نقف على أعتاب المناجاة الشعبانية العظيمة لا نحتاج الى الحديث عن سندها بعد النظر الى متنها.
نعم إنها وردت في نسختي “الإقبال”، و “البحار”، وبينهما اختلاف وجيز، إلا أن الناقد عندما يقف على بلاغة المناجاة وفصاحتها، لا يفتأ أن ينسبها الى أمير البلاغة والفصاحة؛ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عليه السلام.
تُرى، من الذي يستطيع أن يخاطب الرب –عزوجل- بمثل هذا الخطاب، فالمناجاة خليط من الإعجاز البلاغي والأدبي والعلمي والمعرفي، لم تكن لتصدر مثل هذه الكلمات إلا عن قلب قد جمع كل تلك العلوم.
المناجاة الشعبانية؛ تمتاز عن سائر الأدعية والمناجاة بعبائر قلّ نظيرها، او كدعوة الإمام، البارئ –عزوجل- أن يلحقه بنور عزّه الأبهج، والطلب بأن تصل أرواحنا الى معدن العظمة، و تصير معلقة بعز قدس الله –تعالى-، غير أنها تختص بالآخرة دون الدنيا، و ربما هي خصوصية من خصائص هذه المناجاة؛ فالدعاء في الغالب يشمل الجانبين المادي والمعنوي، الدنيوي والأخروي للإنسان، وهذا أمر حسن، فعلى الإنسان أن يسعى ليعيش حراً كريماً عزيزاً مرفهاً من الحلال، وفي الحلال، وأن يسعى لحياة أبدية عند المليك المقتدر في جنات تجري من تحتها الأنهار.
ولذا نرفع دائماً أكفنا بالدعاء سائلين المولى ذلك قائلين: “ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار”.
إلا أن هذه المناجاة تريد ان تهيئ الإنسان لأمر آخر، إنها تحاول الوصول به الى مراتب إن وصلها سوف لن يفكر في الدنيا وما فيها، بل تكون عنده ـ كما كانت عند امير المؤمنين ـ كعفطة عنز لا أكثر.
ألم تكن الدنيا كلها عنده كذلك، وقد وصف إمرته للمسلمين بذلك وبما دون ذلك مرارا؟!
لنضرب مثالاً قد يكون كل واحد منّا مر به في حياته، هل حدث لك أن تستصغر حوائجك عندما يخشع قلبك وتدمع عينك؟ فقبل ان تبدأ بالدعاء في ليلة القدر مثلاً تعد العدة وتكتب قائمة من الحوائج للدنيا، ولكنك بعد أن تشعر بحلاوة المناجاة مع الرب تنسى تلك الحوائج او تستصغرها وتستحي من طلبها، إذ إنك تجد نفسك في مرتبة مختلفة عن تلك المرتبة التي كنت فيها.
هكذا يريدنا امير المؤمنين، عليه السلام، في هذه المناجاة، إنه يريد أن يأخذ بأيدينا الى أن نرتقي عن حوائج الدنيا الى حوائج الآخرة، بأن نتحول من طلاب دنيا الى طلاب آخرة.
ومن هنا فإن المتأمل في هذه المناجاة العظيمة يجد نفسه في طريق التكامل، وفي سبيل المعرفة بالله –عزوجل-، في مشروع هداية أبدية، وإن شئت التعبير عنه؛ سُلّم الوصول الى السعادة الأبدية، والطريق يبدأ من هنا: نعم؛ من هنا!
هناك الكثير من الطرق التي يدّعي اصحابها الوصلة والوصول، إلا انها ليست إلا سُبل ضلال.
فقد رسم النبي، صلى الله عليه وآله، ذات يوم خطاً في الأرض ورسم الى جانبيه خطوطاً مختلفة، ثم قال: “هذا الصراط المستقيم، وهذه سُرط، وعلى كل سراط شيطان يدعو اليه”
إياكم ثم إياكم الذهاب خلف هذه المناهج التي لم ولن تزيد الإنسان إلا بعداً و ولوغا في الجهل المركب، حيث يدعيه الطرق العرفانية الحديثة والقديمة وطرق التصوف وغيرها.
إذا أردت حقاً معرفة الله، وإن كنت طالب حقيقة، وإن كنت سالكاً وباحثا عن السلوك، وإن كنت تريد الوصول الى المعبود، وإن كنت تريد وتريد… فبداية الطريق أن تُقر بالعبودية والذُل، ليس لشيخ الطريقة، وإنما لرب الأرباب وسيد السادات.
وهذا هو أول درس يعلمنا أمير المؤمنين، عليه السلام، من خلال المناجاة وهو: “من هو”، بأن الطريق الى معرفة الرب يبدأ من الإقرار بالعبودية له، لا بقراءة المناهج الباطلة و الطرق الضالة من وحدة الوجود و الموجود و ما شاكلها من أراجيف لا تنتهي بالإنسان إلا الى ما انتهى اليه فرعون، والعياذ بالله.
قف بين يدي الرب العظيم وتذلل اليه لتزدد معرفة به، واطلب منه أن يرفعك لترتفع وتتقرب اليه، و أحسن الظن به ليتلطف بك!
نبدأ الخوض في غمار المناجاة الشعبانية بما بدأ بها أمير المؤمنين، وهو نقطتها، نعم؛ إنه؛ بسم الله الرحمن الرحيم، وهو نقطة الباء التي جمعت كل العلوم والمعارف، فمن قالها بالحُرمة والتعظيم ـ كما عن النبي الأكرم ص ـ “بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ سَبْعِينَ أَلْفَ قَصْرٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ فِي كُلِّ قَصْرٍ سَبْعُونَ أَلْفَ بَيْتٍ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ بَيْضَاءَ فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ أَلْفَ سَرِيرٍ مِنْ زَبَرْجَدَةٍ خَضْرَاءَ فَوْقَ كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ أَلْفَ فِرَاشٍ مِنْ سُنْدُسٍ وَ إِسْتَبْرَقٍ“.
وفي الحديث الشريف: “الْبَاءُ بَهَاءُ اللَّهِ وَ السِّينُ سَنَاءُ اللَّهِ وَ الْمِيمُ مَجْدُ اللَّهِ وَ اللَّهُ إِلَهُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ الرَّحْمَنُ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ وَ الرَّحِيمُ بِالْمُؤْمِنِينَ خَاصَّة“.
اللهم البسني خِلَع العزّة والقبول، وسهل لي مناهج الوصلة والوصول، وتوجني بتاج الكرامة والوقار، و ألّف بيني وبين أحبائك في دار الدنيا ودار القرار.