مناسبات

مقاربات سياسية في عهد الامام علي لمالك الاشتر

عادل الجبوري
الكاتب - عادل الجبوري
(المشارك في مسابقة الكتابة بذكرى مولد أمير المؤمنين عليه السلام)

 

يتفق الكثير من العلماء والباحثين والمؤرخين على ان عهد امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام الى واليه على مصر مالك الاشتر يعد اهم وابرز وثيقة سياسية شاملة المعاني والدلالات والابعاد والمضامين لادارة شؤون الدولة والحكم ورعاية مصالح الناس، واشاعة العدل والمساواة بينهم.

كان عهد الامام علي لمالك الاشتر بمثابة دستور متكامل وفق المفاهيم والادبيات السياسية السائدة في عالم السياسة الحديث، بل واكثر من ذلك، مثل الاطار الجامع والشامل للمجتمع بشتى تنوعاته الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية، وحتى الدينية، انطلاقا من الفهم القراني والانساني السليم لدور ومهمة الحاكم، وماهية واجباته حيال الرعية، فضلا عن اهمية ان يكون الحاكم قدوة ومثال يحتذى به في البساطة والزهد والتقوى والرفق واللين والتضحية والعطاء.

لقد اراد امير المؤمنين علي عليه السلام، من خلال فكره ومنهجه وسلوكه وطريقة تعامله مع الناس، لاسيما حينما كان حاكما عليهم، على الولاة والحكام الاخرين، اراد ان يؤسس لمنهج قوامه الديمومة والاستمرار والصلاح لكل زمان ومكان.

ويشير الدكتور ابراهيم العاتي رئيس الجامعة العالمية للعلوم الاسلامية في بحث له تحت عنوان (الرؤية السياسية عند الامام علي بن ابي طالب عليه السلام)، في سياق عرضه وتحليله للمضمون السياسي في عهد الامام لمالك الاشتر، الى ان “السياسة هي فرع من العلم المدني الذي يبحث في أصول الحكم وتنظيم شؤون الدولة، وهي عند المحدثين، فن حكم الدولة أو فن ادارة المجتمعات الانسانية، فهي فيها شمولية، والناظر في نصوص أمير المؤمنين، عليه السلام السياسية يجد انه امام رؤية سياسية شاملة، وخاصة في عهده الخالد الى الصحابي مالك الاشتر (رض)، تحدد مواصفات الحاكم وعلاقته بالمحكومين، وتبين أسلوب الحكم والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية والعدالة وضرورة تنفيذها على الجميع، والمعاهدات الدولية والقانون الدولي لكنها لا تتوقف عند هذا الحد”. حيث انه-أي العاتي-يؤكد، “انها تتسع الى السياسة الاجتماعية والعلاقة بين الطبقات في تقسيم العمل والرعاية الاجتماعية والسياسة الاقتصادية والنظام العسكري والاداري، ويحرس كل ذلك نظام أخلاقي راقٍ لا يحيد عنه الحاكم تحت أي ذريعة من الذرائع، لأن من ميزات الفكر السياسي عند امير المؤمنين هو الربط بين السياسة والاخلاق”.

 

لم يهمل الامام علي عليه السلام، البعد الاقتصادي في نظريته بأدارة الدولة والحكم، وهو في عهده لواليه على مصر، يفرد لذلك البعد حيزا مهما، بأعتبار ان السياسة لاتستقيم، الا بحسن التصرف بموارد الدولة وانفاقها بالشكل الصحيح

 

ويقول الامام علي عليه السلام، مخاطبا الصحابي الجليل مالك الاشتر، كما ورد في كتاب نهج البلاغة للسيد الشريف الرضي: “.. واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض. فمنها جنود الله، ومنها كتاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل، ومنها عمال الانصاف والرفق، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس، ومنها التجار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة، وكلا قد سمى الله سهمه، ووضع على حده فريضته في كتابه أو سنة نبيه، عهداً منه عندنا محفوظاً”.

ويقول ايضا: “فولِّ من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك، وأنقاهم جيباً، وأفضلهم حلماً، ممن يبطئ عن الغضب، ويستريح إلى العذر، ويرأف بالضعفاء وينبو على الأقوياء. وممن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف. ثم الصق بذوي الأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة، ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة، فإنهم جماع من الكرم، وشعب من العرف”.

ومثل هذه التوجيهات والنصائح والمواعظ، والمباديء والافكار والمفاهيم، نجدها تشغل حيزا كبيرا في معظم -ان لم يكن جميع- دساتير الدول في عالمنا المعاصر، وفي مجمل البرامج والخطط، بأشكال وتعابير وصياغات مختلفة، الى جانب ما تحفل به برامج وحملات التنافس الانتخابي من صور جميلة ووعود براقة وخطط نظرية متفاءلة، بيد ان الواقع العملي غالبا ما يؤشر الى غياب وتغييب شبه كامل لما يطرح على الصعيد النظري، وهو ما ينعكس بوضوح من خلال تفشي مظاهر الاستبداد والتسلط والطغيان والظلم والفقر والحرمان والاهمال والاستئثار بالموارد والثروات، لاسيما في البلدان المتقدمة التي تحكمها انظمة ديمقراطية في ظاهر الامر.

ويتطرق العلامة الشيخ عبد اللطيف الشبيب الى ذلك التناقض الفاضح بين النظرية والتطبيق، بالقول: “التفاصيل الواردة في العهدين الدوليين، العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية عام 1966م والبروتوكلات الملحقة بهما، وما حددته حول حقوق الأفراد والجماعات، إلا أن كل هذه المواثيق مجتمعة لا نرى لها فاعلية بحجم ما تنادي به على أرض الواقع، وإلا كيف نفسر الممارسات التعسفية التي تفتقد لأدنى مقومات الإحترام لهذه المعاهدات من قبل هيئة الأمم المتحدة على مستوى مانراه اليوم ونلمسه ونعيشه في هذا العالم من مآسي وويلات، من حروب ونزاعات، من فتن وصراعات، تجعلنا نعيش الحيرة والدهشة، ويتملكنا الإستغراب بين مانراه من مطالبات على ضوء مرجعية وثائق حقوق الإنسان وبين ما نعيشه من إنتهاكات صارخة لهذه الحقوق والمطالب على الأرض؟.. فأين هي السياسات العادلة، وأين هي الحريات المتاحة؟ وما هو نصيب مجتمعاتنا منها؟ وإلى أي مدى حصل الأفراد أو الجماعات على حقوقهم الثقافية والإجتماعية والإقتصادية؟ وماهي الفرص التي أتيحت لهم للمشاركة في الحياة العامة؟ أين هي كرامة الشعوب وحقوق المواطنة المسلوبة؟ ومن المسؤول والمحاسب عن الخروقات الواضحة والخطيرة بحق شعوب الأمة؟ ياترى من أجل ماذا؟ ولصالح من تجري كل هذه الإنتهاكات المنظمة؟”.

وبقدر ما تؤشر وتتحدث المصادر التأريخية عن المخرجات والمعطيات والنتائج العظيمة لسياسة الامام علي عليه السلام في ارساء العدل والمساواة والانصاف بين كل ابناء المجتمع، نجد اليوم شتى صور ومظاهر الظلم والطغيان والدمار والخراب جراء سياسات الكثير من النظم الحاكمة، رغم ما تدعيه وتتبجح به من قيم ومباديء وافكار.

ولم يهمل الامام علي عليه السلام، البعد الاقتصادي في نظريته بأدارة الدولة والحكم، وهو في عهده لواليه على مصر، يفرد لذلك البعد حيزا مهما، بأعتبار ان السياسة لاتستقيم، الا بحسن التصرف بموارد الدولة وانفاقها بالشكل الصحيح، واذا لم يتحقق ذلك، فأن بنى وهياكل تلك الدولة-أي دولة-ستتصدع وتضعف ومن ثم تنهار، كما نلاحظه في عالم اليوم، بالنسبة للعديد من البلدان، التي ليست بالضرورة ان تكون فقيرة ومعدمة.

وما جاء على لسان الامام عليه السلام في هذا الجانب، ” وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم، لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله. وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلاً، فإن شكوا ثقلاً أو علة أو انقطاع شرب أو بالة أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها عطش، خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم، ولا يثقلن عليك شئ خففت به المؤونة عنهم، فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك وتزيين ولايتك، مع استجلابك حسن ثنائهم وتبجحك باستفاضة العدل فيهم معتمداً فضل قوتهم بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم في رفقك بهم، فربما حدث من الأمور ما إذا عولت فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة أنفسهم به، فإن العمران محتمل ما حملته، وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها، وإنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع، وسوء ظنهم بالبقاء، وقلة انتفاعهم بالعبر”.

وهنا يحدد امير المؤمنين عليه السلام الاولويات الاقتصادية والحياتية التي يفترض بالحكام اخذها بنظر الاعتبار، حتى لاتنتهي الامور الى الخراب.

وهكذا فأن الترابط الكبير بين مختلف العناوين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمع، برز واضحا في تلك الوثيقة التأريخية البليغة والعميقة في معانيها ومضامينها ودلالاتها، لتحدد ما هو صحيح وما هو مطلوب في كل زمان ومكان، وليتم من خلالها تشخيص مكامن الضعف والوهن والخلل في جسد منظومات الحكم، وما اكثر ذلك الضعف والوهن والخلل في هذا الزمان.

عن المؤلف

عادل الجبوري

عادل الجبوري

اترك تعليقا