مناسبات

وَإِذَا المَوَدَّةُ سَأَلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ؟ فَاطِمَةُ الشَّهيدَةُ المَقتُولَة

  • مقدمة بحثية

قبل أيام وصلتني رسالة من أخت باحثة، ودكتورة فاضلة، لها اهتمام بشأن الأديان وتفسير القرآن الحكيم، ولذا فجَّرت عندي مفاجأة من العيار الثقيل، وهي حول الآية الكريمة: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}. (التكوير: 9)، تقول فيها: بأن هناك قراءة عن أمير المؤمنين وأهل البيت، عليهم السلام تقول بالتخفيف دون الهمز أي (المودة)، وليس (الموؤودة) وقالت لي: أن مستندها في مجمع البيان لشيخنا الطبرسي، في القراءة، والحجة، والتفسير للآية الكريمة.

وفعلاً قصدتُ المجمع فوجتُ فيه العَجب من مسألتين وليست من مسألة واحدة؛ وهما حول (المَوَدَّة)، و(سَأَلَتْ)، وإليك بعض البيان والتوضيح لكلمات الشيخ الطبرسي، مؤيداً ومستشهداً بروايات متعددة عن أهل البيت الأطهار.

 

  • الموءودة أو المَوَدَة؟

كما هو معلوم ومعروف أن لدينا عدداً من القراءات للقرآن الحكيم، والشيخ الطبرسي يُفصِّل في ذلك بشكل جميل ودقيق ورائع، يقول: “أما مَنْ قرأ (المَوَدَّةُ) بفتح الميم والواو فالمراد بذلك الرَّحم، والقرابة، وأنه يسأل قاطعها عن سبب قطعها [أي قطيعة الرَّحم]، وروي عن ابن عباس أنه قال: “هو مَنْ قُتل في مودتنا أهل البيت”، وعن أبي جعفر عليه السلام قال: “يعني قرابة رسول الله ومَنْ قُتِل في جهاد“، وفي رواية أخرى قال: “هو مَنْ قَتِلَ في مودتنا وولايتنا“، ويقول: “روي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام: (وإذا المَوَدَّةُ سَألت) بفتح الميم والواو وروي ذلك عن ابن عباس أيضاً وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام). (مجمع البيان بتصرف)

وفي تفسير نور الثقلين للحويزي: في كتاب المناقب لابن شهر آشوب عن الإمام الباقر، عليه السلام في قوله: { وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} يقول: “أسئلكم عن المَوَدَّة التي أنزل عليكم فضلها مودة ذي القربى، وحقَّنا الواجب على الناس، وحبنا الواجب على الخلق، قتلوا مودتنا بأي ذنب قتلتمونا“، وفي رواية أخرى وحديث طويل عن أبى عبد الله الإمام الصادق عليه السلام يقول فيه: “ثم قال جل ذكره: {وآتِ ذا القربى حَقَّهُ}، وكان علي وكان حقُّه الوصية التي جُعلت والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار النبوة؛ ثم قال: { قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}، ثم قال: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}، يقول: أسئلكم عن المودَّة التي نزلت عليكم فضلها مودة القربى بأي ذنب قتلتموهم“.

فهنا مسألتان؛ ظاهرة بقراءة (الموءودة)، وهي الجارية المدفونة حياً في الجاهلية، والثانية باطنة (المَوَدَّة)، وهي التي جعلها الله أجراً للرسالة الخاتمة كما في آية المودة في سورة الشورى المباركة وكلاهما لهما وجه وروايات تؤيدها، ولنجعلها الأولى من باب التفسير والثانية من باب التأويل الذي يجري على لسان أهل البيت، عليهم السلام وهم القرآن الناطق، فهم أعلم بتفسير القرآن وتأويله.

 

{قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا}. (الشورى: 23)، وروى صاحب الكشاف الزمخشري: “أنّه لما نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله مَنْ قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ فقال: “علي وفاطمة وابناهما”

 

  • مَنْ السائل، ومَنْ المسؤول؟

والملاحظة الثانية أن هناك قراءتان للسؤال في الآية الكريمة؛ (سُئِلَتْ)، أي أن المؤودة (المودة) تُسأله على سبيل الاستعلام والاستفهام منها، و(سَألَتْ)، أي أنها هي التي تسأل القاتل، أو القاطع لها كما سيُبيِّن المفسر الكريم بالأمثلة.. قال الشيخ الطبرسي مفسراً: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ}؛ يعني الجارية المدفونة حياً، [جرياً على القول والقراءة المشهورة]، وكانت المرأة إذا حان وقت ولادتها حفرت حفرة وقعدت على رأسها فإن ولدت بنتا رمت بها في الحفرة، (دفنتها حيَّةً)، وإن ولدت غلاماً حبسته (أخذته)؛ عن ابن عباس.

وأما “مَنْ قرأ (وإذا الموءودة سَألت بفتح السين جعل الموءودة موصوفة بالسؤال وبالقول: (بأي ذَنْبٍ قُتلَتْ)، ويمكن أن يكون الله سبحانه أكمَلها في تلك الحال وأقدَرها على النُّطق حتى قالت ذلك القول، ويعضده (ويُؤيده) ما روي عن النبي، صلى الله عليه وآله أنه قال: “يجيء المقتول ظلماً يوم القيامة وأوداجه تشخب دماً اللون لون الدم والريح ريح المسك متعلقاً بقاتله يقول: يا رب سل هذا“.

ثم يقول: ومعنى قوله: (سُئلت بأي ذنب قتلت)؛ أن الموءودة تُسأل فيقال لها: بأيِّ ذنبٍ قُتلتِ ومعنى سؤالها توبيخُ قاتلها لأنها تقول: قُتلتُ بغير ذنب، ويجري هذا مجرى قوله سبحانه لعيسى عليه السلام: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، على سبيل التوبيخ لقومه وإقامة الحُجَّة عليهم عن الفراء، وقيل إن معنى سُئلت طُولب قاتلها بالحجة في قتلها، وسُئل عن سبب قتلها، فكأنه قيل: والموءودة يُسأل قاتلها بأي ذنبٍ قَتلتَ هذه؟ ونظيره قوله: {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا}؛ أي مسئولاً عنه عن أبي مسلم، وعلى هذا فيكون القَتلة هنا هم المسئولين على الحقيقة لا المقتولة، وإنما المقتولة مسئول عنها”. (مجمع البيان تفسير الآية بتصرف).

 

عن أبي عبد الله، عليه السلام قال: “الذنوب التي تُغيِّر النعم البغي، والذنوب التي تُورث الندم القتل، والتي تُنزل النِّقم الظلم، والتي تَهتك الستور شرب الخمر، والتي تَحبس الرزق الزنا، والتي تُعجِّل الفناء قطيعة الرحم، والتي ترد الدعاء وتظلم الهواء عقوق الوالدين

 

  • المودَّة المقطوعة

يقول شيخنا الطبرسي: (المَوَدَّةُ) بفتح الميم والواو فالمراد بذلك الرَّحم، والقرابة، وأنه يُسأل قاطعها عن سبب قطعها”؛ أي قطيعة الرَّحم، وأسأله هنا: شيخنا هل يُقال لقاطع الرحم قاتلها، أو قاطعها؟

فالمتتبع في الأدبيات الإسلامية والروايات الشريفة كلها يجد أنها لم تُستخدم ولا حتى مرة واحدة بهذا اللفظ (قتل الرحم)، بل (قطيعة الرحم)، وفي الآية الكريمة دقَّة متناهية فلو أراد قطيعة الرحم لكان اللفظ ب(بأي ذنب قُطعت)، تساوقاً مع الاستخدام الروائي لهذه الموبقة التي هي من أسباب تعجيل الفناء، وهي من الكبائر، فعن أبي عبد الله، عليه السلام قال: “الذنوب التي تُغيِّر النعم البغي، والذنوب التي تُورث الندم القتل، والتي تُنزل النِّقم الظلم، والتي تَهتك الستور شرب الخمر، والتي تَحبس الرزق الزنا، والتي تُعجِّل الفناء قطيعة الرحم، والتي ترد الدعاء وتظلم الهواء عقوق الوالدين“.

والرحم لها مكانتها في الشريعة الإسلامية (فهي موصولة بعرش الله وتنادي اللهم صِل مَنْ وصلني واقطع مَنْ قطعني)، ولا ننفيها في الآية الكريمة، لأن الموءودة المقتولة لها رحم من قاتلها فكيف يقطعها بالقتل دون ذنب منها، فهي جاءت إلى هذه الدنيا بأمر ربها سبحانه الذي يُعطي الذكور والإناث بلطفه ورحمته للبشر.

 

  • المودة المقتولة

فهذا مما لاشكَّ فيه، ولكن الأمر بالمودة لذوي القربى كما في الآية الكريمة لا تخصُّ قرابتك أنت بل هي خاصة بقرابة النبي، وأهل بيته الأطهار، وهم الذين أمر الله بمودتهم في كتابه وجعلها أجراً للرسالة الخاتمة، في قوله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا}. (الشورى: 23)، وروى صاحب الكشاف الزمخشري: “أنّه لما نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله مَنْ قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ فقال: (علي وفاطمة وابناهما” فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النّبي، وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم”.

وهي المودة التي أوجبها الخالق سبحانه وسيَسأل الخلق عنها في قوله سبحانه: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ}. (الشعراء: 24)، فعن أنس بن مالك عن النبى، صلى الله عليه واله قال: “إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على جهنم لم يجز عليه إلا مَنْ معه جواز فيه ولاية على بن أبي طالب عليه السلام، وذلك قوله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ{؛ يعنى عن ولاية على بن أبى طالب”، وفي رواية أخرى قال: “عن ولاية علي، ما صنعوا في أمره؟ وقد أعلمهم الله عز وجل أنه الخليفة بعد رسوله“.

فمودة أهل البيت الأطهار، عليهم السلام، وآل البيت الأبرار هي الأجر الذي يجب أن يقدِّمه كل إنسان يدخل إلى الإسلام ويقول عن نفسه أنه مسلم وإذا لم يدفعه فإن كل عمل يعمله لا ينفعه لأنه يكون كل أعماله بمثابة المكان المغصوب وهو الذي عبَّرت عنه الآية (هباء منثوراً)، ولكن هذه الأمة التي ما اختلفت في شيء إلا بعد أن اختلفت على أهل البيت، حيث تركوهم ومالوا إلى السلطة القرشية حيث قال قائلها في رزية يوم الخميس: (حسبنا كتاب الله)، وهو الشعار الذي رفعه في وجه رسوله الله ضارباً به حديث الثقلين المتواتر، (كتاب الله وعترتي)، ورافضاً كتابة الوصية النبوية العاصمة لهم من الضلال.

ولا تستغرب من (الفخر الرازي)؛ بقوله: “وأنا أقول: آل محمّد هم الذين يؤول أمرهم إليه، فكل من كان أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم الآل، ولا شك أن فاطمة وعلياً الحسن والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول الله أشد التعلقات، وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر فوجب أن يكونوا هم الآل، وأيضاً اختلف الناس في الآل فقيل هم الأقارب، وقيل هم أمته، فإن حملناه على القرابة فهم الآل، وإن حملناه على الأُمة الذين قبلوا دعوته فهم أيضاً آل، فثبت أن على جميع التقديرات هم الآل، وأما غيرهم فيدخلون تحت لفظ الآل؟ فمختلف فيه”.

ولكن ما فعلت هذه الأمة بعترة نبيها، صلى الله عليه وآله، وذريته الطاهرة لا سيما ابنته وبضعته سيدة نساء العالمين التي هجموا على بيتها بالأوباش والأراذل وجمعوا حطباً على بابها وضربوها وآذوها حتى منعوها من البكاء على أبيها وقتلوها بعد أربعين أو سبعين، أو تسعين يوماً بعد أبيها، فهل هؤلاء أدوا أجر الرسالة؟

أليس أصدق (موءودة) هي فاطمة الزهراء عليها السلام؟ وأ ليست هي صاحبة (المودة) المقتولة أيضاً؟

متى ستعرف هذه الأمة هذه الحقائق النورانية، وإلى متى تُنكر وتَجحد حقَّ أهل البيت؟

عن المؤلف

الحسين أحمد كريمو

الحسين أحمد كريمو

اترك تعليقا