کل المجتمع

المرأة العربية في مشروع الرَّحمة الإلهية

  • مقدمة حضارية

الإنسان منذ أن خُلق جعله الله أنيساً مأنوساً به، ولكي يأنس أبونا آدم خلق الله له من نفسه زوجاً لطيفاً خفيفاً رقيقاً محبوباً سُميت حواء لاحتوائها كل مشاعر الإنس والرقة والمحبة اللازمة لحياة آدم واستمراريته، حيث قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}. (النساء: 1)، وتكرر الأمر في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا}، وفي قوله سبحانه: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}

هذه الحقيقة التي لم يفهمها الإنسان نفسه حتى الآن حيث يَعتبر نفسه مستقلاً عن نصفه الآخر الرجل يقول: أنا الأصل، والمرأة تقول: أنا الفصل، وكل منهما يُحاول أن يستحوذَ على الآخر بكل ما يستطيع من قوة ونفوذ ذكوري، أو مكر ودهاء أنثوي، وكلاهما على خطأ كبير وهي معركة قائمة منذ أن خُلق الإنسان في هذه النشأة الآدمية الحوائية.

والصحيح في المسألة أنهما مخلوقان متكاملان في جسدين ولذا لا يمكن أن يستقرَّ أحدهما بمعزل عن الآخر مهما أُعطي من قوة وجاه في الرجال، ورقة وجمال في النساء، فالرجل مهما كان عنده في شخصيته من كمالات فإنه يشعر بنقص وهو بحاجة إلى المرأة، وكذلك هي لا يمكن لها أن تشعر بوجودها إلا في ظل وحماية رجل يرعاها ويروي لها عاطفتها، ولهما هدف واحد هو استمرار النسل البشري، وتناسل الأجيال بما يضمن عمار الأرض وبناء الحضارة.

 

المتأمل في التاريخ العربي وفي الحقبة التي ولد فيها الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وآله، يستغرب إلى التدني والتسافل الذي وصل إليه المجتمع في ذلك العصر، حيث أنهم كانوا من البؤس وقلة التدبير إذا وقعوا في مخمصة وجوع كانوا إما يُغلقون على أنفسهم دورهم، أو يخرجون إلى الصحراء ويدفنون أنفسهم في التراب

 

  • حقيقة شخصية الإنسان

فالمرأة في حقيقتها إنسان بجسد رقيق يطفح حباً وعاطفة، والرجل في جوهره إنسان بجسد قوي وعقل سوي، فالأصل الإنساني واحد ولكن الأجساد مختلفة تتناسب مع الأدوار المتباينة، فالرجل للعمل والكد والنضال من أجل الحياة، والمرأة للحب والعطف والدلال من أجل الأولاد، فليس الأمر فقط في الجانب الجنسي لهما، ولذا في هذا العصر اكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء لأنهم نظروا إلى أنفسهم من الناحية البهيمية والشهوة الجنسية، وهذه الكارثة من أسوء ما مني به الإنسان إذ أنه يُعارض فطرته، ويُعاكس أصل وجوده في هذا الوجود، ولذا نعتقد أن البشرية في هذا العصر الأغبر اقتربت من حافة الهاوية كثيراً فقوم لوط، عليه السلام أُفكوا لما وصلوا إليها ولكن هل يعتبر البشر بقصص الأنبياء ويتعظوا بها؟

 

  • في المجتمع الجاهلي

المتأمل في التاريخ العربي وفي الحقبة التي ولد فيها الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وآله، يستغرب إلى التدني والتسافل الذي وصل إليه المجتمع في ذلك العصر، حيث أنهم كانوا من البؤس وقلة التدبير إذا وقعوا في مخمصة وجوع كانوا إما يُغلقون على أنفسهم دورهم، أو يخرجون إلى الصحراء ويدفنون أنفسهم في التراب، وهو ما يُسمونه بالاعتفاد، أو الإعتفار وكان تقليدًا عند بعض أعزة النفوس من فقراء مكة.

يقول أحد الكتاب: “في ذلك المجتمع تفشَّت عادات سيئة منها الميسر(القمار) والخمر والمضاربة ما أدى إلى أن يُصبح الغني بين عشية وضحاها معدمًا لا يملك شروى نقير، وذلك بعد أن هلكت أمواله، فكان هذا يعمد إلى الانتحار البطيء بأن يخرج هو وأهله إلى مكان ناءٍ فيضربون الأخبية ويجلسون فيها حتى يموتوا جوعًا قبل أن يُعلم بفقرهم، وقد أطلقوا على ذلك اسم الاعتفاد وهو أن يُغلق الرجل باب داره ويبقى فيها حتى يموت مع أهله جوعًا، فلما نشأ هاشم بن عبد مناف وعظم قدره في قومه قال لهم: (يا معشر قريش، إن العز مع كثرة العدد، وقد أصبحتم أكثرَ العرب أموالاً وأعزّهم نفرًا، وإن هذا الاعتفاد قد أتى على كثير منكم، وقد رأيتُ رأيًا، قالوا: رأيك رَشَدٌ فمُرنا نأتمر؛ قال: رأيتُ أن أخلط فقراءكم بأغنيائكم، فأعمد إلى رجل غني فأضمُّ إليه فقيرًا عيالُهُ بعدد عياله، فيكون مؤازِره في الرحلتين؛ رحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن، فما كان في مال الغني من فضلٍ عاش الفقير وعياله في ظله؛ وكان ذلك قطعًا للاعتفاد”. (التذكرة الحمدونية لابن حمدون: ص 152-153 بتصرف).

ولهذا وغيره كان يُقال لهاشم وإخوته: أقداح النضار؛ أي الذهب، ويُقال لهم المجيرون لكرمهم وفخرهم وسيادتهم على سائر العرب، ولُقّب بصاحب إيلاف قريش لتأمين طرق التجارة والمعيشة الآمنة لقومه وأهل مكة بواسطة أخذ الأمان من القبائل المحيطة وملوك الأقاليم التي كانت تصل إليها قوافلهم التجارية وذلك في الرحلتين، وكان يُسمَّى: “عمرو العُلا” لعلو مرتبته، وابن إسحاق يقول: بأن أحد القاب هاشم كان: “أبو الشعث الشجيات“، ولهذا وصفه الشاعر بقوله:

كَانَتْ قُرَيْشٌ بَيْضَةً فَتَفَقّأَتْ … فَالْمُحّ خَالِصُهُ لِعَبْدِ مَنَافِ

الْخَالِطِينَ فَقِيرَهُمْ بِغَنِيّهِمْ … وَالظّاعِنِينَ لِرِحْلَةِ الْأَضْيَافِ

عَمْرُو الْعُلَا هَشَمَ الثّرِيدَ لِقَوْمِهِ … قَوْمٍ بِمَكّةَ مُسْنِتِينَ عِجَافِ 

فهؤلاء الكرام من بني قصي بن كلاب، ثم من هاشم الخير وولده العظيم إبراهيم العرب الثاني شيبة الحمد عبد المطلب، مطعم الوحش والطير وما حملت الريح، أنقذ الله بهم ذلك المجتمع من تلك الكوارث التي كانت منتشرة فيهم، وأسنُّوا لهم سُنن الفخار والكرامة وكان لهم فضل السَّبق في كل فضيلة إلى أن جاء الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وآله، وقريش على تلك الحالة من التعظيم والإجلال لجده عبد المطلب صاحب زمزم والفيل ومعجزة الأبابيل، ولذا عندما توفي حملوه على روسهم ثلاثة أيام يُجلُّونه أن يدسُّوه في التُّراب، فرسول الله، جاء من أقداح النَّضار جمالاً، وسادة العرب كمالاً، فكان آية الجبار فيهم، والمختار لرسالة الله في بني آدم عليه السلام.

 

المرأة كانت في الجاهلية سلعة بائسة ومقيتة إما تُدفن في التراب، أو تُستخدم في الجنس كما يفعل أهل الحضارة الرقمية بتجارة الجنس، أو الرقيق الأبيض، أو الإعلام، والإعلان، وصارت أداة تافهة لعرض البضائع، فضاعت وضاع شرفها ومكانتها وإنسانيتها بكذبة الحرية

 

  • المرأة في الجاهلية

في ذلك المجتمع العربي البائس سادت عادة من أسوء وأبشع، بل وأشنع العادات بخصوص النساء كباراً وصغاراً، وما ارتفعت إلا ببركة البعثة النبوية الشريفة، وسيرة الرسول الأكرم فيهم، وأصل ذلك كان في أمرين مستقبحين وفي غاية البعد عن الرِّحمة والإنسانية هما:

  • الزواج في الجاهلية: كانت العلاقات بين الرجال والنساء في العصر الجاهلي مفتوحة إلى أبعد الحدود، ولديهم عدداً من أنواع النكاح المحرم كما في جاهليتنا الحديثة التي فتحت كل أنواع الفساد بحجة حرية المرأة ومن ذلك: (الاستبضاع، والمخادنة، والمضامدة، والشغار، والمقت، والبدل، والرَّهط، والبعولة، والمساهاة، والأكفاء، وصاحبات الرايات)، وكلها موجودة في كل حضارة لا سيما اليوم وزادوا عليها (المثلية الجنسية)، ولكن كان أفحشها وهو زواج المقت؛ أو وراثة النِّكاح في هذا النوع من النكاح يتزوج أكبر أولاد المتوفى من زوجة أبيه أو يرث نكاحها، ولذا سُمي بالمقت.
  • وأدُ البنات في الجاهلية: هي العادة التي نسبوها إلى سيد ربيعة أو تميم قيس بن عاصم الذي رفضت إحدى بناته أن ترجع إليه وفضَّلت الذي سباها فوأد بعدها من 12 – 18 ابنة له كما في بعض الأقوال، ولكن المدقق في تاريخ العرب يجد أنها كانت عادة متأصلة فيهم من قبل قيس الجلف الجافي المجرم، وفي كتابه “المرأة في الشعر الجاهلي” قال الدكتور أحمد محمد الحوفي: “إن العرب كانوا يئدون البنات مخافة أن ينزل بهم الفقر إذ يضطرّون للإنفاق على الذكور والإناث معاً، خصوصاً أن البيئة كانت شحيحة بالزاد كثيرة الفواجع والمجاعات، وذكر أن بعض العرب كان يُباهي بالوأد”، وهذا الذي أنكره الرَّب سبحانه وتعالى في قوله: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}. (التكوير: 9).

هذه بعض أطياف المجتمع الجاهلي بخصوص المرأة في قريش التي كانت فيها كل هذه الأنواع وزيادة بسبب كثرة الفسق والمجون عند طغاتها وأهل المال والجاه فيها كبني أُمية وسهم وزُهرة وغيرهم حتى أن بعض الصَّحابة وأد أكثر من بنت له، حيث كان يحفر لها الحفرة وهي تنفض الغبار عن لحيته وثيابه ولما انتهى دفنها حيَّة ورجع مفتخراً.

 

  • الرَّحمة الإلهية تتجلى

في تلك الظروف، وذلك العصر الجاهلي ولد الهدى انبعث النور فيهم ليُنقذهم من ويلاتها، ويُعيدهم إلى إنسانيتهم التي فقدوها، وكرامتهم التي داسوها، وشرفهم الذي ضيَّعوه، وكانت المرأة أعظم حظاً في ذلك كله لأنه أعادها إلى شرفها وطهرها وعفافها، وأرجع لها إنسانيتها في المجتمع فصارت لها شخصيتها الاعتبارية في كل شيء مثل الرجل تماماً إلا في بعض الخصوصيات من باب توزيع الأدوار لاستمرار وتكامل الحياة الاجتماعية والأسرية.

فالمرأة كانت في الجاهلية سلعة بائسة ومقيتة إما تُدفن في التراب، أو تُستخدم في الجنس كما يفعل أهل الحضارة الرقمية بتجارة الجنس، أو الرقيق الأبيض، أو الإعلام، والإعلان، وصارت أداة تافهة لعرض البضائع، فضاعت وضاع شرفها ومكانتها وإنسانيتها بكذبة الحرية.

والتأمل فيما تقدم يُعطينا شرحاً مبسطاً عن الذي قدَّمه الإسلام العظيم، ورسول الله، صلى الله عليه وآله، للمرأة بشكل عام، بحيث أعادها إلى حصنها لتكون مَلكةً في بيتها وعلى عرش أسرتها، ولتكون نصف الرجل اللطيف الأليف، وزوجه، وسكنه، وأمنه، وأمانه، وحبه، وأنسه، وعرسه، وذلك بما شرَّع الله من أحكام أزال عنها عبئ الجاهلية، ورفعها إلى مكانتها في الإنسانية، وكانت أعظم هدية لها أن جعل الله سبحانه وتعالى سيدة النساء فاطمة الزهراء، عليها السلام من جنسها، فكانت (أُم أبيها)، وكفؤ زوجها أمير المؤمنين، عليه السلام، وفخر بنيها فخر العرب وسادتهم وشرف العالمين قاطبة.

عن المؤلف

الحسين أحمد كريمو

الحسين أحمد كريمو

اترك تعليقا