أسوة حسنة

(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) .. مَولِدُ النُّورِ ومَجْدُ الإِنْسَانِيَّةِ وَشَرَفُهَا

  • مقدمة فكرية

إذا وُلد العظيم وُلدت الأمة العظيمة، وإذا بزغ النور انقشع الظلام، وعندما تنكشف الحقيقة يُزهق الباطل، فكيف إذا كانت الولادة نورانية، حقيقية، عظيمة بعظمة الإنسانية؟

تلك هي ولادة الحبيب المصطفى محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله، الذي خُلق من نور العظمة الإلهية، فكانت ولادته المباركة هي ولادة العَظمة في الإنسان الذي انطلق ليُعيد تجميع طاقات الإنسان، ويُبلورها في أمة قليلة، ولكنها ذات طاقات روحية هائلة بحيث يكون الواحد بعشرين، قال تعالى في وصفهم: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ}. (الأنفال: 65).

 

فتحريض النبي الأعظم، صلى الله عليه وآله، والصبر في المواطن يجعل في الإنسان طاقة هائلة، كأشعة الشمس عندما تجمعها العدسة فتجعلها حارقة خارقة، وقد تصنع المعجزات إذا كانت تُحركها يد خبيرة في الإنسان وتربيته، وتعليمه وتزكيته، وهل في الوجود كالحبيب المصطفى مربياً؟

 

تحريض النبي الأعظم، صلى الله عليه وآله، والصبر في المواطن يجعل في الإنسان طاقة هائلة، كأشعة الشمس عندما تجمعها العدسة فتجعلها حارقة خارقة، وقد تصنع المعجزات إذا كانت تُحركها يد خبيرة في الإنسان وتربيته، وتعليمه وتزكيته، وهل في الوجود كالحبيب المصطفى مربياً

 

 جاهلية العرب وجهل قريش

عندما ولد محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله، يتيماً، وما أبأس اليتيم في مجتمع الطغاة كمجتمع قريش في ذاك العصر، فالذي وُلد في بيت العز والشرف والسؤدد والفخر، عند جده إبراهيم الثاني شيبة الحمد عبد المطلب، عليه السلام، مطعم الوحش والطير وما هبَّت الرِّيح، ولكن لا يعرف له أباً إلا هذا العجوز الطاعن في السن ـ ربما قد تجاوز المائة بعقد أو أكثر ـ إلا أنه مهيب بشكل عجيب، يُفرش له فراش في فيء الكعبة المشرَّفة فلا يجرؤ أحدٌ على الجلوس عليه إلا هذا اليتيم من الوالد، والعظيم بالجد، فيجلس معه على فراشه ويُشاركه كل فخره وشرفه وسؤدده، ولا يستطيع أحد أن يمنعه ولا أعمامه الذين وصفهم اليعقوبي في تاريخه فيقول: “وكان لكل واحد من ولد عبد المطلب شرفٌ، وذكرٌ، وفضلٌ، وقدرٌ، ومجدٌ.. وحجَّ عامر بن مالك ملاعب الأسنَّة البيت فقال: رجال كأنهم جمال جون، فقال: بهؤلاء تُمنع مكة.. وحجَّ أكثم بن صيفي في ناس من بني تميم فرآهم يخترقون البطحاء كأنهم أبرجة (أبرقة جمع إبريق) الفضة يلحقون الأرض جيرانهم، فقال: يا بني تميم إذا أحبَّ الله أن يُنشئ دولة نبت لها مثل هؤلاء؛ هؤلاء غرس الله لا غرس الرجال”. وكان يُفرش لعبد المطلب بفناء الكعبة، فلا يقرب فراشه حتى يأتي رسول الله، وهو غلام، فيتخطى رقاب عمومته، فيقول لهم عبد المطلب: “دعوا ابني، أن لابني هذا لشأناً“.

وفي رواية يقول: دعوا بني، فو الله إن له لشأناً، ثم يجلسه معه عليه، ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع، وقال آخر: حججتُ في الجاهلية، فبينا أنا أطوف بالبيت إذا رجل يقول:

رد إليَّ راكبي محمدا *** أردده ربِّ واصطنع عندي يدا

قلتُ: مَنْ هذا؟ قال: عبد المطلب بن هاشم بعث ابن ابنه في إبل له ضلَّت، وما بعثه في شيء إلا جاء به، قال: فما برحتُ حتى جاء بالإبل معه، قال: فقال: “يا بُني حزنتُ عليك حزناً لا يفارقني بعده أبدًا“، قالوا: وكانت أم أيمن تُحدِّث تقول: كنتُ أحضن رسول الله صلى الله عليه وآله، فغفلتُ عنه يومًا فلم أدر إلا بعبد المطلب قائماً على رأسي يقول: يا بركة؟ قلتُ: لبيك، قال: أتدري أين وجدتُ ابني؟ قلتُ: لا أدري، قال: وجدتُه مع غلمان قريباً من السِّدرة، لا تغفلي عن ابني، فإن أهل الكتاب يزعمون أن ابني نبي هذه الأمة، وأنا لا آمن عليه منهم، وكان لا يأكل طعامًا إلا قال: عليَّ بابني، فيؤتى به إليه“. (السيرة النبوية، كفاية الأثر).

 

هكذا كان يُعامل الشيخ الجليل الطفل اليتيم الذي وُلد ولم يرَ والده، ثم توفيت أمه عندما عاد من صحراء حليمة السعدية المخضوضرة به، ولحقهما وهو في الثامنة من عمره الشريف ذاك الجد العظيم الذي حاول أن يُعوِّضه عن الأب والأم، ولكن لم يترك حفيده تتقاذفه الأقدار بل أوصى به أقرب أهله إليه عمَّه العاشق له، وامرأته فاطمة بنت أسد المحبة له حباً جمَّاً حيث لم يُرزقان ولداً بعد، وأبو طالب، عليه السلام، أخ عبد الله لأمه وأبيه، فلما أوصاه بابن أخيه محمداً، صلى الله عليه وآله، كاد يطير فرحاً به، فأخذه وضمَّه إليه ورعاه بأهداب عينيه، وحفظته السيدة فاطمة بجفونها المباركة، لا سيما وأنه بشَّرها بالأولاد وعلَّمها ما تصنع لتُرزق بهم فلما رزقها الله أولاداً أبقت محمداً ولداً من أبنائها ولذا كان يقول عنها: “إنها كانت أمي بعد أمي“.

 

كانت جاهلية العرب عامة وقريش خاصة في غاية البؤس في كل شؤونها لا سيما الفكرية، والثقافية، والعقائدية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، فكلها كانت تُعاني من فقر قيمي عجيب، وجهل غريب، وتخلف يفوق التصور

 

  • جاهلية العرب ومآسيها

فكانت جاهلية العرب عامة وقريش خاصة في غاية البؤس في كل شؤونها لا سيما الفكرية، والثقافية، والعقائدية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، فكلها كانت تُعاني من فقر قيمي عجيب، وجهل غريب، وتخلف يفوق التصور، فكانت كما يصفها أمير المؤمنين، عليه السلام حيث يقول: “إِنَّ اللهَ سُبحانَه بَعَثَ مُحَمَّداً نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ العَرَبِ عَلَى شَرِّ دِين، وَفِي شَرِّ دَار، مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجارَة خُشْن، وَحَيَّات صُمٍّ، تشْرَبُونَ الكَدِرَ، وَتَأْكُلُونَ الجَشِبَ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ، الأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ، وَالآثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ“. (نهج البلاغة: خ26).

 

وأما وصف سيدة النساء فاطمة الزهراء، عليها السلام، فهو من أعظم الأوصاف لحالة العرب قبل البعثة النبوية الشريفة، حيث تقول: “وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ، مُذْقَةَ الشّارِبِ، وَنُهْزَةَ الطّامِعِ، وَقُبْسَةَ الْعَجْلانِ، وَمَوْطِئَ الأقْدامِ، تَشْرَبُونَ الطّرْقَ، وَتَقْتاتُونَ القِّدَّ والْوَرَقَ، أذِلَّةً خاسِئِينَ، {تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ}”. (بحار الأنوار: ج 29 ص224).

 

في تلك الجاهلية الجهلاء ولد الهدى يتيم الأب، والأم، ثم الجد العظيم، فهل هي رسالة ربانية للعالم ليفهموا أن اليتيم ليس الذي ليس له أب بل الذي ليس له رب يرعاه ويحفظه، أو أنها من باب أنه ليس لهذا العظيم منَّة لأحد من هؤلاء الذين لهم علينا جميعاً المنَّة، لأن الله سبحانه هو الذي تكفَّله كما يُخبرنا أمير المؤمنين، عليه السلام، في القاصعة: “وَلَقَدْ قَرَنَ اللهُ تَعَالَى بِهِ، صلى الله عليه وآله، مِنْ لَدُنْ [أَنْ] كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَك مِنْ مَلاَئِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، وَمَحَاسِنَ أَخْلاَقِ الْعَالَمِ، لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ“، ولكن هذا اليتيم العظيم ما أن خرج من يتمه واشتدَّت قوته، وظهرت لهم ملامح عظمته، حيث عرفوه بالصَّادق الأمين، وفي الأربعين حين كمال القِوى البشرية في الإنسان حتى أخرج تلك الكوامن الخيِّرة، والطاقات الهائلة في أولئك الخاضعين الخانعين في أحضان الجاهلية، والتائهين في الصحراء العربية، وأطلقهم بعد ربع قرن فقط ليغزوا العالم بهم، فهو الذي كان يقول لهم منذ البداية: “قولوا لا إله إلا الله تكونوا ملوكاً في الدنيا والآخرة“، فالكوامن مضمرة في النفوس والعقول ولكن مطمورة بالشِّرك والكفر وعبادة الأصنام الحجرية والبشرية.

 

  • صناعة المجد في حياة البشر

نهض رسول الله، صلى الله عليه وآله، ببني هاشم الأكارم ليكونوا نواة الرسالة، وحملتها لصفاء قلوبهم، وعظمة عقولهم، ونجدتهم، وشجاعتهم، وبطولتهم، ثم راح ينشر النور في ذلك الدَّيجور، فلم تقبله قريش، فانتقل إلى يثرب ومنها فاح الطيب وانتشر، واخضرَّ الجناب وأزهر، وأشرقت شمس الحقيقة وظهر نورها الأنور، قال أمير المؤمنين، عليه السلام: “فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً، صلى الله عليه وآله، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً، وَلاَ يَدَّعِي نُبُوَّةً وَلاَ وَحْياً، فَقَاتَلَ بِمَنْ أطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ، يَسُوقُهُم إِلَى مَنْجَاتِهِمْ، وَيُبَادِرُ بِهِمُ السَّاعَةَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ، يَحْسَرُ الْحَسَيرُ، وَيَقِفُ الْكَسِيرُ فَيُقِيمُ عَلَيْهِ حَتَّى يُلْحِقَهُ غَايَتَهُ، إِلاَّ هَالِكاً لاَ خَيْرَ فِيهِ، حَتَّى أَرَاهُمْ مَنْجَاتَهُمْ وَبَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ، فَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ، وَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ وَأيْمُ اللهِ، لَقَدْ كُنْتُ مِنْ سَاقَتِهَا حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا، وَاسْتَوْسَقَتْ فِي قِيَادِهَا، مَا ضَعُفْتُ، وَلاَ جَبُنْتُ، وَلاَ خُنْتُ، وَلاَ وَهَنْتُ، وَأيْمُ اللهِ، لأَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ”. (نهج البلاغة: خ ١٠٤).

 

فرحمة الله تجسَّدت بهذه الشخصية المباركة العظيمة، التي نشرت الرَّحمة في العالمين، وأطلقت الإنسانية في داخل كل إنسان رآه، وسمع حديثه، وكلامه لأنه حديث الروح للروح، والقلب للقلب، والعقل للعقل، وأعطى للإنسان مساحة واسعة بسعة الحقيقة، كاملة بكمال الحق، صادقة بلسان الصادق الأمين، وما عهد هذا البشر من قبله أبداً، وهنا سرُّ العظمة التي ظهرت فأبهرت.

ويصف المفكر والمرجع الكبير السيد المدرسي (دام ظله) ذلك بقوله: “كان الظلام سائداً على العالم، وكانت الأصنام تُعبد جهراً بفعل الانحرافات الجاهلية، وكانت البشرية غارقةً في الضلالة، وقوى الاستكبار هي سيدة الموقف في كافة أنحاء الأرض، والمستضعَفون يرزحون تحت نير السلطات الطاغية هنا وهناك، والأقوياء والأغنياء يفرضون منطق القوة وشريعة الغاب في كلّ مكانٍ..”.

 

ثم يقول: “فها هو الغيب يدخل طرفاً رئيسياً في معركة الخير والشر، والحق والباطل، ويساند الخير والحق بقوته.. وها هو الإرهاص بطلوع فجرٍ جديدٍ، لأنَّ الله عزّ وجل خلق النّاس ليرحمهم لا ليعذّبهم، وقد أبى أن يستمر المستضعَفون والفقراء والبؤساء في وضعٍ كهذا الوضع، فبعث رسوله خيراً عميماً ورحمةً للعالمين.. وشهد العالم حوادث عجيبة وغريبة لم يكن يعهدها من قبل إيذاناً بأن الله عز وجل شاء أن ينقذ البشرية، فوضعت آمنة ذلك الوليد الذي عمّت بركته البشرية على امتداد التاريخ”. (النبي محمد قدوة المؤمنين؛ السيد محمد تقي المدرسي: ص96 بتصرف).

فشرف الإنسانية ومجدها في هذه الدنيا هي من صناعة الأنبياء والرُّسل، الذين خُتموا برسول الله، صلى الله عليه وآله صانع، الأمجاد، ووالد الأئمة الأنجاد، عليهم السلام.

 

عن المؤلف

الحسين أحمد كريمو

الحسين أحمد كريمو

اترك تعليقا