قصة قصيرة

في الطريق إليه

0

متشابهان رغم امتداد المسافات والأزمان التي تفصل بينهما .. حملتهما نفس الخطى والخطايا ليجتازا قاحلة لا تنتهي مدياتها .. أراد كل منهما أن يحقق إنسانيته وحلمه السامي وسط دنيا هيأت للشرور أسباب العيش والبقاء ونصبت أوثانا وعروشا قامت على بحيرات دماء لتعلنها حربا ضروسا على الانسان والقيم.
ذاك المحارب الذي وجد ضالّته بكل وضوح فأخذ يسعى مُلقِياً رداء ماضيه وهو يدوس على عقارب الغدر من البشر وهو في طريقه – نحو سراج ساطع – عابرا ظلمات شتى واثقا بكل خطوة يخطوها على مداد قفر تلك الفلوات فكان حُرّاً في الوقت الذي كان الكثير منهم لا رؤوس توقظهم، كانوا يحملون رؤوسا لاتشبه الرؤوس .. ذئاب وثعالب تعوي للموت والفناء، أما الضمائر والقلوب فمسحت في الارض وضعوها تحت نعالهم هي ورؤوسهم ليتسنى لهم اغتيال النجوم بعتمتهم الحالكة .. لم يكن أمام المحارب سوى أن يرتقي سلَم القرار ويعلن حريته ليسمع بكلمته وبموقفه القاصي والداني وليكون كما ينبغي أن يكون قمة لجبل التحدي والارتقاء والشجاعة، محاربا لأهواء النفس الأمّارة ولمغريات الحياة ومتاهاتها .. كان لابد عليه أن يتحول الى إنسان آخر بكل ما يحمل من معانٍ وقيم إنسانية سامية معلنا انعتاقه وحريته وإبحاره في سماوات النور .. وها هو {ولاء} يمضي في ذات الطريق واثقا متحمسا سائرا الى مبتغاه ومناه مقتديا بذلك المحارب الحر الذي طالما أثار اهتمامه واحترامه .. الطريق طويل ولكن في لحظات العزم والإرادة والتحول والتطهر تقصر المسافات وتتوحد الرؤى والأفكار والأحاسيس والمشاعر باندماج روحي عميق.
وهو يسير مع ذلك السيل البشري المتنوع المدهش لم يغب عن باله ما جرى من ظلم وأهوال وما سفكت من دماء عبر التاريخ وما سقطت من رؤوس في وحول الدنيا وما ارتقت أخرى لسمائها .. الصور ترتسم أمامه تعيش في روحه المتطلعة الى غد أسمى وأرقى، وهو يجري والكل يجري بمشهد يُبكي الروح فتتطهر ثم تجري لتسبق جسده مثل الآخرين الذين تندلق أرواحهم قبل الأقدام والأجساد وهي تتسابق للوصول اليه .. لم يكن طريق النور- دائما – سالكا بدون مصاعب ومشاق ورغم كل شيء فالإرادة هي التي تحدد مصير إنسان يحاول انتشال نفسه من مستنقعات الظلام والذنوب والتحول الى رياض النور والرقي والطهارة.
ثمة شيء يحاول اعتراض {ولاء}.. يدور حوله .. يقلقه .. يُكبِّله بسلاسل الرضوخ والتردد والعدول عن ما يرمي اليه؛ يحاول انتزاع روح الإقدام والصلاح والشهامة من رؤاه .. ها هو ديدن إبليس المارد اللعين الذي لن تهدأ محاولاته المستمرة ولن يحيد عن الآدميَة وعن الضمائر والعقول الا أن يجرِّدها من محتواها .. هو نفسه الذي كان هناك في عمق التاريخ ليثير العواصف والخراب والموت، وليحيل الأرض الى جحيم حروب دائمة وصراعات مستمرة مع الذات ومع الآخرين، يرمي بحبال حقده على الإنسان كي يضلَ الطريق فتكون الهاوية.
تواصل {ولاء} في المسير بهمة عالية وهو يعيد شريط ذاكرته الى الوراء حيث انحلاله وسقوطه والذنوب التي تتوالى .. والمعاصي. والأوزار .. الخطيئة تلو الخطيئة .. والهوَة بعد الهوَة، والتي تعرَض لها بضغط شيطاني وقد قرَر أن يتجاوزها بوعي وإصرار فيتحول الى حالة أخرى من الحياة الحرة بلا عبودية لأهواء النفس، وأن يجسد ذلك التحول بهذا المسير المجلجل رغم أن إبليس يحاول أن يحيده عن طريق الله يأمره بالعودة الى ما كان عليه لكي لا يتقدم ويواصل المسير .. يوهمه أنْ ثمة متاعب تحت لهيب الشمس ومصاعب وعواصف ومتاهات .. ولكن طفلة تقطع عليه هذا التوجس وهي تناوله قدح ماء!
– اشرب يا عم
تناول منها القدح يبدو عليه بعض التعب والإرهاق.. أدناه من فمه كما لو أنه قد احتوى مياه الأرض كلها .. تردَد قليلا وهو ينظر لتلك الطفلة البريئة .. اغرورقت عيناه بالدموع مستذكرا تلك الطفولة التي حرمت من الماء وذلك الجود الذي تفجر منه الفرات مثل ثائر ليسيح على رمضاء الطف .. كيف تجرأ المتجبرون ؟ وبأي صبر تحمَلَ الظامئون ..؟
– ما اسمك يا ابنتي؟
– رقية
– ما اسم أبيك؟ وماذا يعمل؟
– أبي شهيد .. !
مسح على رأسها قبّلها ثم غادرها ليواصل المسير وهو أكثر همّة وعزيمة وإصرارا ليعد خطواته التي تعادل حريته وكرامته وسعادته مستبشرا بالذي هو سائر اليه تاركا وراءه كل التعاسات والخطايا والظلمات .. وعلى امتداد الطريق تتسابق الأقدام، وعلى جانبيه رجال كرماء جُلّ أمانيهم أن يتفضل السائرون بالتبرك بما قسم الله من شتى أنواع الأطعمة والمشروبات والخدمات إكراما وخدمة للذي ضحى بكل شيء من أجل إعلاء كلمة الحق وإنقاذ الإنسان. ازداد حماسا واندفاعا لما رآه من مواقف وخدمات وهو يتجاوز المكان تلو المكان بمشاعر جياشة وشعور كبير بالانتماء الحقيقي وبتحرر النفس من كل نزوة .. والعقل من كل عتمة.
معوقون .. أطفال .. نساء .. شيوخ .. ومريض مرهق على كرسيه يدفعه ابنه بكل ثقة واهتمام وكأنه يواسي الإمام الذي زيّنته العبادة والسجود؛ علي بن الحسين، عليهما السلام، والذي رافق الركب الحسيني رغم مرضه وكان شاهدا على كل ما جرى.
الجميع يريد التطهر والتحول والشفاء من كل الأمراض؛ أمراض الجسد وأمراض العقل وأمراض النفس .. الجميع يريد الوصول الى النقاء والتحرر من ثقل الأكتاف .. الجميع يريد النجاة ولكن كُلّ بطريقته وقصديته، والطريق ذاته يريد لهم النجاة شرط أن يكونوا كما ينبغي ويفقهوا معاني وأهداف الطريق، وإنسانية الطريق، وأخلاق الطريق.
على امتداد الأفق تصاعدت عاصفة ترابية دموية فاضطرب بعض السائرين .. تسارعوا .. تزاحموا للدخول في الخيم والمضايف .. والرايات المنصوبة والمحمولة ترفرف بشدة .. لن توقفها الريح .. فكلما اشتدت زادت حركة الرايات.
تأخر {ولاء} حتى اقتربت العاصفة شيئا فشيئا وهو يريد ان يعيش أجواءها بكل ما فيها من متاعب وكأنه يريد أن يطهّر نفسه بكل وسيلة مستذكرا قافلة السبايا وما جرى عليها من أذى .. دعاه أحد أصحاب الخدمة وألحّ عليه بالدخول لأحد المضايف بعد أن اشتدت الريح وهيمنت على الأمكنة في كل الجهات.
حين دخل المضيف رأى أعدادا من الأشخاص وبكافة الأعمار وقد جلسوا للراحة بأوضاع مختلفة تفحص وجوه الحاضرين وكأنه يقول في نفسه: هل أن كل هؤلاء سائرون لنفس الهدف والغاية؟!
وضع رأسه على الوسادة استحضر في ذهنه تلك الأجساد المقطعة في العراء والخيام المحترقة والسبايا.. وبغفوة قصيرة رأى في عالم الرؤيا نورا يتجه نحوه ويأمره بالقيام وإكمال المسير .. وعلى صوت الأذان استيقظ مندهشا تغمره السعادة .. قام وتوضأ وصلى والعاصفة قد هدأت بعض الشيء .. شدّ عزيمته ثانية ومعه عدد من الأشخاص ليكملوا المسير حاملين راياتهم؛ وأفواج من البشر من كل الجنسيات والطوائف تتسابق لبلوغ النور.
لم تمضِ إلا فترة من المسير حتى سمع دوي انفجار قريب من المضيف الذي استراحوا فيه وقت مرور العاصفة وحتما اضطربت الأرواح وعجزت عن العثور عن أجسادها أو ربما فرحت بالتحرر منها واستبشرت وسعدت.
لم يثن الانفجار عزيمة {ولاء} للوصول الى هدفه – مثلما الحُرّ الذي لم يثنه أي شيء – رغم محاولات إبليس وجنوده فقد عزم على أن يطوي ماضيه ويغسل أدرانه ويتحول بكل صدق واخلاص ويقين الى إنسان آخر مختلف، فبقوة الإرادة والتصميم يمكن ان ينتصر الإنسان.
ومع تدفق هذا السيل البشري المندلق نحو مداه، استبشرت الوجوه وتلهفت القلوب المتوقدة بالعشق عندما ابتسم الأفق بتلك المآذن والقباب عن بُعد وكأنها شموس ساطعة تنشر أضواءها على تلك الجموع العاشقة لتزيح عن العقول والنفوس كل ظلام بهيم. وعلى ضفاف {نهر الحسينية} تخلص {ولاء} من ملابسه القديمة ونزل الى النهر ليغتسل ويتطهر ثم ارتدى ملابس بيضاء جديدة متحديا أهواء النفس ليكون حُرّاً كالحُرّ، متحررا من قيود ماضيه فيتبرّك ويتنعّم في رحاب تلك الرياض المباركة الحاملة لرايات الحرية والقيم والإصلاح والنجاة وليصبح قويا ونقيا عذبا كالفرات ويترك ابليس بعيدا يتلظى بحريق الخيبة والخسران.