الأنبياء وتجارب الإصلاح مع الأمم (6)

عودةُ مجتمع!

0
-1-

تختلف أساليب العلاج باختلاف نوع الأمراض، وربما كان من أبرزها ملاحظة سعة انتشاره، فإن كان المرض فردياً فإن اتخاذ الخطوات تكون محدودة بشخص المريض، أما إذا تحوّل المرض إلى وباءٍ عام، فسوف تكون مقاومته بطريقة مختلفة، كما أن ترك المعالجة سيؤدي في الصورة الأولى إلى موت شخصٍ واحد، وفي الثانية إلى هلاك أمةٍ كاملة.
انحرافات البشر في سلوكياتهم، تشبه المرض الخطير، لما فيها من عواقب كارثية، وتزداد خطورة تلك الانحرافات إذا تحوّلت إلى حالة اجتماعية سائدة، إذ سيصطدم المجتمع كله بعاقبة إنحرافه، وربما تكون تلك العاقبة بإنزال الرب العذاب عليهم، كما مرّ ذكر بعض صور العذاب الإلهي على المجتمعات المنحرفة، حين طغت الحالة المرضية – في السلوك – عندهم على الحالة الفطرية والطبيعية، ولا يمكن الهرب من تلك العاقبة إلا بإصلاح المجتمع كله.
وتضاف إلى العاقبة النكراء في الإنحراف الإجتماعي في الخطورة، صعوبة المعالجة والإصلاح فيها، أرأيت الوباء المستشري بين مئات الألوف، كيف تعجز المنظمات الصحية عن إحتوائه؟
ومن هنا؛ كان التسلسل الطبيعي لهلاك الأمم السابقة يبدأ من تكذيبهم برسل الله – تعالى – الذين بعثهم الله لإنقاذهم من إنحرافاتهم، ومن ثم الإصرار على الإنحراف، وفي النتيجة العقاب الإلهي، وكان هذا التسلسل سنةً إلهيةً ثابتة، لا تتغير بتغير الزمان والمكان.

-2-

سنة الله في إهلاك المجتمعات المكذّبة بالرسل، والمسترسلة في فسقها، ثابتة، إلا أن هناك مجتمعاً خرَج عن تلك القاعدة، وهم قوم يونس، عليه السلام، الذين رفع الله – سبحانه – العذاب عنهم بعد أن كانوا مستحقين له بضلالتهم، حيث لجأوا إلى بارئهم فكشف عنهم العذاب.
وقبل التعرض لقصة قوم يونس، والبصائر التي نستفيدها لواقعنا اليوم منها، لابد أن نتساءل: هل أستثني قوم يونس من تلك السنة؟ وبتعبير آخر هل كانت عاقبة قوم يونس خلافاً للنظام الإلهي الثابت في الخليقة.
قد يبدو الأمر هكذا للوهلة الاولى، ويساعد السياق القرآني في بيان قصتهم على ذلك – حسب بعض التفاسير -، غير أن الصواب يكمن في أن قوم يونس تداركوا الأمر قبل فوات الأوان، كما أن المريض يأخذ العلاج لدائه قبل الموت فينقذ نفسه من الهلاك، إلا أن حالة قوم يونس، عليه السلام، كانت فريدة في الظاهر، لأن الحالة الغالبة لدى البشر إسترسالهم مع الإنحراف، بل ويستمرون في غيّهم، مع ملاحظة علامات العذاب، فحينذاك سوف لا ينتفعون بالتوبة أثناء نزول العذاب، كما يقصّ القرآن الكريم علينا قصة عاد، الذين لم يهمّوا بالإصلاح حتى مع رؤيتهم لآيات العذاب، حيث قال الله سبحانه: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ ريحٌ فيها عَذابٌ أَليم‏}، (سورة الأحقاف: 24)، بينما قوم يونس عادوا ولمّا ينزل العذاب عليهم.
يقول المرجع المدرسي في هذا الإطار: «يبقى أن نعرف: أن ذلك ليس قدراً مقضيًّا عليهم بل سُنّة اجتماعية، والفرق بين القدر والسُنّة، إن القدر كطلوع الشمس من مشرقها في وقتها لا يخضع أبداً لإرادة البشر، بينما السُنة كما التصدّي للظلم، وسقوط الطاغوت، قد يتقدم أو يتأخر، أو ربما لا يحصل ذلك إذا لم تتحقق إرادة الإنسان، فقد لا يقرر المجتمع المضطهد الانتفاض ضد جلاديه، وقد يغير الطاغوت عاداته الظالمة في الوقت المناسب فيمدد في أجله، وهكذا جحود الظالمين، وكفر المكذبين بآيات الله، ليس قدراً، بل سُنة، فمن الممكن عقلاً أن يدور المرء مائة وثمانين درجة باتجاه الصلاح كما فعل قوم يونس، ولكن لا يقع ذلك عادة بسبب تكبر الفاسقين وتعاليهم عن التوبة إلا بعد فوات الوقت»(1).

-3-

كما هي سيرة الأمم الكافرة، استمر قوم يونس على التكذيب بنبي الله المرسل إليهم، حيث لم تنفعهم الدعوات المتكررة للنبي الموجود بين ظهرانيهم، غير أنهم كانوا يعرفونه بالصدق والصلاح – كما هو حال كل الأنبياء -، لذلك أخذوا بإنذاره بنزول العذاب على محمل الجدّ، إذ كان النبي قد وعدهم بنزول العذاب في يومٍ معيّن، وكانوا قد تشاوروا فيما بينهم في الأمر، فأشار بعضهم أن يجعلوا لنزول العذاب علامةً، وهي خروج النبي من مدينتهم.
من جهته، لما رأى النبي يونس تكذيب القوم، واستمرارهم في سبيل الضلال والغيّ، غضِب لله – تعالى -، وخرج من المدينة إلى جهة البحر، ولم يكن خروجه إرضاءً لنفسه، بل كان لله، بيْد أنه لم يكن بأمر الله سبحانه، ولذلك ابتلاه الله – تعالى – بالحوت.
حين رأى الناس علامات العذاب، التي تمثلت بالغيوم السوداء يصاحبها دخانٌ عظيم، علموا قرب نزول العذاب عليهم، حينذاك راحوا يفتشون عن النبي يونس، عليه السلام، فلم يجدوه في المدنية، فتيقنوا حينئذٍ من العذاب المهلك لهم.
راحوا يبحثون عن أية وسيلةٍ للخلاص، كما الغريق يفتش عن تُمامةٍ أو حشيشةٍ يتمسك بها، وبالفعل وجدوا الحل عند العالم الموجود عندهم، حيث دلّهم على سبيل النجاة المتمثل بالعودة إلى الله – سبحانه -، فكان من أمرهم الخروج إلى الصحراء والتفريق بين الرجال والنساء والأطفال، وأخذوا معهم دوابّهم أيضاً، واعترفوا بضلالتهم وأعلنوا إيمانهم، وسألوا الله – سبحانه – بقلوبٍ خاشعة وعيونٍ دامعة بأن يرفع عنهم العذاب وشرطهم أن يصلحوا ما فسد من سلوكهم، وهكذا كان فعلاً حيث رفع الله – سبحانه – العذاب عنهم؛ قال – تعالى -: {فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَتَّعْناهُمْ إِلى‏ حين‏}، (سورة يونس: 98).
«فلولا» في هذه الآية تفيد التحريض على تقديم الإيمان قبل فوات الأوان، الأمر الذي فعله قوم يونس فأنقذوا أنفسهم من الهلاك في زمانهم ومن اللعنة طوال التاريخ، وهو الأمر ذاته الذي ينبغي فعله على كل مجتمعٍ يواجه الإنحرافات عن القيَم الإلهية؛ يقول المرجع المدرسي – دام ظله -: «إن هذا التحريض القرآني الشديد يدل على:
أولًا: إمكانية تحول الفرد والمجتمع تحولاً جذريّاً قبل فوات الأوان.
ثانياً: يدل على الصعوبة البالغة لهذا التحول، مما يقتضي التحريض بكلمة عنيفة وهي‏ لَوْلا.
أجل إن قوم يونس ضربوا مثلًا رائعاً في هذا التحول، الذي ينبغي أن يكون قدوة للمجتمعات الضالة التي يعبر عنها القرآن الحكيم عادة بكلمة قَرْيَةٌ»(2).

-4-

إن ما جرى لقوم يونس من إرهاصات نزول العذاب، وما آل إليه أمرهم؛ بصائرٌ عديدة نستفيد منها هدىً لحياتنا، بيّنتها النصوص الشريفة، نذكر بعضاً منها:
أولاً: مقام العلماء
الحديث المروي عن الإمام الباقر، عليه السلام: «عَالِمٌ يُنْتَفَعُ بِعِلْمِهِ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ أَلْفَ عَابِدٍ»(3)، تجسّد في قصة النبي يونس بشكلٍ جلي، حيث كان العالم هو المشير إلى الناس نحو سبيل الخلاص حين إفتقدوا النبي، وفيما العابد تهمّه نفسه، فان العالم يريد النفع للعباد كلهم، ولا يريد لأي مخلوقٍ أن يلقى الهلاك، ففي الرواية بخصوص العالم في قوم يونس، عليه السلام، قال الإمام الصادق، عليه السلام:
«مَا رَدَّ اللَّهُ الْعَذَابَ إِلَّا عَنْ قَوْمِ يُونُسَ، وَكَانَ يُونُسُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَيَأْبَوْا ذَلِكَ، فَهَمَّ أَنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِم‏ وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلَانِ (عَابِدٌ) وَ(عَالِمٌ) وَكَانَ اسْمُ أَحَدِهِمَا (مَلِيخَا) وَالْآخَرُ اسْمُهُ (رُوبِيلُ)، فَكَانَ الْعَابِدُ يُشِيرُ عَلَى يُونُسَ بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ. وَكَانَ الْعَالِمُ يَنْهَاهُ وَيَقُولُ لَا تَدْعُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ الله يَسْتَجِيبُ لَكَ، وَلَا يُحِبُّ هَلَاكَ عِبَادِهِ. فَقَبِلَ قَوْلَ الْعَابِدِ وَلَمْ يَقْبَلْ مِنَ الْعَالِمِ فَدَعَا عَلَيْهِمْ فَأَوْحَى الله إِلَيْهِ، يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فِي سَنَةِ كَذَا وَكَذَا، فِي شَهْرِ كَذَا وَكَذَا، فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا.
فَلَمَّا قَرُبَ الْوَقْتُ خَرَجَ يُونُسُ مِنْ بَيْنِهِمْ مَعَ الْعَابِدِ، وَبَقِيَ الْعَالِمُ فِيهَا فَلَمَّا كَانَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ نَزَلَ الْعَذَابُ. فَقَالَ الْعَالِمُ لَهُمْ: يَا قَوْمِ افْزَعُوا إِلَى اللَّهِ فَلَعَلَّهُ يَرْحَمُكُمْ وَيَرُدُّ الْعَذَابَ عَنْكُمْ.
فَقَالُوا: كَيْفَ نَصْنَعُ. قَالَ: اجْتَمِعُوا وَاخْرُجُوا إِلَى الْمَفَازَةِ وَفَرِّقُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَالْأَوْلَادِ وَبَيْنَ الْإِبِلِ وَأَوْلَادِهَا، وَبَيْنَ الْبَقَرِ وَأَوْلَادِهَا وَبَيْنَ الْغَنَمِ وَأَوْلَادِهَا ثُمَّ ابْكُوا وَادْعُوا فَذَهَبُوا وَفَعَلُوا ذَلِكَ وَضَجُّوا وَبَكَوْا فَرَحِمَهُمُ الله وَصَرَفَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ وَفَرَّقَ الْعَذَابَ عَلَى الْجِبَالِ وَقَدْ كَانَ نَزَلَ وَقَرُبَ مِنْهُمْ..»(4).
ثانياً: الإصلاح الجماعي هو الحل
حين يتفشّى الفساد الإقتصادي أو السياسي أو الخلقي في أي مجتمع، فإنّ وجود أفرادٍ يتنزهّون عن تلكم المفاسد لا يمنع من وقوع النتائج الكارثية للفساد، فلو فُرِض وجود إرتشاء في دوائر الدولة يعمل بها الموظفون والمواطنون على السواء، فإنّ هذا الإنحراف يؤدي بالمجتمع إلى عواقب فادحة كضياع حق المحقين وإعتداء المرتشين على حقوق الآخرين، ودمار المنظومة الحكومية لفقدانها روح المسؤولية، و..؛ وحينئذٍ لا يمنع من حصول هذه النتائج وجود ثلّة من الموظفين النزيهين، بل لابد أن تكون حالة الإصلاح والتوبة حالةً جماعية.
وهكذا هو الأمر بالنسبة إلى سائر المفاسد الإجتماعية؛ حيث لابد أن تحدث ثورة في ضمير كل فردٍ من أفراد المجتمع نحو الصلاح والإصلاح، كما فعل قوم يونس، عليه السلام، الذين هبّوا بأجمعهم إلى الصحراء وسألوا الله – سبحانه – الخلاص.
ثالثاً: الإصلاح العملي
التوبة والإستغفار من الذنب، تبدأ بحالة الندم وعقد العزم على عدم العود إلى المعاصي؛ ولكنها لا تنتهي عند ذلك، بل تنتهي بإصلاح ما أفسده الإنسان بسبب تلك الذنوب، وخصوصاً فيما يرتبط بحقوق الآخرين، إذ إن حقوق الناس على بعضهم البعض يعدّ من أهم ما يحاسب الله به عباده، ولا بد أن يرجع لكل ذي حقٍ حقه ليكون الإستغفار حقيقياً ومن ثمّ مقبولاً من قِبَل الله – سبحانه -؛ وقد أكدّت على هذه البصيرة آياتٌ عديدة في القرآن الكريم، منها: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحيم}، (سورة النحل: 119)، إذ جعل الرب سبحانه الإصلاح والتوبة شرطين متلازمين للغفران.
وهكذا كان الأمر في قوم يونس، عليه السلام؛ حيث قرنوا توبتهم العظيمة تلك، بإصلاح كل فسادٍ كانوا قد عملوه، فقد ورد في بعض التفاسير: «بلغ من توبة أهل نينوى أن يرادوا المظالم بينهم حتى كان الرجل ليأتي الحجر وقد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه ويرده»(5) ، والإصلاح العملي الذي قام به قوم يونس، عليه السلام، كان إنعكاساً لإيمانهم الصادق وتوبتهم النصوح.
—————————–
(1) تفسير من هدى القرآن/ ج3/ ص433
(2) من هدى القرآن/ ج3/ ص433
(3) بصائر الدرجات في فضائل آل محمد، صلى الله عليهم/ ج1/ ص6
(4) تفسير القمي/ ج /1 ص317
(5) مجمع البيان في تفسير القرآن/ ج5/ ص203.