الإِمَامُ مُحَمَّدُ الْبَاقِر مُفَجِّرُ يَنَابِيعَ الْعِلمِ فِيْ الأُمَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ

0
  • مقدمة علمية

العلم فضيلة؛ وأيُّ فضيلة، وضدها الجهل، وهو رذيلة ليس مثلها رذيلة.
والبَقْرُ؛ هو الشَّقُّ، فقد جاء في لسان العرب: “لأَنَّهُ بَقَرَ العِلمَ وَعَرفَ أَصله واستنبط فرعه؛ وتَبقَّر في العلم، وأَصل البَقْر؛ الشَّق، والفَتح، والتَّوسعة؛ بَقَرْتُ الشيءَ بَقْراً؛ فتَحتُه ووسَّعتُهُ” (لسان العرب: بَقَرَ)
وهذا ما جاء في رواية: سألتُ جابر الجعفي فقلتُ له: ولِمَ سُمِّي الباقر باقراً؟
قال: لأنه بَقَرَ العِلم بقراً؛ أي شقَّه شقاً وأظهره إظهاراً” (علل الشرائع: ج 1 ص 233)
وفي خبر جابر أنه قال له، عليه السلام: “يا باقر أنت الباقر حقاً، أنت الذي تبقر العلم بقراً”. (بحار الأنوار: ج 46 ص221)
وقال ابن حجر في “الصواعق المحرقة”: “سُمي بذلك من بقر الأرض أي شقها وأثار مخبآتها ومكامنها، فكذلك هو أظهرَ من مخبأة الكنوز والمعارف، وحقائق الأحكام والحِكم، ولطائف ما لا يخفى إلاّ على منطمس البصيرة، أو فاسد الطويَّة والسَّريرة، ومن ثم قيل فيه: هو باقر العلم وجامعه وشاهر عَلَمَهُ ورافعه”. (الصواعق المحرقة لابن حجر: ص120).
وويُعلِّق سماحة السيد المرجع المدرسي -دام عزه- على ذلك بقوله: “قد أفاض الإمام على المسلمين من علمه عبر تربيته لطائفة عظيمة من الفقهاء والمفسرين وحكماء المعارف الإلهية، من أمثال جابر بن يزيد الجعفي، ومحمد بن مسلم، وأبان بن تغلب، ومحمد بن إسماعيل بن بزيع، وأبو بصير الأسدي، والفضيل بن يسار وآخرين.
كما أنه نشر العلم عبر مَنْ روى عنه من علماء عصره من أمثال: ابن المبارك، والزهري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وزياد بن المنذر النَّهدي، ومن المصنِّفين: الطبري، والبلاذري، والسلامي، والخطيب، وغيرهم” (الإمام الباقر(ع) قدوة وأسوة، ص15، عن بحار الأنوار: ج 46 ص294).

 

[.. شهدت مدينة رسول الله أوَّل وأعظم جامعة في العالم، فقد كانت تضمُّ أربعة آلاف طالباً، وتطورت في عهد ولده العظيم الإمام جعفر الصادق، عليه السلام، لتشمل حوالي اثني عشر ألف طالباً ..]

 

 

  • وهل العِلم يُبقر؟

وقد يسأل سائل هنا، وهل العلم يُبقر ويُشق، وهو أمر اعتباري، والشق يكون للأمر المادي عادة، كبقر الأرض، وغيرها؟
نعم؛ العلم يُبقر ويُشقق ويُوسَّع، ويوزع ويُفرَّع إلى أفرع كثيرة جداً لا يمكن حصرها، والواقع الذي نعيشه الآن في التفجُّر العلمي الهائل في هذا العصر لا سيما بعد الثورة الرقمية “الديجتال” التي غيَّرت وجه المعمورة، ونمط حياة البشرية، إلى أن جاءت هذه الجائحة الكورونية فأربكته من جديد وأعادته إلى المربَّع الأول، لأن البشر كادوا أن يفقدوا إنسانيتهم في زحمة الحياة الرقمية، وكثير من أبناء آدم فقدوا حسَّهم الإنساني تجاه إخوانهم في الإنسانية لا سيما الطغاة والحكام المؤثرون في القرار العالمي كسيد البيت الأسود الذي كاد أن يقول كما قال فرعون من قبل، ولكنه بصورة أخرى وكلام أقل جرأة، ولا ندري لو طال به الحكم لقال أكثر مما قال فرعون في أيام كليم الله موسى بن عمران، عليه السلام.
فالتفجُّر العلمي أمر واقع لا مفرَّ منه وإلا لبقينا على عهدنا منذ الجاهلية الأولى لولا هذا التقدم العلمي الذي أحدثه الإمام محمد الباقر، عليه السلام، في عصره، فهو بقر العلم، ونشره، و وزَّعه من خلال تلاميذه وطلابه الذين درسوا على يديه الكريمتين المباركتين في مسجد جده رسول الله، صلى الله عليه آله، وفي مدينته التي شهدت أوَّل وأعظم جامعة في العالم حتى تاريخه المشرق، فقد تناقلت كُتب التاريخ بأنها كانت تضمُّ أربعة آلاف تلميذ، وتطورت في عهد ولده العظيم الإمام جعفر الصادق، عليه السلام، لتشمل حوالي اثني عشر ألف طالباً وتلميذاً، كما قرأتُ في بعض الكتب التاريخية.
فكانت بذرتُها وأصلها قد زرعها الإمام محمد الباقر، عليه السلام، عندما سمحت له الظروف، وسنحت له الفرصة للقيام بتلك الرسالة العظيمة التي أحيت الرسالة الإسلامية وأعادتها إلى الحياة بقوة وجدارة بعد النَّكسة القوية، والنَّكبة التي منيت فيها في مأساة عاشوراء الخالدة التي حضرها الإمام الباقر، عليها السلام، شخصياً، و ربما كان عمره الشريف أكثر من ثلاث سنوات فرأى وسمع كل ما جرى، ولذا تجد إن روايات المأساة المهولة قد أتت عنه -روحي فداه– كما أنه شارك والده الأسر والسَّبي، والوقوف في مجالس الطغاة، و دواوين الحكام في الكوفة حيث سمع و رأى عمَّته اللبوة الحيدرية السيدة زينب، عليها السلام، في موقفها التاريخي من ابن سمية، ثم موقفها وخطابها في مجلس الكفر اليزيدي، حيث كذَّبته و رذَّلته وأذلَّته بشكل عجيب وغريب، ثم شهد خطاب والده الإمام زين العابدين في مسجد الشام الذي لا يُنسى، وكل تلك الأحداث صقلت شخصية ذاك الطفل الألمعي، والفرع الحيدري، الذي جمع الإحسان كله في شخصه الكريم، فهو أوَّل مولود بين الحسن والحسين (ع)، فوالده الإمام علي بن الحسين (ع)، وأمه السيدة فاطمة بنت الإمام الحسن (ع)، ولذا جاء عجينة نورانية، وطينة ربانية، وشخصية إلهية؛ جمعت كل الحُسن والإحسان في بني الإنسان فكان يُلقَّب بـ “بالشبيه” لأنه كان يُشبه جده رسول الله، صلى الله عليه وآله، وكل آباءه وأمهاته من هذا النور الباهر الذي كان منهم شخص الإمام محمد الباقر، عليه السلام.

 

[.. كانت سيرة ومسيرة الإمام الخامس، محمد الباقر، عليه السلام، هي بقر العلم، ونشره في حياة الأمة في ذلك العصر، وفي كل عصر ..]

 

 

  • منبع علم الإمام الباقر

كان من منبع النور في هذا الكون الذي خلقه الله من نور ذاته المقدسة، وفمن أين جاء بالعلم الذي كان يختزنه الإمام، عليه السلام، وما هي مصادره؟ وكيف احتواه ثم شقَّه وبَقَرَه الإمام الخامس من أئمة المسلمين الذي عُرف بالإمام الباقر لعلوم الأنبياء والمرسلين؟
فالمعروف أن علم الإمام هو إمام العلم، وهو على نوعين؛ علمٌ موهوب، وعلمٌ مكتسب؛ فالعلم الموهوب هو ما نسميه بالعلم اللَّدنِّي الذي يهبه الله تعالى لأوليائه وحُججه على خلقه، وهو ما يُميِّز الإمام عن غيره من البشر الذين يقتصر علمهم على النوع الثاني من العلم وهو العلم المكتسب من الآخرين؛ الآباء، والأساتذة، والمعلمين، والتجارب الاجتماعية، وغيرها من ضروب العلم المكتسبة لدى البشر عادة، وليس حديثنا عنه هنا، بل حديثنا عن المصدر الأول للعلم.
وما يؤكده أهل العلم الرَّباني، وأهل الولاية الإلهية، أهل البيت الأطهار، عليهم السلام: “أن ليس العلم بكثرة التعلم ولكن العلم نور يقذفه الله في قلب مَنْ يشاء”، ولكن هذا النور ينطلق من الوحي المقدس، والعقل المسدد، والآثار الرَّبانية المتوارثة كالجفر و أنواعه، والصحيفة العلوية، ومصحف فاطمة، من العلم المذخور لدى أئمة الهدى، عليهم السلام، فقد جاء في الحديث المأثور عن الإمام الباقر، عليه السلام أنه قال: “إن رسول الله أنال في الناس وأنال وأنال، وإنَّا أهل بيت عندنا معاقل العلم، وأبواب الحكم، وضياء الأمر”.
و روي عن ولده الإمام الصادق، عليه السلام، أنه قال: “إن علمُنا غابر ومزبور ونكث في القلب ونقر في الأسماع، قال: أما الغابر فما تقدم من علمنا، وأما المزبور فما يأتينا، وأما النكث في القلوب فإلهام، وأما النقر في الأسماع فإنه من الملك”.
وأهم منابع علم الأئمة الأطهار؛ الوحي، وقد فصَّل الكلام في ذلك سماحة المرجع المدرسي، حفظه الله، نقتطف من كلماته بعض الورود الفكرية في هذا المجال الراقي، يقول سماحته: “ويتصل علم الأئمة بالوحي عبر السبل التالية:
أولاً: العلم من كتاب الله، بالتدبر فيه وتأويل آياته على الحقائق والوقائع، أليس في القرآن علم ما كان وما يكون، وفصل ما هو كائن، ومن أولى بكتاب الله ممن أنزل في بيوتهم وزقوا علمه مع اللبن زقاً؟ وقد كان الأئمة، عليهم السلام، شديدي الوله بالقرآن، عظيمي الاحترام له، وكانوا يختمونه في كل ثلاثة أيام مرة، و ربما في كل يوم، وكانوا يقولون: أنهم يستفيدون منه علماً جديداً كلما أعادوا قراءته حتى أنهم استفادوا علم الآفاق من آياته الكريمة.
ثانياً: أحاديث الرسول الأكرم؛ والتي توارثوها من آبائهم عبر جدهم الأعلى الإمام أمير المؤمنين، وجدتهم الطاهرة فاطمة الزهراء، عليهم السلام جميعاً، فقد جاء في الحديث المأثور عن الإمام الباقر، عليه السلام، أنه قال لجابر بن عبد الله: “يا جابر إنّا لو كنا نحدثكم برأينا وهوانا لكنا من الهالكين، ولكنّا نحدثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله كما يكنز هؤلاء ذهبهم وورقهم”
ثالثاً: الإلهام الذي عبَّرت عنه الروايات بعدد من الأشكال والألفاظ المناسبة، “إذا كان العلم نور الله يقذفه في قلب من يشاء فما الذي يمنع عن قذف نور العلم في قلب أوليائه، هكذا كان من مصادر علم الأئمة، عليهم السلام، الإلهام، والذي ترافقه سكينة تجعلهم يثقون بأنه من عند الله” (الإمام محمد الباقر قدوة وأسوة: ص10 بتصرف).
ثم يخلص سماحة السيد المرجع إلى النتيجة بقوله: “وعلم الإمام الباقر (ع) -كما سائر أئمة الهدى انبعث من هذه الروافد، فلم يكن غريباً، ما أظهر الله على لسانه من معارف الدِّين حتى قال الشيخ المفيد -قدس سره-: لم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين، عليهما السلام، من علم الدِّين، والآثار، والسُّنّة، وعلم القرآن، وسيرة وفنون الآداب، ما ظهر عنه”.

 

 

  • ناشر علم الدِّين في الدنيا

نعم؛ كانت سيرة ومسيرة الإمام الخامس، محمد الباقر، عليه السلام، هي بقر العلم، ونشره في حياة الأمة في ذلك العصر، وفي كل عصر، وهذا ما لا يُنكره أحدٌ من الخلق، والمنصفين، من أمة سيد المرسلين، فكان ذكره وفضله يطفح بالنور، والخير، والفضيلة في الأمة الإسلامية.
فالسلام والتحية على الإمام الباقر للعلوم، والناشر لها في أمة جدِّه المصطفى، صلى الله عليه وآله.