الإِمَامُ مُحَمَّدُ الْجَوَّادُ حَيَاةٌ مُشْرِقَةٌ وَشَهَادَةٌ مُؤْسِفَةٌ

0

 

  • تقديم ولائي

عقيدتنا في الإمام هي عقيدتنا في النبي تماماً عدا الوحي النازل على النبي صلى عليه وآله وسلم، فهما من حيث الجوهر النوراني واحد، ومن حيث المهمَّة والرسالة متكاملان؛ فالنبي يتلقى الوحي ويُبلغه، والإمام يفسره ويؤوله على أرض الواقع في حياة الأمة، ولذا الولي هو الجهة التنفيذية للرسالة السماوية إذا صحَّ التعبير.
وكما أن الله سبحانه وتعالى ابتدأ البشر بنبي هو أبوهم آدم عليه السلام، فإنه سيختمها بولي كما تؤكد النصوص والروايات، ولا تخلو الأرض من حجة لله تعالى أبداً، ولو خلت لساخت بأهلها، كما في رواية مولانا الحجة الثامن الإمام الضامن علي بن موسى الرضا عليه السلام. وقال الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام: “الحجة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق”.
هذه الحُجية المستمرة في البشر، ومتواصلة عبر العصور وكرِّ الدهور هي التي اختلف فيها البشر منذ فجر التاريخ وإلى يوم الناس هذا، إذ لا خلاف على الأنبياء والرسل الكرام، وإن اختلف فيهم أقوامهم، ثم اختلف البشر عليهم، فآمنوا ببعض وكفروا بالبعض الآخر، فاليهود ينكرون السيد المسيح عليه السلام ويقذفون السيدة العذراء بأبشع التهم الباطلة، وأتباع السيد المسيح يجحدون بالرسول الخاتم، صلى الله عليه وآله، رغم علمهم ويقينهم بأنه النبي الموعود به في الإنجيل المنزل على رسولهم قبل أن يتلاعبوا فيه، ولولا الرسول الأعظم وبيان الحق في السيد المسيح وأمه العذراء لبقيا متَّهَمَين عند بني إسرائيل فالذي برَّأهما هو القرآن الحكيم وبيَّن ذلك الرسول الكريم، صلى الله عليه وآله ورغم ذلك جحدوه، استكباراً عن الحق.
فالأنبياء عليه السلام ايَّدهم الله بالمعجزات، فأفحموا أقوامهم حتى أقروا بصدقهم طائعين أو مكرهين كما يظهر ذلك في سيرة ومسيرة الرسول الأعظم في قريش، والعرب قاطبة، حيث خضعوا له وأذعنوا لرسالته، ولكن هل خضعوا لوصيه، وأمناء الوحي من بعده، وهم أئمة المسلمين؟
هؤلاء هم الحجة المذكورة، والمؤكدة، الذين اختلف فيهم البشر، لأنهم الحكام، والأشهاد عليهم والبشر العاصي يكره أن يراه أحد على معصيته، فكيف إذا كان حاكماً عادلاً وشاهداً صادقاً؟

 

 

[.. أن القول بالنبوة والإمامة لا يمكن إلَّا بعد الإيمان الكامل بقدرة الله تعالى على أن يجعل من فرد واحد مجمعاً للفضائل، ومرجعاً للمعارف، وقدوة للناس وأسوة للخلق؛ فالاعتقاد بالنبوة يفرض على الإنسان الإيمان بالمعجزة (والتي هي ما يتعدى طاقة الإنسان) ..]

 

  • الإمام محمد الجواد عليه السلام

من أئمة المسلمين العظام، بل هو معجزة الإمامة حقاً، كان الإمام التاسع من أئمة الحق والعدل، الذي آتاه الله الحكم صبياً، بل أعطاه الإمامة، والولاية بكل سعتها وهو طفل لم يتجاوز السابعة من عمره الشريف، فقام بكل المهام، واحتج على علماء وعظماء الإسلام وأفحم حجتهم وأدحض آراءهم برأيه الصائب وحكمه الواقعي في كثير من القضايا والأحكام العويصة، يقول سماحة السيد المرجع المدرسي (حفظه الله) في ذلك: “ويكفيك‏ في‏ الإمام‏ الجواد ما سبق من أنه سُئل في مجلس واحد ثلاثين ألف مسألة، فأجاب عنها وهو ابن ثمان أو تسع، وأنه كان في‏ زهاء السادسة عشرة من عمره إذ حضر مجلس المأمون وباحث مع قاضي القضاة، فأفحمه إفحاماً، وإذا علمنا أن المأمون كان كما يحدثنا التاريخ أعلم الخلفاء العباسيين وأعرفهم بعلوم أهل زمانه، ثم رأيناه كيف يخشع لجلال ابن الرضا عليه السلام في المشاهد (الكثيرة)؛ نعرف معنى العلم الإلهي ونوعيته”. (الإمام الجواد (عليه السلام): قدوة وأسوة، ص: 60)
فمسألة العمر، والسن، والكبر والصِّغر لا شأن لها في الإمام كما لا شأن لها في النبي، فكما تكلم السيد المسيح في المهد وكذلك يتكلم الإمام في المهد أيضاً، وكما الله تعالى آتى بعض الأنبياء كالمسيح ويحيى الحكم والنبوة صبياً، كذلك آتى الجواد والهادي والمهدي من أئمة المسلمين الولاية والإمامة.
ولكن هذه الأمة – وكل الأمم السالفة – تخضع للنبي لأنها لا تستطيع مقاومته ومعجزته، ولكنها تنقضُّ على الولي، والوصي، والخليفة لتقضي عليه وتستولي على كل مقدرات الأمة التي أنشأها النبي والوصي كما حصل في هذه الأمة المنكوبة المقلوبة على أعقابها بعد نبيها صلى الله عليه وآله.

 

 

[.. حياة الإمام الجواد عليه السلام شمس مشرقة لهذه الأمة لو وعت رسالته، وتبعت ولايته، ولكنها تركته واتبعت السلطان والحكام من بني العباس كما فعلوا ذلك من قبل، فتاهوا وضلوا ضلالاً بعيداً ..]

 

من هنا كانوا ومازالوا يُنكرون إمامة الإمام الجواد عليه السلام لأنه كان صبياً لا يتجاوز السادسة من عمره عندما انتقل والده الرضا عليه السلام إلى ربه شهيداً بسم المأمون العباسي فقضى غريباً في كل شيء، علماً أنه ترك ولده ووحيده في المدينة المنورة وذهب ليستلم الخلافة أو ولاية العهد كما هو معروف في التاريخ الإسلامي، فهل يُعقل أن يترك ولي العهد ولده الوحيد بعيداً عنه آلاف الكيلومترات وهو يرفل في الحكم والسلطان؟
ومَنْ علَّم هذا الطفل المعجزة إذن ليقوم في مجالس الخلفاء كالمأمون العباسي الذي أدناه وقرَّبه، وزوَّجه ابنته رغم أنوف بني العباس جميعاً، فمن أين جاءه كل هذا العلم الذي احتاجته الأمة كلها وكان مستغنياً عنها كلها أيضاً؟
فالقضية لا تتوقف على الشخص الذي يختاره الله تعالى للنبوة، أو الإمامة، بل تتوقف على المؤمنين به، فالله تعالى ضرب لنا الأمثلة وبيَّن لنا الحقائق والوقائع في كتابه وآياته، وبعد ذلك ترى البشر يستصغرون ما اختاره الله لهم، يقول جناب السيد المرجع المدرسي في ذلك: “والعمر وإن كان مقياساً للناس في الأغلب ولكنه ليس بمقياس عند الله، فليس الأكبر سنًّا أعظم عند الله دائماً، ورُبَّ شيخ بغيض عند ربه ولرُبَّ شاب أو طفل محبوب عند بارئه؛ فالعمل الصالح والنية الطيبة والإمكانات الموهوبة وما إلى ذلك مما يهب الفرد قيمة وتقديراً هو المقياس الأول عند الإسلام وفي منطق القرآن.

أضف إلى ذلك أن القول بالنبوة والإمامة لا يمكن إلَّا بعد الإيمان الكامل بقدرة الله تعالى على أن يجعل من فرد واحد مجمعاً للفضائل، ومرجعاً للمعارف، وقدوة للناس وأسوة للخلق؛ فالاعتقاد بالنبوة يفرض على الإنسان الإيمان بالمعجزة (والتي هي ما يتعدى طاقة الإنسان)، وله ميزة على سائر البشر حتى يمكنه أن يقودهم ويقول لهم: إنني نذير من الله.. وإذا كانت المعجزة تعني شيئاً خارجاً عن الطبيعة الجارية في سائر الخلق، فلا فرق بين أن يكون الفرد الذي تتجلى فيه المعجزة كبيراً أو صغيراً، غنيًّا أو فقيراً”.
ثم يقول سماحته: “ولطالما أُعجبت الأمم ودُهشت حينما رأت أن الله قد بعث إليها صبيًّا نبيًّا، ولكن ربنا أبرز لهم أن فعله ذلك إنما كان تعمداً ليعرفهم معنى النبوة، وأنها ليست موهبة عادية تبرز في فرد دون فرد، تبعاً للبيئة والتربية، وإنما هو نبوءٌ عن عادة الخلق، وخرقٌ لسنة الكون، ونداء جديد ليس يشابهه نداء المخلوقات، بأن الله هو القادر وأنه إليه المصير، يقول علي بن أسباط في حديث له عن الإمامة: رَأَيْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليه السلام‏ قَدْ خَرَجَ عَلَيَّ، فَأَحْدَدْتُ النَّظَرَ إِلَيْهِ وَإِلَى رَأْسِهِ وَإِلَى رِجْلِهِ لِأَصِفَ قَامَتَهُ لِأَصْحَابِنَا بِمِصْرَ، فَخَرَّ سَاجِداً وَقَالَ: إِنَّ اللهَ احْتَجَّ فِي الْإِمَامَةِ بِمِثْلِ مَا احْتَجَّ فِي النُّبُوَّةِ، قَالَ اللهُ تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً}، وَقَالَ اللهُ سبحانه وتعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ}، وَقَالَ: {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً}، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُؤْتَى الْحِكْمَةَ وَهُوَ صَبِيٌّ، وَيَجُوزُ أَنْ يُؤْتَى وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَة” . (الإمام الجواد (عليه السلام): قدوة وأسوة، ص: 21).
فلو أنصفت هذه الأمة غير المنصفة هذا الإمام الهمام، بشخصه الكريم، وعلمه العظيم، في تلك السن الصغيرة لكفتها عِبرة وفكرة لتُسلِّم بمسألة الإمامة، وتخضع لسلطان الولاية فيها، فكيف يفعلون ذلك لهذا الفتى وبمثل سنِّه الصغير وهم قد استصغروا جدَّه أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام في يوم السقيفة المشؤومة، وهم في سن السيد المسيح عندما رفعه الله إليه – ثلاثة وثلاثون سنة-؟

 

  • من حياة الإمام الجواد

هي حياة إلهية ربانية بكل معنى الكلمة إذ أنه ولد في بيت الشرف والعفاف، في بيت الرسالة والإمامة، وتربى فيها وتسلم قيادتها وهو في الرابعة من عمره الشريف، أي من يوم فارقه والده الإمام الرضا عليه السلام إلى خراسان وتركه في المدينة المنورة، وهو يقول لهم أنني لن أعود وولدي أبو جعفر خليفتي فيكم، ألا يعني ذلك أنه قد سلَّمه الراية مؤقتاً إلى أن يحين الأجل؟
فحياة الإمام الجواد عليه السلام شمس مشرقة لهذه الأمة لو وعت رسالته، وتبعت ولايته، ولكنها تركته واتبعت السلطان والحكام من بني العباس كما فعلوا ذلك من قبل، فتاهوا وضلوا ضلالاً بعيداً، ولكن الإمام الجواد عليه السلام بعمره القصير، وأثر الكبير في حياة الأمة مازال نبعاً فيَّاضاً بالقيم والفضائل والحق والنور.
يقول سماحة السيد المرجع المدرسي في شهادة الإمام الجواد عليه السلام: “نعم، انطفأ ذلك المشعل الوهَّاج وخلَّف وراءه الأمة الإسلامية تجرُّ حسراتها تندبه كالأرض تنتدب بعد مغيب الشمس، لقد كان الإمام الجواد عليه السلام، أحدث الأئمة الاثني عشر سنًّا- باستثناء الإمام الحجة عليه السلام- حين انتقلت إليه الخلافة الشرعية في آخر صفر من سنة 202 هجرية، وهو ابن سبع سنين، وكان أحدثهم سنًّا على الإطلاق، فحينما استشهد في آخر (ذي القعدة سنة 220 من الهجرة)، وكان عمره آنذاك خمسة وعشرين ربيعاً، كما كانت مدة إمامته ثماني عشرة سنة.
وضجت بغداد بوفاة ابن الرضا عليه السلام، وذهبت الشكوك تحوم حول البلاط، وكادت تتفجر ثورة عارمة على الحكم الجائر”. (الإمام الجواد (عليه السلام): قدوة وأسوة، ص: 38).
فعلى محمد بن علي الجواد آلاف التحية والسلام.