قبور البقيع.. منارات العلم ونوافذ التطور

0

تمثّل الاثار التأريخية في كل بلد من بلدان العالم، معلما حضاريا يُشاد به، ومحافظ عليه من أن تطاله أيادي التخريب والتحريف، وهذه المعالم تكون قاعدة للتقدم العملي، والتطور الحضاري في مختلف مجالات الحياة، وإذا عدنا قليلا الى تاريخ الامم الماضية نجدها تحتفظ بإرثها الحضاري لما يشكل من رمزية، في حفظ هويتها، وثقافتها الخاصة بها.

وتشكّل المعالم الاسلامية إرثا حضاريا كبيرا للامة الاسلامية، وكثيرة هي هذه المعالم والآثار في طول وعرض العالم الاسلامي، من طنجا الى جاكرتا، وهذه المعالم تربطنا بديننا وعقيدتنا التوحيدة والدينية بشكل عميق، وتعد من المقدسات لدى جميع المسلمين، والتي يجب المحافظة عليها، حتى لو تطلب ذلك بذل التضحية بالدم.

مِن هذه المعالم، والإرث الحضاري والعلمي لهذه الأمة، قبور أئمة البقيع، والتي تضم الاجساد الطاهرة لاربعة من أئمة المسلمين، وهم الإمام الحسن بن علي المجتبى، عليه السلام، بالاضافة الى قبور الامام السجاد، والباقر والصادق، عليهم السلام، وتضم أيضا اجساد الكثير من المؤمنين، كقبر أم البنين، زوجة الامام علي، عليه السلام، كانت هذه القبور في يوم من الايام مشيدةً، بما تعكس جزءاً من شخصية اصحابها، إذ يقف الواقف أمامها، إلا ويتذكر مَن هم اهلها، ومَن كانوا، وكيف كانت حياتهم، وكيف قُتلوا!

لكن بعد مجيء العصابة الوهابية الحقادة، التي احالت هذه القبور الى خراب، وسوتها بالأرض، تحت دعوى أنها شرك، وانها تُعبد من دون الله!، وغيرها من التخرصات التي نسجوها لعملهم القبيح، وإذ تمر علينا هذه الذكرى الاليمة، ذكرى هدمها، والتي كانت في الثامن من شهر شوال، سنة 1925م، وقد سبقها تهديم عام 1806م، لكن التهديم الأخير طال كلَ القبور.
كانت هناك الكثير من المطالبات العلمائية والاكاديمية والاجتماعية، لبناء هذه القبور، لما تمثله من إرث اسلامي لا يمكن التخلي عنه، فكان من ابرز هذه الشخصيات هو سماحة الشيخ الشهيد نمر باقر النمر، رحمةُ الله عليه.

[.. إن بناء قبور الأئمة هو جوهر العلم، وعمق التوحيد، وحقيقة العبودية لله، ولكن الجهلة السذج الذين أشربوا في قلوبهم حب عجل السامرية الأموية الخارجية أقل فهماً وأضعف عقلاً من أن يدركوا أو يستوعبوا هذا الجوهر من العلم ..]

  • بناء قبور البقيع جوهر العلم

يقول الشيخ النمر رضوان الله عليه: “إن حجتنا للبناء تستند إلى البصيرة الواضحة، والدليل القاطع، والبرهان الساطع، من كتاب الله، ولذلك فهي دامغة، ومزاعم من يخالفنا أسست على جرف هار اختلقها الوضَّاعون من البشر ولذلك فهي داحضة، إن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً}.
إن هذه الآية تبين بجلاء ووضوح لا لبس فيه العقيدة والنظرية والمنطق من قبور الصالحين، حيث كان النزاع بين فئتين:
الفئة الأولى:عقيدتها الكفر، ونظريتها في القبور الطمس، ومنطقها الجهل، {فَقَالُوا} وهم الكفار {ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً} وهذه نظرية الطمس {رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} وهذا منطق الجهل.

الفئة الثانية:عقيدتها الإيمان، ونظريتها في القبور اتخاذها معابد لله، ومنطقها العلم بما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى، {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ} وهم المؤمنون {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً} وهذه نظرية بناء القبور لعبادة الله”.
الكثير من المسلمين يجهل مَن هو الإمام جعفر بن محمد الصادق، عليه السلام، الذي تخرج على يديه الآف العلماء في مختلف المجالات، الدينية والعلمية، فهذا هشام بن الحكم، وهو من صفوة صحابة الإمام الصادق عليه السلام، يعد من ابرز المناظرين في المسائل العقائدية والكلامية، وذاك جابر بن حيان بن عبد الله الأزدي، العالِم الذي برع في علوم الكيمياء والفلك والهندسة وعلم المعادن والطب والصيدلة، ويعد جابر بن حيان أول من استخدم الكيمياء عمليًا في التاريخ، وجابر هو احد تلامذة الامام جعفر بن محمد الصادق، عليهما السلام

فماذا لو كان هناك قبر لهذا الإمام الهُمام، فأكثر من خمسة مليون مسلم يذهبون سنويا الى المدينة المنورة لزيارة النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله، ضمن أعمال الحجّ والعمرة، وفي مناسبات أُخر، ومما لا ريب فيه انهم يُعرّجون على مقبرة البقيع لمشاهدتها لكن عن بعد، لأن الوهابية منعوا دخول الناس اليها، فماذا لو فُتحت هذه المقبرة، وبُنيت تلك القبور!

الغربيون انفسهم ألّفوا الكتبَ، وكتبوا المقالات حول شخصية الامام الصادق، عليه السلام، وتأسيسه لمختلف العلوم الطبيعية والانسانية، وأشهر ما اُلّف في هذا المجال، كتاب( الإمام الصادق كما عرّفه علماء الغرب)، والذي يتناول تلك الشخصية العظمية، وما حققته من انجازات علمية لا زال العالَم يستفيد منها الى اليوم.
إننا اليوم بأمس الحاجة من أي يوم مضى، الى بناء تلك المعالم المأثورة، وتشييدها لتكون صرحا اسلاميا يزخر بالعلم والمعرفة الحقيقة، فنحن بأمس الحاجة الى صلح الامام الحسن المجتبى، وعبادة سيّد الساجدين وزين العابدين، ونحن ايضا تائقون الى حلم الباقر لرأب الصدع الحاصل بين المسلمين جميعا، أما جعفر الصادق فهو الذي سيُرجع الكثير الى رشدهم وصوابهم لو استمعوا له، وأن ما عند الغير من علوم ومعارف، لا يساوي شئيا في قبال ما أتى به النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله، وأهل البيت الطاهرين، عليهم السلام، وهذا منوط بإرجاع بتشيد تلك المعالم، حتى يتساءل الناس: مَن صاحب تلك القبة؟ ولماذا دفن هنا؟ وماذا قدم للناس من منافع؟

يقول الشيخ النمر: “إن بناء قبور الأئمة هو جوهر العلم، وعمق التوحيد، وحقيقة العبودية لله، ولكن الجهلة السذج الذين أشربوا في قلوبهم حب عجل السامرية الأموية الخارجية أقل فهماً وأضعف عقلاً من أن يدركوا أو يستوعبوا هذا الجوهر من العلم”.

[.. إن الدعوة الى بناء قبور ائمة البقيع هو دعوة الى الحياة بكل معانيها واهدافها، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} ..]

  • بناء البقيع دعوة الى الحياة

ولهذا فإن هدم تلك المنارات الشامخة، ليس هدما لبناءٍ قائم متكوّن من الطين والاحجار، وانما كان طمس للعلم والمعرفة التي يحملها اولئك الاطهار، عليهم السلام، أليس رسول الله صلى الله عليه وآله قد قال في حق جدهم، الامام علي :” أنا مدينة العلم وعلي بابها؛ فمن أراد المدينة فليأتها من بابها”، ويقول الامام علي، عليه السلام: علمني رسول الله ألفَ باب من العلم، كل باب يفتح ألف باب”.

والائمة عليهم السلام، هم الوارثون الحقيقون لذلك العلم النبوي، الذي هو في الحقيقة علم إلهي، فالامام الصادق، عليه السلام يقول:” حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، عليهم السلام، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله، صلى الله عليه وآله، وحديث رسول الله قول الله عز وجل”، فإعادة بناء هذه القبور، انما هو ارجاع للعلم الالهي، الذي لا شَوب ولاكدر فيه.
كذلك فإن عمق التوحيد الحقيقي يأتي من اعلام الهدى وسادة الورى، لكنّ المسلمين عندما تركوا أهل البيت جانبا، ابتلوا بفلسفات توحيدة جلبت لهم الويل والثبور، فابن تيمية، وحتى يقرّب الصورة للناس، قال أن الله شاب أمرد، ينزل على ظهر حمار كل ليلة جمعة!، أي توحيد هذا الذي يجسم الله، فيقاس بالحواس المادية التي لدى الانسان، يقول الإمام الصادق، عليه السلام: مَن تفكر في ذات الله تزندق، وفي روايات كثيرة نهى أهلُ البيت عليهم السلام، ان يتفكر الناس في ذات الله، وأمروا بأن يتوقفوا اذا وصلوا الى الذات الالهية.

إن التوحيد اليوم في الساحة الاسلامية ليس هو التوحيد الذي أراده أهل البيت، عليهم السلام، ولذا ترى المجتمعات ابتليت ببعض المشاكل الفكرية، التي كان لها تأثير في الحياة الاجتماعية، فمن تجليات التوحيد الخالص التوكل على الله تعالى، وللاسف الشديد فإن الكثير من المسلمين يعيشون أزمة الثقة بالله والتوكل عليه، فإذا قال أحد التجار: أنه سيحتكر البضاعة، وأن الناس سيموتون جوعا إن لم يشتروا بما يريد! يصدقه الكثير، وتأخذهم الرعدة والرجفة، لكن عندما يتحدث الله في كتابه عن نصره وتأييده لعباده الصالحين، ترى القلّة القليلة تستجيب لوعد الله.

كذلك فإن حقيقة العبودية لله تعالى تجلت في ابهى صورها بعد النبي الاكرم، عند أهل البيت الطاهرين، فهذا الامام الحسن المجتبى عندما كان يقوم للوضوء يصفر لونه وترتعد فرائصه، أما الامام زين العابدين فقد سمي بهذا الاسم لكثرة عبادة، ومما يروى ان الإمام السجاد عليه السلام، كان يملك خمسين نخلةً، فكان يصلي عند كل واحدة ركعين، ليكون العدد مئة ركعة كل يوم.

إن المطالبة ببناء البقيع الغرقد، انما مطالبة بإحياء تراثهم المعصومين الأربعة، فالأمة اليوم التي تعيش التناحر والتقاتل، هي بحاجة ماسة الى صلح الحسن المجتبى عليه السلام، لحقن دماء المسلمين التي تُسفك كلَ يومٍ في اليمن وسوريا وليبيا ومصر ..، وشباب الامة بحاجة الى تقوية الصلة بالله ازاء ما يتعرضون له من ضغوط افسادية داخلية وخارجية، وذلك بالاقتداء بالامام السجاد عليه السلام، الذي مثّل قمة العبادة والطاعة لله بعد ابائه الطاهرين، وصحيفته السجادية زاخرة بالادعية التي تناغي حاجات الانسان ومتطلباته الروحية والنفسية.

كذلك فإن ارجاع الامة الى العلوم بشتى انواعها حاجة ملحة وضرورية في ظل تقدم سائر الامم، ولنا في الإمَامين الباقر والصادق، عليهما السلام قدوة مثلى لذلك، فعلى يدي الامام الصادق تخرج ألآف العلماء في مخلتف مجالات الحياة، من الطب الى الهندسة الى العقائد، ولذا فإن الدعوة الى بناء قبور ائمة البقيع هو دعوة الى الحياة بكل معانيها واهدافها، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}، فأهل البيت هم ورثة النبي، صلى الله عليه وآله، فكما ان الاستجابة للنبي حياة، كذلك فإن الاستجابة لخلافائه الطاهرون حياةٌ أيضا، لان طاعتهم إنما كانت بأمر رسول الله، الذي هو بدوره بلغ عن الله.