أسوة حسنة

بناء القيادة في منهج الرسالة

ليست القيادة في المنهج الإسلامي امتيازًا دنيويًا، ولا وسيلةً للحصول على السلطة والنفوذ، وإنما هي أمانة ومسؤولية، وابتلاءٌ عظيم يُسأل عنه الإنسان أمام الله تعالى. ولذلك لم ينظر الإسلام إلى القائد بوصفه صاحب قدرةٍ على إصدار الأوامر فحسب، وإنما نظر إليه من خلال ما يمتلكه من علمٍ وبصيرة، وعدلٍ وتقوى، وشجاعةٍ وثبات، وقدرةٍ على تحمل المسؤولية، ومبادرةٍ في نصرة الحق وخدمة الناس.

وقدّم رسول الله، صلى الله عليه وآله، في سيرته الشريفة نموذجًا متكاملًا للقيادة، فلم تكن قيادته قائمة على القوة وحدها، بل جمعت بين الرحمة والحزم، وبين العلم والعمل، وبين العبادة والجهاد، وبين التخطيط والمبادرة.

ونحن إذ نذكر رسول الله، صلى الله عليه وآله،  في يوم شهادته، فإننا بحاجة إلى التمعن أكثر في سيرته والاستفادة من علمه ونهجه، وحيث لا نستطيع أن نحيط ببحر علمه، فلابد أن نركز البحث على بصيرة من بصائر منهجه الذي خطه للأمة ألا وهي مسألة القيادة، وصفات القائد الحق، وأفضل ما نلقي الضوء عليه، بما يخص هذه المسألة هو تربية رسول الله، صلى الله عليه وآله، لأمير المؤمنين، عليه السلام، وبناء القيادة الرسالية، ومن هنا تبرز شخصيته بوصفها من أبرز النماذج التي تجسدت فيها الصفات القيادية التي أرساها رسول الله، صلى الله عليه وآله.

فقد عاش أمير المؤمنين، عليه السلام، قريبًا من رسول الله منذ صغره، وتربى في مدرسته، وكان من أوائل المؤمنين به، وشهد مراحل الدعوة كلها، وحمل معه أعباء الرسالة في أصعب الظروف. ولذلك لم يكن اختيار الإمام علي للقيام بأدوار القيادة في حياة النبي، صلى الله عليه وآله، أمرًا عارضًا، بل كان نتيجة طبيعية لما امتلكه من مؤهلات علمية وروحية وأخلاقية وقيادية.

ومن خلال دراسة شخصية أمير المؤمنين، عليه السلام، يمكن اكتشاف مجموعة من الصفات التي تجعل القيادة في المنهج النبوي قيادةً قائمة على الكفاءة والاستحقاق، لا على الرغبة في السلطة أو التنافس عليها.

أولًا: العلم والبصيرة

من أهم صفات القائد في المنهج الإسلامي؛ العلم، لأن القيادة بغير علم قد تتحول إلى فوضى، والقرار بغير بصيرة قد يؤدي إلى ضياع الأمة.

وقد اشتهر أمير المؤمنين، عليه السلام، بسعة العلم وعمق الفقه ومعرفة كتاب الله تعالى وأحكام الدين، حتى أصبحت عبارات مثل: “أَعْلَمُكُمْ عَلِيٌّ”، و: “أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ” الواردة على لسان النبي، صلى الله عليه وآله، في حق الإمام علي، عليه السلام، من العبارات المشهورة في التراث الإسلامي في بيان تميزه العلمي والقضائي.

وقد وردت روايات في هذا المعنى، منها ما روي عن رسول الله، صلى الله عليه وآله: “أَعْلَمُ أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ”.

وهنا تظهر قاعدة مهمة في القيادة؛ القائد الحقيقي لا يقود الناس بما يملك من سلطة، وإنما بما يملك من بصيرة.

وقد كان علي، عليه السلام، من أكثر أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وآله، التصاقًا به، فأخذ عنه العلم، وشهد التنزيل، وعرف أسباب النزول، وعاش مع النبي في مكة والمدينة، وشهد الأحداث الكبرى في تاريخ الرسالة، ولهذا لم يكن علم الإمام علي، عليه السلام، علمًا نظريًا منفصلًا عن الواقع، بل كان علمًا يتحول إلى موقف، وحكم، وعدل، وجهاد، وعبادة.

ثانيًا: العلم بكتاب الله وتفسيره والعمل به.

إذا كان العلم شرطًا أساسيًا في القيادة، فإن أعظم العلوم التي يحتاج إليها قائد الأمة هو العلم بكتاب الله تعالى، وقد كان أمير المؤمنين، عليه السلام، من أبرز من عُرف بالعلم بالقرآن وتفسيره وتأويله. قال تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}، سورة الرعد، الآية: 43

وقد وردت في تفسير هذه الآية روايات نسبت المراد بـ{من عنده علم الكتاب} إلى أمير المؤمنين علي، عليه السلام، ومن المصادر التي روت ذلك؛ شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني، حيث أورد روايات في تفسير الآية بعلي، عليه السلام.

والميزة الأهم أن عليًا، عليه السلام لم يكن حافظًا للقرآن فحسب، وإنما كان القرآن حاضرًا في شخصيته ومواقفه، فالقرآن عنده ليس كتابًا يُتلى في المحاريب فحسب، وإنما منهج حياة، وميزان للحكم، ومصدر للعدل، ومعيار للمواقف.

ومن هنا يمكن القول إن القيادة القرآنية التي يمثلها أمير المؤمنين، عليه السلام، تقوم على ثلاثة مستويات:

الأول: معرفة القرآن.

الثاني: فهم القرآن.

الثالث: العمل بالقرآن.

وهذا هو الفارق بين العالم الذي يمتلك المعلومات، والقائد الذي يحوّل العلم إلى مشروع حياة.

ثالثًا: القضاء والعدل.

لا يمكن أن تكون هناك قيادة إسلامية حقيقية من دون عدالة، فالعدل أساس الحكم، وقد جعل القرآن الكريم إقامة العدل غايةً أساسية من غايات الرسالات، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}. وكان أمير المؤمنين، عليه السلام، نموذجًا فريدًا في إقامة العدل، فالعدالة عنده لم تكن شعارًا سياسيًا، وإنما كانت مبدأً لا يتغير بتغير الأشخاص، ولهذا ارتبط اسمه بالقضاء، واشتهر في التراث الإسلامي بكونه من أعلم الصحابة بالقضاء.

وإذا كان القائد يستطيع أن يحكم بالقوة، فإن القائد العادل هو الذي يستطيع أن يحكم بالحق حتى عندما يكون الحق على خلاف مصلحته أو مصلحة أقرب الناس إليه، وهذه إحدى أعظم صفات القيادة في مدرسة النبوة، فالحاكم ليس مالكًا للأمة، وإنما هو خادم لها ومسؤول عنها أمام الله تعالى.

رابعًا: الشجاعة والثبات.

وهي من الصفات التي لا يمكن فصلها عن القيادة الشجاعة، ولكن الشجاعة في المنهج الإسلامي ليست تهورًا، ولا حبًا للمواجهة، وإنما هي الثبات عندما يتطلب الحق موقفًا شجاعًا، وقد كان علياً، عليه السلام، من أبرز فرسان الإسلام، وبرزت شجاعته في بدر وأحد والخندق وخيبر وغيرها من المواقف، ومن أشهر ذلك موقفه في خيبر، فقد قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: “لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ”، وهنا تظهر دلالة مهمة، أن النبي، صلى الله عليه وآله، لم يقدم عليًا على أساس قوته البدنية فقط، وإنما قدّم الشجاعة مقرونة بالإيمان والمحبة الإلهية.

خامسًا: المبادرة وتحمل المسؤولية

من أهم الصفات القيادية أن يكون الإنسان مبادرًا، لا ينتظر دائمًا أن تأتيه الأوامر، ولا يتراجع عندما تكون المسؤولية ثقيلة، وقد كان علياً، عليه السلام، حاضرًا في المواقف الصعبة منذ بداية الدعوة.

ومن أبرز صور ذلك ما رواه عبد الله بن العباس، عن الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، في واقعة الدار عندما دعا النبي الأكرم أعمامه ورجالات بني هاشم امتثالاً للأمر الإلهي: {وأنذر عشيرتك الأقربين}، (سورة الشعراء: الآية 214)، حيث دعاهم الى مأدبة تكلم فيها قائلاً: يا بني عبد المطلب! إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي، وخليفتي فيكم؟ فكانت المبادرة السريعة من أمير المؤمنين بالاستجابة لهذه الدعوة، حينها قال رسول الله: إن هذا أخي، ووصيي، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا.

وكذلك موقفه في ليلة الهجرة، عندما بات في فراش رسول الله، صلى الله عليه وآله، في موقف يتجلى فيه الاستعداد لتحمل الخطر من أجل حماية رسول الله، صلى الله عليه وآله، واستمرار الرسالة.

سادسًا: الجمع بين العلم والعمل.

من أعظم صفات القيادة أن لا يكون هناك انفصال بين العلم والسلوك، فقد نجد عالمًا كثير العلم ولكنه ضعيف الإرادة، أو شجاعًا ولكنه قليل البصيرة، أو صاحب سلطة ولكنه يفتقر إلى العدالة، أما شخصية أمير المؤمنين، عليه السلام، فقد اجتمع فيها ما تفرق في غيره؛ العلم مع العبادة، والشجاعة مع الرحمة، والقوة مع التواضع، والحزم مع العدل، والقيادة مع الزهد، والسلطة مع المسؤولية.

ولهذا فإن دراسة الإمام علي، عليه السلام، بوصفه نموذجًا قياديًا لا تعني دراسة صفاته الفردية فقط، وإنما دراسة النموذج الذي أراد رسول الله، صلى الله عليه وآله، أن يقدمه للأمة في شخصية القائد المسلم.

 سابعًا: القيادة مسؤولية لا امتياز.

من أجمل ما يظهر في سيرة أمير المؤمنين، عليه السلام، أنه لم يتعامل مع الحكم باعتباره غنيمة، فعندما تولى الخلافة لم يجعل السلطة وسيلة للانتقام، ولا المال وسيلة لاسترضاء الناس، ولا الحكم طريقًا لتقديم الأقارب والأصدقاء، بل كان يرى أن الحاكم مسؤول عن إقامة الحق.

ومن هنا يمكن فهم كلماته المشهورة في وصف الدنيا والسلطة، عندما كان يبيّن أن قيمة الحكم عنده لا تساوي شيئًا إذا لم يكن وسيلة لإقامة حق أو دفع باطل.

منهج الرسول لصنع القائد

إن منهج رسول الله، صلى الله عليه وآله، في بناء القيادة لم يكن قائمًا على القوة وحدها، ولا على النسب، ولا على الشهرة، وإنما كان قائمًا على صناعة الإنسان الذي يستطيع أن يحمل رسالة الله ويصونها ويقود الناس على أساسها.

ومن خلال شخصية أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، عليه السلام نرى اجتماع أهم صفات القيادة التي يحتاج إليها المجتمع الإسلامي: العلم، والفقه، والبصيرة، والعدل، والشجاعة، والمبادرة، والتقوى، والزهد، وتحمل المسؤولية.

لقد كان رسول الله، صلى الله عليه وآله، يبني أمة، وكان من مقتضى بناء الأمة أن يبيّن لها صفات القيادة التي تحفظ مسارها بعد رحيله.

وهذه هي القيادة التي أرادها رسول الله، صلى الله عليه وآله: قيادة تحمل رسالة، لا سلطة تبحث عن رسالة؛ قيادة تخدم الأمة، لا أمة تخدم القائد؛ وقيادة يكون ميزانها الحق، لا ميزانها القوة.

وإذا كانت الأمة اليوم تبحث عن نموذج للقيادة الصالحة، فإن دراسة سيرة رسول الله، صلى الله عليه وآله، وسيرة و شخصية أمير المؤمنين، عليه السلام، ليست مجرد استذكار للتاريخ، وإنما هي عودة إلى مدرسة متكاملة في بناء القائد والإنسان والمجتمع.

ونحن اليوم إذا أردنا الخلاص من مشاكلنا، لنهنأ بالعيش في مجتمع فاضل، وأمة صالحة داخل بلد يسوده العدل والكرامة، نحتاج إلى اختيار قائد بهذه الصفات نتبعه ونسلم له زمام الأمور ليقودنا إلى بر الأمان، وإن قائداً بهذه الصفات لا يكون إلا من الأئمة المعصومين، عليهم السلام، أو من ارتبط بهم، وعمل بمنهجهم، وسار على خطهم وهم الفقهاء العدول الذين هم نواب الإمام المعصوم وهم الباب الذي يوصلنا إليه، فمسوؤلية الأمة اليوم أن تبحث عن مرجع، وعالم عامل عادل، و ولي فقيه تتبعه ليقودها إلى ما فيه خير وصلاح على سيرة أمير المؤمنين، عليه السلام، ونهج الرسول الأكرم محمد، صلى الله عليه وآله.

عن المؤلف

الشيخ حسين الأميري

اترك تعليقا