مناسبات

كيف تبنى الدول؟ دراسة في تجربة الرسول لبناء مجتمع نموذجي

لقد كانت حاكمية الاسلام في قيادة النبي لعشر سنوات في المدينة المنورة تعد من ألمع عهود الحكم طيلة التاريخ البشري، فما هي المعالم التي عمل النبي عليها حتى حول ذلك المجتمع القبلي الذي تصفه فاطمة الزهراء في الخطبة الفدكية قائلة: كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّار، مُذْقَةَ الشّارِبِ وَنُهْزَةَ الطّامِعِ، وَقُبْسَةَ الْعَجْلانِ، وَمَوْطِىءَ الأَقْدام، تَشْرَبُونَ الطَّرَقَ، وَتَقْتاتُونَ القَدّ أَذِلّةً خاسِئيِنَ، تَخافُونَ أنْ يتخطّفكُمُ النّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ، فَانْقَذَكُمُ الله بِأبي مُحَمَّدٍ(ص)، فكيف استطاع النبي (ص) ان ينقذ مجتمع بهذه الصفات، لقد عمل النبي (ص) على ارساء قواعد ودعائم في ادارة المجتمع والحكومة التي أنشأها في المدينة المنورة لتقوم العالم فيما بعد، قواعد أراد منها النبي (ص) ان تكون تلك الحكومة هي المثال البارز الذي تقتدي به كل حكومة او نظام يأتي من بعده، فما هي تلك الدعائم:

المعلم الاول/ الايمان: فالدافع الحقيقي للنظام النبوي الى الأمام هو الايمان المنبثق من قلوب الناس وعقولهم والذي يأخذ بأيديهم وكل كيانهم نحو طريق الصواب، فالمعلم الاول يتمثل في نفخ روح الايمان والعقيدة وهذا ما بدأه النبي في مكة ورفع رايته في المدينة المنورة.

المعلم الثاني/ العدل والقسط: لا يمكن اقامة حكومة ونظام نموذجي من دون العدل والقسط اللذين يعدان منطلق العمل، وهو اعطاء كل ذي حق حقه من دون أدنى مداهنة.

المعلم الثالث/ العلم والمعرفة: الأساس الذي قامت عليه الحكومة الاسلامية والنظام النبوي هو العلم والمعرفة والوعي واليقظة، وهو القائل: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، فالامة تتحول عن طريق الوعي والمعرفة والقدرة على التشخيص الى قوة فعالة لا منفعلة.

المعلم الرابع/ الصفاء والأخوة: قام النظام النبوي على نبذ الصراعات بين المسلمين التي كانت تتغذى بدوافع داخلية: كالدوافع الشخصية والمصلحية والقبلية، او دوافع خارجية: كالعلاقات مع اليهود او غيرهم، اذ حول الاجواء الى اجواء تتسم بالصدق والاخوة والتآلف والحميمية؛ اذ من اول الاعمال التي قام بها النبي (ص) في المدينة المنورة هو ان آخى بين المهاجرين والأنصار وآخى بين نفسه وعلي.

المعلم الخامس/ الصلاح الأخلاقي والسلوكي: فالنبي (ص) كان عمله الأساسي تزكية الناس وتطهيرهم من رذائل الأخلاق وأدرانها، اذ يصفه الله سبحانه وتعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}.[البقرة، 129]، فالتزكية هي عمل اساسي حيث كان النبي يعمل على فرد فرد من أفراد المسلمين بالتربية وبناء الانسان.

المعلم السادس/ الاقتدار والعزة: فالمجتمع والنظام الذي أقامه النبي لا يمكن أن يتسم بالاستكانة أو الارتهان للغير أو طلب الحماية واستجداء الحماية من الآخرين لمواجهة اخوانه، بل يتميزان بعزتهما واقتدارهما، فهما متى ما شخصا موطن صلاحهما سعيا إليه وشقا طريقهما الى الأمام، وفقا لقاعدة: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال/ 60].

المعلم السابع/ العمل والنشاط والتقدم المطرد: فلا مجال للتوقف في النظام النبوي، بل الحركة والعمل والتقدم بنحو منظم، ولا يحدث ان يقول ابناؤه ان كل شيء قد تم، فلنركن الى الدعة والراحة، {فَإِذَا فرَغْتَ فَانصَبْ}. [الشرح: 7]. بهذه الدعائم السبع استطاع النبي ان يُنشئ ذلك النظام النموذجي الذي حول فيه المجتمع من الصفات التي ذكرتها فاطمة الزهراء الى مجتمع يقوم العالم خلال سنوات معدودة فقط.

عن المؤلف

د. محمد جواد منذور/ دكتوراه في القانون

اترك تعليقا