قراءة فی کتاب

الحياة الإيمانية تأملات في آيات {ياأيها الذين آمنوا}

المجتمع الإسلامي (الايماني) هو “مجتمع العمل والسعي، مجتمع النشاط والايجابية، ومجتمع البناء والتقدم، أما مجتمع الكسل والترهّل والاتكالية والروح السلبية، فهو ليس بمجتمع إسلامي، وإن رفع يافطات الأسلمة”.

أن تكون علاقة الفرد والجماعة بالقرآن الكريم، علاقة إيمانية لهي علامة صحّة في المسيرة نحو تحقيق السعادة والتكامل بالحياة، وقد وصف القرآن نفسه هذه العلاقة بالعلاقة “الطيبة” بكل ما تعنيه هذه الكلمة من دلالات ومضامين.

وحتى نجد السبيل الواضح في هذه المسيرة يبادر سماحة الشيخ صاحب الصادق، بتسليط الضوء على محورية الايمان في علاقتنا مع القرآن الكريم، ومع أحكام وسنن الله –تعالى- بشكل عام لتكون هذه العلاقة أوسع وأعمق من التلاوة والحفظ والاعمال الظاهرية الأخرى.

وسماحة الشيخ الصادق، معروفٌ في الأوساط العلمية بتخصصه في التدبّر بالقرآن الكريم منذ حوالي خمسين سنة، فقد بحث وألّف وحاضر في هذا المجال، وفي هذا المؤلف الجديد يتدبّر سماحته في موضوع حيوي يتعلق بحياة كل انسان، وهو موضوع الايمان، وقبل التطرق الى محتويات الكتاب، يجدر الإشارة الى أن الخطاب الايماني في القرآن الكريم موجه الى كل انسان، وليس الانسان المؤمن فقط، فهو {نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} وجملة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} تمثل مفتاحاً يتيح لمن يجد في نفسه مؤهلات الإيمان لأن يرتقي الى مستوى المؤمنين من خلال العمل الصالح واتباع الاحكام والسُنن والقوانين الإلهية، ولذا نجد سماحة الشيخ المؤلف يبدأ مشواره التدبّري في خطاب عام لأهل القبلة علّهم يسترشدون، “إذ القرآن الكريم ليس هو إلا كتاب عمل، إنه برنامج البشرية للتقدم والسعادة”.

في الفصل الأول تحت عنوان: القرآن والحياة الإيمانية، يؤشر سماحة الشيخ الصادق الى “خارطة طريق الحياة الطيبة” ليعطي الموضوع حيوية وعملية أكثر، فهو يبدأ من القلب عند الانسان الفرد من خلال حديثه عن “المؤمن في القرآن” في ضوء الآية الكريمة: {قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}، بأن “الايمان ليس مجرد ادعاء، بل الايمان يعني تغيّراً جذرياً في حياة الانسان”، وهذا التغيير لا يكون إلا بتمحّض الايمان في القلب الذي يعد مركز التعقّل والتفكّر والاعتقاد والعواطف في الاتجاه الرباني الصحيح–يقول سماحة المؤلف-، والخطوة التالية؛ ترجمة هذا الايمان الى سلوك عملي يتجلى في طاعة الله و رسوله، ومن يشكل امتداداً للرسول من الأئمة الهداة ونوابهم الفقهاء العدول.

وبعد الفرد يعرّج المؤلف الى الجماعة “مجتمع العطاء والتنمية”، هكذا يصف المجتمع الإسلامي (الايماني)، فهو “مجتمع العمل والسعي، مجتمع النشاط والايجابية، ومجتمع البناء والتقدم، أما مجتمع الكسل والترهّل والاتكالية والروح السلبية، فهو ليس بمجتمع إسلامي، وإن رفع يافطات الأسلمة”.

وحتى يكون لدينا نموذجاً حيّاً نقتدي به في علاقتنا الايمانية بالقرآن الكريم، يرشدنا المؤلف الى علاقة الأمام الحسين، عليه السلام، بالقرآن، وتحديداً في ليلة عاشوراء عندما طلب تأجيل المعركة الى ظهيرة اليوم العاشر من المحرم، “لعلّنا نصلي الى ربنا وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أني قد أحب الصلاة له وتلاوة كتابه والدعاء والاستغفار”، ويؤكد سماحته أن “القرآن كان حاضراً مع الحسين يوم عاشوراء، فهو لم يرفع السيف في وجه الطغاة والجائرين إلا دفاعاً عن رسالة الله وكتابه”.

وفي الفصل الثاني تحت عنوان: خصائص المجتمع الايماني في الخطاب القرآني، يقدم سماحة الشيخ المؤلف مواصفات هذا المجتمع ليكون لدينا معياراً دقيقاً نقيس ما نحن عليه في حياتنا الاجتماعية، لاسيما وأن المؤلف يلفت نظرنا الى الخطاب الجماعي للقرآن بخصوص الإيمان؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، ليخرج القضية من نطاقها الفردي والذاتي الى رحاب الجماعة الكبيرة والأمة، حتى “ينطلق المؤمن في تطبيق مناهج الله تعالى في الحياة جنباً الى جنب مع سائر المؤمنين وليس ولحده، فالفردية ليس لها موقع في قاموس المجتمع الإيماني”.

ويبدأ سماحة الشيخ المؤلف في التدرج بتحديد هوية المجتمع الإيماني من الدائرة الصغيرة في حياته الأسرية، وحتى الدوائر الكبيرة والمصيرية، فهو يبدأ من الطعام ومصدره وطهارته لما له من آثار تكوينية على الحالة الايمانية لأفراد المجتمع الايماني، ثم يتدرج الى مفهوم الصراع ومواجهة التحديات الخارجية في ضوء الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، ويؤكد على حقيقة هامة بوجود العدو الداخلي الى جانب الخارجي، متمثلاً بالمنافقين والمناوئين، الى جانب بعض أصحاب المال والثروة ممن يجدون في مبادئ الإسلام وقوانينه تهديداً لمصالحهم.

وتحت عنوان “بين دبلوماسية التعقّل والكرامة ونهج الخضوع والطاعة”، يدعو سماحة الشيخ الصادق الى تحقيق توازن حذر للتعامل الإيجابي مع موجة التقدم العلمي والتقني، الى جانب التفوق السياسي والعسكري لعدد من الدول المؤثرة في العالم، وهو من صفات المجتمع المؤمن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ}، مما يستدعي الحفاظ على الأصالة والهوية، وعدم الانزلاق في متاهات الأفكار والثقافات الأجنبية التي يقول المؤلف انها تأتينا بعناوين ومسميات ذات لون إيجابي “لإخفاء الحقيقة المرة مثل؛ الاتفاقيات الاستراتيجية، والتعاون الدولي، والمنظمات الدولية، وهيئات أممية”.

تشيع هذه الأيام مقولة: لماذا يجب عليّ اتباع هذا العالم او ذاك؟ او هذه العقيدة او تلك؟ “ولماذا تطالبونني أن أعيش خارج إطار حريتي”؟! حتى أن البعض يوهم نفسه بالمهانة وفقدان الكرامة والشخصية اذا أطاع الوالدين وعلماء الدين!

إن المطلوب ليس المواجهة والصراع على طول الخط بقدر ما هو منهج خاص وآمن للتعامل المثمر مع الآخر المختلف بالابتعاد عن الطاعة والانصياع والقبول بكل شيء.

إن المجتمع الإيماني عندما يضمن تماسكه المعنوي والعقدي، يتمكن من الانطلاق في رحاب البناء الحضاري وفق رؤية جماعية يعمّها الأمن والسلام والانسجام الداخلي في ضوء الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}، “فالمجتمع المتنازع والمتصارع الذي ترهقه الاختلافات والنزاعات لا يمكنه ان يتقدم ويبني، بل النزاع والخصام لا يؤديان إلا إلى الفشل”.

ثم يسترسل المؤلف في سمات المجتمع الإيماني بانه “مجتمع التكافل والايمان”، و”مجتمع الصفاء الروحي”، و”مجتمع العطاء الطيب”، والمجتمع الذي يسترشد بالقرآن الكريم في جميع شؤون حياته.

ونقطة هامة يسلط عليها الضوء سماحة الشيسخ المؤلف في سياق حديثه عن مواصفات المجتمع الإيماني بأن ولائه وطاعته لله –تعالى- ولمن ارتضاهم من خلقه، وليس لأي جهة او شخص آخر في ضوء الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} بلى؛ يأمر الله –تعالى- بطاعة الوالدين ولكن في عرض الطاعة الإلهية، أي ألا تخرج عن إطار طاعة الله.

مكمن الأهمية في هذه الموضوع موضة الحرية في الاختيار والانتماء والاعتقاد هذه الأيام بسبب توافد أفكار مختلفة عبر منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام، إذ تشيع هذه الأيام مقولة: لماذا يجب عليّ اتباع هذا العالم او ذاك؟ او هذه العقيدة او تلك؟ “ولماذا تطالبونني أن أعيش خارج إطار حريتي”؟! حتى أن البعض يوهم نفسه بالمهانة وفقدان الكرامة والشخصية اذا أطاع الوالدين وعلماء الدين والتزم بالقيم الأخلاقية!

في هذا السياق يؤكد سماحة الشيخ المؤلف أن لا أحد في العالم يعيش دون طاعة او اتباع لإنسان آخر، ويعد هذه حقيقة إنسانية واضحة، “ومن يزعم أنه متحرر من الاتباع والطاعة فهو يكذب، الكل يطيع ويتّبع الغير، ولكن؛ المُطاع والمتبوع يختلف بين هذا وذاك”، انما الحد الفاصل في معيار الحق والباطل، وفي الخير والشر، مثال ذلك: “قد يضع الانسان لنفسه ومجتمعه قانوناً و أطراً ونظاماً ولكنه ناقصاً ومعيباً ومحدوداً، لذاك ترى التناقض والتاضد بين القوانين والنظم البشرية، فترى الانسان نفسه يضع قانوناً اليوم ثم يغيره غداً او ينقضه تماماً”.

ويحدد سماحة الشيخ الحل والمخرج الى النجاة في “الطاعة الرابحة”، مؤكداً ان كل الأنبياء كانوا يدعون البشر الى اجتناب الطاعات الخاسرة. “فأنا مخلوق، فلماذا لا أطيع الخالق؟ والخالق الذي يريد مصلحتي وهو أعرف منّي بها، لماذا لا اطيع مبعوث هذا الخالق وهو النبي المرسل من قبل الله؟ ولماذا أطيع كل من هب ودبّ من القادة والامراء ولملوك والرؤساء رغم ما فيهم من نقاط الضعف والفسق والانحراف والظلم”؟

وفي الكتاب محاور أخرى جديرة بالمطالعة والاستلهام لأن المؤلف يسعى في الحيز المحدود لديه أن يجعل القرآن الكريم مرآة لحياتنا الايمانية حتى نضمن الفلاح والصلاح في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

الكتاب بواقع 185 صفحة، يأتي ضمن “سلسلة الفكر الرسالي” من إصدارات مركز الفكر الرسالي للدراسات والأبحاث، متوفرٌ في مكتبة دار البصائر في مدينة كربلاء المقدسة، شارع قبلة الامام الحسين، شارع فندق الميزان.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا