جملة من الهواجس تتجمع مرة واحدة في قلب طلبة السادس الأعدادي، تصيبه بحمّى النتائج، منها؛ المعدّل، والسمعة، والوظيفة، والطموح، و لكل واحدة من هذه الهواجس ابعادها في الحياة، و وزنها الثقيل في النفس، تسبب القلق القاتل، لأن المعدل يعني الكلية في الجامعة، والسمعة؛ الوجاهة الاجتماعية للعائلة، والوظيفة؛ المال، والطموح؛ الآمال المرجوة من وراء الدراسة.
القلق من نتائج أي اختبار في الحياة أمرٌ طبيعي، فالمريض ينتظر نتيجة التحليل على أحرّ من الجمر ليعرف حقيقة مرضه، او يحفّه الاطمئنان بالصحة، وايضاً سائر أنواع الاختبار في حياتنا اليومية، و ربما تكون عملية السونار للسيارات واحدة من هذه الاختبارات المُقلقة، مع الفارق طبعاً، إنما المشكلة في اختبار العلم هذه الأيام تحديداً تحميل الطالب مسؤولية تحقيق كل شيء من هذا الاختبار، وإلا فهو من “المغضوب عليه”! وهذا الشعور تحديداً يعتري كل حاصل على نتائج غير جيدة من هذا الامتحان، فهو يستشعر كمن هو ساقط من شاهق الى الأرض، وليست درجاته هي الساقطة بالحقيقة!
نظرة سريعة الى الواقع المعيشي في العراق يفسّر لنا جانباً من هذه الظاهرة المؤسفة، فالأب والأم في الأسرة –البعض منهم حتى لا نُعمم- يفعلون كل شيء للحصول على الوظيفة، وفرص العمل، ومن ثم؛ المال الوفير، لتحقيق ما تهوى انفسهم من الدار الفاخرة، والسيارة الراقية، ومختلف اشكال الرفاهية، حسب تصورهم طبعاً، ولذا نجد أحد الآباء ينحني أمام ثقل الديون من اجل تغطية تكاليف الدروس الخصوصية لابنته حتى تكسب المعدل العالي المؤهل لتكون طبيبة –مثلاً-، وعندما أخفقت في هذا المسعى، سمعنا بخبر مقاطعة هذا الأب لابنته لفترة طويلة، “زعل منها”! ونفس التصور ينطبق على البنين ايضاً، واذا نتحاشى الخوض في دفع القلق والاضطراب صاحبه الى حافة الانتحار، ولو بشكل محدود، حريٌ بنا التأكيد على ترسبات هذا القلق والاضطراب في نفوس الطلبة بشكل غير محسوس، ولا معلن على الواقع الخارجي، ما من شأنه الاستحالة الى عقد نفسية وسلوكيات شاذة في قادم الأيام. إن طلب العلم، مرحلة من مراحل حياة الانسان، وليست كل شيء، ففي العصور الماضية، كان مقتصراً على الطبقة الحاكمة، وعلى شريحة الفلاسفة والحكماء، ثم جاء الإسلام بنوره الوضّاء، وجعل العلم “فريضة على كل مسلم ومسلمة”، وفي نفس الوقت رسم طريقاً طويلاً لمسيرة العلم من نقطة الصفر وحتى أسمى نقطة يعبّر عنها القرآن الكريم: {عِلْمِ اليَقِين}، وهي مرتبة تحتاج الى حمل مشعل العلم بين ظلمات المجتمع، وقبلها؛ بين ظلمات النفس الأمارة بالسوء لتحصينها من الغرور، والكِبر، والحسد، وهذه المطبات النفسية هي الأجدر بالخشية والقلق من نتيجة اختبار الانسان نفسه أمامها، فاذا كانت النتيجة النجاح فهو من المفلحين دنياً وآخرة، أما الفشل فان علمه وتفوقه سيكون وبالاً عليه وعلى محيطه الاجتماعي، وربما على البشرية جمعاء عندما يتوظّف العلم للموت والإبادة الجماعي في الحروب، أو لإفقار الناس في عالم الاقتصاد، أو لرفع سوط الظلم وتهميش العدل في عالم القانون والقضاء، وهكذا سائر العلوم، ولا اتحدث عن علم الطب فقضيته معروفة!
