الهدى – متابعات ..
تشهد محافظة البصرة، كعادتها في شهري تموز وآب، ارتفاعًا حادًا في درجات الحرارة التي تتجاوز الـ 50 درجة مئوية في الظل، مسجلة أحيانًا أعلى درجات حرارة في العالم.
وهذه الأجواء اللاهبة، التي تزيد من مخاطر الإصابة بضربات الشمس والأمراض الجلدية والتيفوئيد، دفعت زوار الأربعين الحسيني إلى تغيير بوصلة مسيرتهم التقليدية نحو كربلاء المقدسة، محولين الليل إلى نهار لقطع الطرقات الشاقة.
“المشاية” يفضلون الليل هربًا من حرارة الشمس الحارقة
مع انطلاق المسيرة الجماهيرية الكبيرة لإحياء ذكرى أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام) من البصرة، أصبح الزوار يفضلون المسير من وقت العصر أو المغرب حتى الفجر أو الساعات الأولى من الصباح.
وهذا التحول لم يقتصر على أوقات المسير فقط، بل امتد ليشمل المواكب الحسينية التي غيرت مواعيد تقديم وجبات الطعام وحتى أنواعها، مع التركيز بشكل أكبر على العصائر والمياه الباردة والفاكهة لتبريد أجساد الزائرين الملتهبة.
قصص من قلب المسيرة: تحدي الحرارة والتفاني الحسيني
محمد علي (20 عامًا) من قضاء أبي الخصيب، يسير للعام الثاني على التوالي من البصرة. يقول لوكالة نون الخبرية: “أصلي الفجر وأنطلق بالمسير، ولا نتوقف إلا لتناول الطعام والشراب عند المواكب، ثم نواصل السير حتى الحادية عشرة قبل الظهر، لنستريح في بيوت “المعازيب” التي توفر المبيت للزوار.”
ويقطع محمد حوالي 30 إلى 35 كيلومترًا يوميًا، ويستغرق وصوله إلى كربلاء ما بين 13 إلى 14 يومًا، منها ثلاثة أيام في البصرة ويومان في ذي قار. ويؤكد أن “جميع أفكار التعب وبعد المسافة انتهت بمجرد الانطلاق في السير.”
من منطقة الصالحية في البصرة، أكد حيدر ضياء ورفيقه أحمد أزهر في قضاء الهارثة، أن مسيرتهما إلى الإمام الحسين (عليه السلام) مستمرة للعام الثالث على التوالي.
وقالا: “في السنوات الماضية، كان المسير من الفجر إلى منتصف الليل بسبب اعتدال الأجواء، لكن موجات الحر أجبرتنا على السير ليلًا وفجرًا ومطلع النهار.
” ويفضل حيدر ورفيقه المسير من الخامسة عصرًا حتى منتصف الليل، قاطعين ما بين 20 إلى 30 كيلومترًا يوميًا.
ويشير حيدر إلى أن “الجو يساعد على المسير ليلًا، أما في النهار فالحر شديد ولا يساعد نهائيًا، وحتى المواكب لا تقدم خدماتها لأن الشارع فارغ”.
وتابع انه رغم الرطوبة العالية والزحام البشري ليلًا، “فإن المسيرة لا تتوقف، لذلك يلجأ المشاية إلى تناول الماء البارد والعصائر بكثرة لتبريد أجسادهم.”
الزائر كاظم عبد الزهرة من منطقة “5 ميل”، والذي يعمل في إحدى محطات الغاز، يسير منفردًا مرتدياً دشداشة سوداء وحزامًا جلديًا سميكًا. بدأ مسيره راجلاً إلى الإمام الحسين (عليه السلام) في زيارة الأربعين منذ أكثر من 15 عامًا.
يقول: “مرت عليَّ سنوات أسير في الشتاء تحت وابل الأمطار والبرد ليلًا ونهارًا بشكل متواصل، إلا ساعات قليلة للصلاة وتناول الطعام والنوم. بينما أصبحنا في هذه السنين نسير ليلًا فقط لشدة الحرارة التي لا يمكن السير فيها تحت أشعة الشمس لأنها مؤذية جدًا.” حاليًا، يبدأ مسيره بعد صلاة المغرب حتى السابعة صباحًا، ثم ينام في أحد المواكب، قاطعًا حوالي 60 كيلومترًا يوميًا في الأيام الأولى بالبصرة، ثم يقللها إلى 30 كيلومترًا في المحافظات الأخرى ليصل كربلاء في عشرة أيام، ليصادف وصوله العشرين من صفر، موعد الزيارة الأربعينية.
وحتى الزائر “أبو علي” من الناصرية، الذي تجاوز السبعين عامًا، اصطحب أخته وابنه قادمين من الناصريه إلى البصرة ليبدأوا مسيرهم من أبعد نقطة في العراق.
يقول أبو علي: إن مسيره للأربعينية بدأ منذ عام 2003 بعد سقوط النظام السابق. ويؤكد أنه “شاهد مجموعة من الشباب يسيرون نهارًا بالرغم من شدة الحرارة القاسية، وعند سؤالي لهم عن سبب مسيرهم تحت أشعة الشمس الحارقة والخطرة، أجابوني: ‘خطورتها ليست كخطورة الشمس في العاشر من المحرم على الحسين وأولاده وأصحابه وعياله’.”
ويشدد على أن “غاية مسيرة الزائرين المحبين لأبي عبد الله الحسين (عليه السلام) هي استقبال ركب السبايا والسجاد وإحياء أمرهم.”
